هناك مقولة قديمة في الاقتصاد تقول إن الأرقام لا تكذب، لكن من السهل أن نجعلها تقول ما نريد إذا انتزعناها من سياقها، أو غيّرنا منهجية حسابها من مرة إلى أخرى، وما شهدناه خلال الأيام الماضية في ملف تكلفة الكهرباء يجسد هذه الفكرة بصورة تكاد تكون مدرسية.
فالمواطن لم يسمع رقمًا واحدًا، بل سمع أكثر من رقم، وأكثر من رواية، وأكثر من تفسير، مثلا.. تكلفة الكيلووات ساعة قيل إنها 2.58 جنيه، ثم 2.75 جنيه، ثم 7 جنيهات، ثم 8 جنيهات، بل وظهرت تصريحات تتحدث عن 16 جنيهًا، وكل رقم خرج باعتباره “الحقيقة”.
والمشكلة ليست في اختلاف التقديرات، فمن الطبيعي أن تختلف باختلاف الفرضيات، وإنما في غياب المنهجية التي تفسر هذا الاختلاف، وتوضح للمواطن لماذا تغير الرقم، وما الذي تغير معه.
في إحدى المداخلات، قيل إن تكلفة إنتاج الكيلووات ساعة تبلغ 2.75 جنيه، محسوبة على أساس تسعير الغاز لمحطات الكهرباء عند 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu)، ثم قيل إن التكلفة الحقيقية تبلغ 8 جنيهات بعد احتساب السعر الحقيقي للغاز.
بعدها بساعات، جاءت مداخلة أخرى تؤكد أن التكلفة الفعلية للغاز هي 8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وأن الوقود يمثل نحو 80% من تكلفة إنتاج الكهرباء، وأن الوزارة نجحت في خفض استهلاك الوقود من 180 إلى 169 جرام وقود مكافئ لكل كيلووات ساعة.
هنا تبدأ الحيرة
فإذا كانت تكلفة الوقود تمثل 80% من التكلفة، وإذا كان استهلاك الوقود انخفض إلى 169 جرامًا، وإذا كان سعر الغاز الحقيقي هو 8 دولارات كما قيل، فإن الحساب يقود إلى تكلفة تختلف جذريًا عن رقم 8 جنيهات، ليس لأن أحدًا يختلف سياسيًا مع الحكومة، وإنما لأن العمليات الحسابية البسيطة لا تصل إلى هذه النتيجة.
ثم جاء إنفوجراف صادر من مجلس الوزراء ليضيف طبقة جديدة من الأسئلة، إذ افترض أن سعر الغاز “العالمي” يبلغ 8 دولارات، ويحسب على أساسه قيمة ما يسميه “الدعم الضمني” لقطاع الكهرباء.

لكن ما هو هذا “السعر العالمي”؟.. هل هو سعر TTF الأوروبي؟ أم Henry Hub الأمريكي؟ أم JKM الآسيوي؟ أم متوسط أسعار الغاز المسال الفورية؟ أم متوسط تكلفة الغاز الذي تستورده مصر؟ أم مجرد رقم افتراضي اختير لتبسيط الحساب؟.. لا نعرف.
وهذا ليس سؤالًا شكليًا، لأن الفارق بين هذه المؤشرات قد يصل إلى عدة دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وهو ما يعني عشرات، وربما مئات، المليارات من الجنيهات عند تحويله إلى تكلفة كهرباء أو دعم.
لدينا إنتاج محلي، وواردات من الغاز الطبيعي المسال، وواردات عبر خطوط الأنابيب، ولكل منها تكلفة مختلفة، وبالتالي فإن الرقم الذي يعكس الواقع ليس سعرًا عالميًا، وإنما متوسط تكلفة هذا الخليط، وعليه فما الذي يمنع من نشره؟ أم أن المشكلة ليست في توافر الرقم، بل في دلالته؟.
هل نتجنب إعلان متوسط التكلفة الفعلية، لأنه سيكشف الثمن الحقيقي الذي دفعته مصر نتيجة تراجع إنتاج الغاز المحلي والاعتماد المتزايد على الواردات؟، هل نتجنب الاعتراف بأن مستهدف الطاقة المتجددة خارج عن التحقق، وأن مستهدف 45% طاقة متجددة ما هو إلا رقم “للعرض فقط”! وهل نخشى أن تسقط ورقة التوت عن ملف دفع الاقتصاد كله فاتورته؟.
بل إن السؤال الأهم: إذا كانت الحكومة تريد أن تعرض “التكلفة الحقيقية”، وتريد ان تقدم حلا متكاملا، فلماذا تستخدم أرقامًا افتراضية، بدلًا من إعلان بنود التكلفة الفعلية؟ أين التكلفة الحقيقية لخليط الغاز الذي يدخل بالفعل إلى محطات الكهرباء؟ لماذا لا نعلن عن كفاءة تشغيل المحطات؟ لماذا لا نعلن أرقام فقد شبكات نقل الكهرباء؟ أين دور الطاقة المتجددة؟.
بالتأكيد أثر الإدارة السيئة لملف الطاقة واستمرار التمسك بها، ليس فاتورة تتحملها وزارة الكهرباء وحدها، ولا وزارة البترول، ولا حتى الموازنة العامة، إنها فاتورة يدفعها المواطن في منزله، والمصنع في تكلفة إنتاجه، والمستثمر في قدرته التنافسية، والدولة في احتياجاتها من النقد الأجنبي.
ولذلك، فإن إخفاء الأرقام وتضاربها لا يغير الواقع، بل يحرم الناس فقط من فهمها، والشفافية هنا ليست ترفًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء الثقة، فالمواطن قد يقبل قرارات صعبة إذا اقتنع بمنطقها، لكنه سيجد صعوبة في تقبل رواية تتغير أرقامها من مداخلة إلى أخرى، ومن إنفوجراف إلى آخر، دون أن تُشرح الفروق في المنهجية.
المشكلة أن النقاش يتحول تدريجيًا من نقاش حول الاقتصاد إلى نقاش حول الرواية، فكل طرف يبحث عن الرقم الذي يؤيد موقفه، بينما يغيب السؤال الأهم: كيف حُسب هذا الرقم أصلًا؟.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الضبابية لا تضر بالرأي العام وحده، بل تضر أيضًا بصانع القرار نفسه، فالإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى رأي عام يثق في البيانات الرسمية، ويستطيع أن يراجعها ويفهمها، أما إذا أصبحت الأرقام نفسها محل ارتباك، فإن أي سياسة، مهما كانت صحيحة، ستواجه أزمة مصداقية قبل أن تواجه أي اعتراض اقتصادي.
رصد الشائعات أم المعلومات!
منذ سنوات، اعتادت الحكومة إصدار تقارير دورية بعنوان “رصد الشائعات”، بهدف تصحيح المعلومات المتداولة والرد عليها، وهي فكرة في أصلها مهمة، لأن مكافحة المعلومات الخاطئة ضرورة لأي دولة.
لكن بعد متابعة هذا المشهد، ابتسمت عندما قال لي الصديق الدكتور مدحت نافع جملة لخصت المشهد كله:” الشائعات أرحم من المعلومات الموثقة”.
قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تحمل رسالة شديدة الجدية، فحين تصبح البيانات الرسمية نفسها متغيرة، وغير مكتملة، وغير قابلة لإعادة الحساب، فإن المشكلة لم تعد في الشائعة، بل في المعلومة ذاتها.
والحل ليس مزيدًا من المؤتمرات الصحفية، ولا مزيدًا من الإنفوجرافات، وإنما شيء واحد بسيط: منهجية معلنة، وأرقام قابلة للتحقق، وافتراضات واضحة يستطيع أي باحث أن يعيد بها الحساب من البداية إلى النهاية.
ففي الاقتصاد، كما في العلم، ليست قيمة الرقم في ضخامته، وإنما في إمكانية التحقق منه، وإذا فقدنا ذلك، فلن نكون أمام اقتصاد يُدار بالأرقام، بل أمام غابة من الأرقام.







