مصطفى النحاس.. وريث سعد زغلول وزعيم الوفد
رجل الدولة الذي دافع عن الدستور واستقلال القرار الوطني

تحل اليوم ذكرى رحيل مصطفى النحاس، أحد أبرز قادة الحركة الوطنية ورموز حزب الوفد، الذي تولى رئاسة الحكومة المصرية في مراحل مفصلية من تاريخ البلاد، ارتبط اسمه بالدفاع عن الاستقلال والدستور والحياة النيابية، كما مثّل نموذجًا لسياسي ظل حاضرًا في المشهد العام رغم تقلبات المرحلة السياسية والصراعات التي أحاطت بالحياة الحزبية.
وفي ذكرى رحيله، لا تُستعاد شخصية النحاس باعتبارها جزءًا من الماضي فقط، وإنما باعتبارها تجربة سياسية تطرح أسئلة الحاضر حول معنى المعارضة، وقيمة المؤسسات، وقدرة الأحزاب على التعبير عن تطلعات المواطنين.
كان مصطفى النحاس كان الشخصية التي حملت الحزب خلال واحدة من أكثر مراحل مصر تعقيدًا، بين صراع القصر والاحتلال البريطاني، وتبدل الحكومات، وتوتر العلاقة بين الدستور والسلطة، وذلك بعد أن وضع سعد زغلول الأساس الجماهيري والسياسي للوفد، فإن
بدأ النحاس حياته في السلك القضائي، لكنه انخرط مبكرًا في الحركة الوطنية، وكان من الشخصيات التي ارتبطت بالحركة الوفدية منذ تأسيسها. وتذكر المصادر الرسمية أنه أصبح أحد أهم مساعدي سعد زغلول، وتولى في يوليو 1920 سكرتارية لجنة الوفد المركزية في القاهرة، كما رافق سعد في تحركاته السياسية خارج مصر.
وكان النحاس حاضرًا في ثورة 1919، وتعرض للنفي إلى جزيرة سيشل خلال الفترة من 1921 إلى 1923، قبل أن يعود إلى مصر ويواصل نشاطه السياسي والقانوني. ثم تولى وزارة المواصلات في أول حكومة شكلها سعد زغلول عقب انتخابات 1924.
وبعد وفاة سعد زغلول في أغسطس 1927، انتقل مركز القيادة إلى النحاس، الذي أصبح رئيسًا لحزب الوفد، ليبدأ فصل جديد في تاريخ الحزب، ولم تكن مهمة النحاس سهلة؛ فقد ورث حزبًا جماهيريًا له تاريخ نضالي، لكنه كان يعمل داخل نظام سياسي تتداخل فيه سلطات الملك والاحتلال البريطاني مع المؤسسات الدستورية والبرلمان.
تولى النحاس رئاسة الحكومة عدة مرات، في أعوام 1928 و1930، ثم بين 1936 و1937، وبين 1942 و1944، وأخيرًا بين 1950 و1952، ليصبح أحد أكثر السياسيين حضورًا في الحياة السياسية المصرية قبل ثورة يوليو.
وتأتي معاهدة 1936 في قلب تجربة النحاس السياسية. فقد وقعت حكومة الوفد المعاهدة مع بريطانيا باعتبارها خطوة يمكن أن تفتح الطريق أمام إنهاء الاحتلال تدريجيًا وتنظيم العلاقات المصرية البريطانية. إلا أن تطورات السنوات التالية، واستمرار الوجود البريطاني، دفعا النحاس نفسه إلى تبني موقف أكثر تشددًا.
وفي أكتوبر 1951، اتخذت حكومة الوفد قرارًا بإلغاء معاهدة 1936 واتفاقية الحكم الثنائي الخاصة بالسودان، في خطوة مثلت تصعيدًا كبيرًا ضد الوجود البريطاني. وسجل البرلمان المصري آنذاك الموقف الشهير للنحاس الذي اختصر تحوله السياسي تجاه المعاهدة بقوله إن مصر وقعت الاتفاقية من أجل مصالحها، وإنها تمزقها من أجل مصر.
ولم يكن الصراع مع الاحتلال منفصلًا عن الصراع الداخلي على السلطة، فقد كانت علاقة النحاس بالملك فاروق شديدة التعقيد، وشهدت الحياة السياسية صدامات متكررة بين القصر والوفد، كان من أبرزها واقعة 4 فبراير 1942، عندما حاصرت القوات البريطانية قصر عابدين، وانتهى الضغط البريطاني إلى تكليف النحاس بتشكيل الحكومة. وقد تركت الواقعة أثرًا بالغًا على صورة الوفد وعلاقته بالقصر وبالرأي العام.
وفي الوقت نفسه، شهد الوفد نفسه صراعات داخلية حادة، كان أبرزها الخلاف بين النحاس ومكرم عبيد، الذي انتهى بانشقاق الأخير وتأسيس الكتلة الوفدية، وهي أزمة كشفت أن الحزب الذي ظل يقدم نفسه باعتباره تعبيرًا عن الأمة لم يكن بمنأى عن صراعات السلطة والنفوذ داخله.
وبحل الأحزاب بعد ثورة يوليو 1952، انتهى الدور السياسي المباشر للنحاس، الذي ابتعد عن الحياة السياسية حتى وفاته في 23 أغسطس 1965.
لكن تقييم تجربة النحاس لا يمكن اختزاله في صورة «زعيم الوفد» فقط، فقد كان سياسيًا عاش التناقضات الكاملة للعصر الليبرالي المصري، تفاوض مع بريطانيا ثم ألغى المعاهدة، شارك في نظام ملكي ثم اصطدم بالقصر، قاد حزبًا جماهيريًا ثم واجه انشقاقات داخلية، وحاول الحفاظ على المسار الدستوري في بيئة سياسية لم تكن فيها قواعد اللعبة مستقرة.
ولهذا بقي مصطفى النحاس واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الوفد ومصر الحديثة، ليس فقط باعتباره خليفة سعد زغلول، وإنما باعتباره الرجل الذي حمل مشروع الوفد إلى مرحلته الأكثر نضجًا والأكثر صدامًا في الوقت نفسه.






