مقالات

بين النائب السجيني و«زرار الجاكتة»

هناك حكاية شهيرة عن رجل دخل على ترزي يشكو من أن «زرار الجاكتة» ليس في مكانه، وبدلًا من أن يعيد الترزي تثبيت الزرار، طلب منه أن يرفع كتفًا، ويخفض الآخر، ويميل بجسده قليلًا، حتى أصبح الزرار في موضعه تمامًا، بينما أصبح الرجل كله معوجًا.

تذكرت هذه الحكاية وأنا أتابع الجدل الدائر حول ماكينات استبدال العبوات البلاستيكية والمعدنية، والتي تمنح المواطن نقاطًا أو مقابلًا نظير إيداع زجاجات المياه وعبوات المشروبات وغيرها، ففي حين أن الفكرة تبدو حديثة وجذابة: ماكينة، نقاط، حوافز، فصل من المصدر، إعادة تدوير وتكنولوجيا، إلا أن المشكلة أن ملف المخلفات في مصر ليس جديدًا، ولا الأسئلة التي تثيرها هذه التجربة جديدة أيضًا.

فمن تابع عمل لجنة الإدارة المحلية في مجلس النواب خلال رئاسة النائب أحمد السجيني لها، يعرف أن هذا الملف تحديدًا أخذ نصيبًا كبيرًا من العمل والنقاش، والإنصاف يقتضي القول إن السجيني «عمل القصة دي مكتملة»؛ فلم يتعامل معها باعتبارها مجرد أزمة أكوام قمامة في الشوارع، وإنما باعتبارها منظومة تحتاج إلى تشريع وتمويل وجهات مسؤولة وبنية أساسية وجمع ونقل وتدوير وتخلص نهائي، بدلا من غياب إطار مؤسسي واضح لإدارة هذا الملف، واعتماد الوحدات المحلية على ممارسات ارتجالية غير قائمة على نموذج حوكمي أو مالي مستدام،

نوقش الملف لسنوات، وعُقدت جلسات استماع، ونوقشت مسؤوليات الجهات المختلفة ومصادر التمويل، وانتهى الأمر بدفع هذا الملف إلى مستوى الاهتمام الرئاسي، ثم إقرار أول إطار تشريعي متكامل لتنظيم إدارة المخلفات بموجب القانون رقم 202 لسنة 2020.

وقد استهدف القانون إرساء منظومة حديثة لإدارة المخلفات بكافة أنواعها، وإنشاء بنية مؤسسية واضحة، واعتماد أدوات تمويل مستدامة من بينها رسوم النظافة المرتبطة باستهلاك الكهرباء، بما يسمح بتحسين جودة الخدمة وتقليل العبء البيئي والمالي المتراكم، أي أن الهيكل المؤسسي والتشريعي تم بناؤه إلى حد كبير.

لكن هنا تحديدًا تبدأ حكاية زرار الجاكتة، فوجود قانون وتوزيع المسؤوليات على الجهات لا يعني أن اقتصاديات المنظومة أصبحت قابلة للحياة، والسجيني نفسه كان من الذين وضعوا هذه المشكلة على الطاولة مبكرًا، عندما تحدث عن فجوة ضخمة بين الأموال التي يمكن تحصيلها لتمويل إدارة المخلفات وما يتم تحصيله بالفعل، وعن أن تكلفة إدارة المخلفات أكبر كثيرًا مما تغطيه رسوم النظافة.

ليبدو أثر القانون واضحا الآن، فرغم مرور ما يقارب عقداً كاملاً على إدراج ملف القمامة ضمن أولويات العمل البرلماني، وإصدار قانون إدارة المخلفات، إلا أن أزمة تراكم القمامة وتدني مستوى الخدمة في عدد من المناطق تمثل واقعاً يومياً للمواطنين، بما يطرح تساؤلات جدية حول الفجوة بين التصميم التشريعي والمؤسسي للمنظومة، وبين مستوى التنفيذ الفعلي على الأرض، سواء من حيث التمويل المستدام، أو كفاءة التعاقدات، أو جاهزية البنية التحتية، أو وضوح توزيع الأدوار بين الجهات المركزية والمحلية.

وعليه تقدم حزب العدل في الفصل التشريعي الحالي بسؤال للوزارات المعنية عن مآلات ملف إدارة المخلفات الصلبة البلدية (القمامة) ومدى الالتزام بتطبيق قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، وتنفيذ توصيات البرلمان المتراكمة منذ عام 2015.

وهذه في رأيي هي المسألة التي تستحق أن نتوقف أمامها اليوم، لأن السؤال الحقيقي في المخلفات ليس: أين نضع الزجاجة الفارغة؟ وإنما: من يدفع تكلفة الرحلة الكاملة للمخلفات من باب المنزل حتى التخلص النهائي منها؟

فوفقا للبيانات المتاحة، تنتج مصر أكثر من 26 مليون طن من المخلفات سنويًا، والدولة أنفقت بالفعل على مدافن صحية ومحطات وسيطة وخطوط معالجة وتدوير، ورفعت ملايين الأطنان من التراكمات التاريخية.. كل ذلك مهم وضروري، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأصعب: كيف تصل المخلفات أصلًا من باب المنزل إلى هذه المنشآت؟ ومن يدفع تكلفة هذه الرحلة كل يوم؟

وهنا نصل إلى الجمع السكني والمناولة الوسيطة، وهما في تقديري قلب المشكلة التي لا تحظى بنفس بريق الماكينات الجديدة، فجامع القمامة لا يذهب إلى المنزل حبًا في بقايا الطعام، إذ هناك نموذج اقتصادي نشأ عبر سنوات طويلة يقوم جزئيًا على أن المواد الأعلى قيمة الموجودة داخل المخلفات، من بلاستيك ومعادن وكرتون وغيرها، تساعد في تمويل تكلفة جمع وفرز ونقل باقي المخلفات التي لا تحمل نفس القيمة الاقتصادية.

وعليه يصبح السؤال عن ماكينات استرداد العبوات أكثر تعقيدًا من مجرد كونها تجربة ناجحة أو فاشلة، فقد تكون الماكينة ناجحة جدًا في وظيفتها، وقد تجمع آلاف الزجاجات، وتشجع المواطن على الفصل، وتوفر خامات نظيفة لمصانع إعادة التدوير.

وحتى هذه المرحلة ففلا مشكلة من حيث المبدأ، بل أراه اتجاهًا مطلوبًا، لكن ماذا سوف يحدث إذا أخذنا من منظومة الجمع السكني تحديدًا الجزء الأعلى قيمة، وتركنا لها الجزء الأقل قيمة والأعلى تكلفة؟

إذا حصلت الماكينات والمتاجر على العبوات النظيفة القابلة للبيع، بينما ظل جامع القمامة مطالبًا بالمرور على المنزل وجمع بقايا الطعام والمخلفات المختلطة والملوثة ونقلها والتعامل معها، فقد نكون قد فعلنا شيئًا شديد الغرابة اقتصاديًا: نقلنا الإيراد إلى مكان جديد، وتركنا التكلفة في مكانها القديم.

وهنا لا تصبح مخاوف جامعي القمامة مجرد اعتراض فئة تخشى التكنولوجيا أو تقاوم التطوير، فالمسألة أعمق من ذلك، خاصة وأننا نتحدث عن اقتصاديات منظومة كاملة، وعن توزيع القيمة والتكلفة بين حلقاتها.

وهذا يعيدني مرة أخرى إلى السجيني، لأن جزءًا كبيرًا من المفارقة أن هذه الأسئلة ليست اكتشافًا جديدًا، فلجنة الإدارة المحلية ناقشت الملف لسنوات باعتباره سلسلة تبدأ من الجمع وتنتهي بالتخلص النهائي، وناقشت التمويل والتحصيل والبنية الأساسية والمسؤوليات.

أي أننا لا نفتقد اليوم إلى تشخيص المشكلة بقدر ما نفتقد إلى استكمال النموذج الاقتصادي الذي يجعل كل هذه الحلقات تعمل معًا، ولذلك تبدو لي الماكينات الجديدة مثالًا ممتازًا على «زرار الجاكتة».

الزرار نفسه ليس سيئًا، بالعكس، قد يكون جميلًا وحديثًا ومثبتًا في مكانه بمنتهى الدقة، لكن إذا اضطررنا -لكي نجعله يبدو صحيحًا- أن نُميل بقية المنظومة كلها حوله، فالمشكلة لم تعد في الزرار.

التكنولوجيا يجب أن تدخل في منظومة المخلفات، والفصل من المصدر يجب أن يتوسع، وإعادة التدوير يجب أن تصبح صناعة أكبر وأكثر كفاءة، لكن كل ذلك يجب أن يحدث داخل نموذج يعرف من يجمع المخلفات من المنزل، ومن يدفع له، وكيف تتم المناولة الوسيطة، ومن يتحمل تكلفة النقل، وكيف يتم التعامل مع الجزء الذي لا يحقق عائدًا تجاريًا، والأهم كيف تتوزع القيمة الاقتصادية بين كل من يشارك في هذه السلسلة.

وإذا كان هناك، وفق تقديرات ممثلي جامعي القمامة، نحو الاف العاملين يرتبطون بهذا النشاط، فلا يجوز أن نتعامل معهم باعتبارهم تفصيلة اجتماعية تظهر بعد تصميم النظام ثم نبحث لها عن حل، فهؤلاء جزء من النظام الاقتصادي نفسه، وأي تغيير في قيمة المواد التي يحصلون عليها سيغير بالضرورة قدرتهم على الاستمرار في جمع الجزء الذي لا يريده أحد.

ربما لهذا السبب تستحق تجربة السجيني ولجنة الإدارة المحلية أن نستعيدها اليوم، ليس لأن كل ما تم وقتها كان كاملًا، وإنما لأن الملف جرى النظر إليه باعتباره منظومة كاملة، بينما نخاطر اليوم بأن نعود إلى التعامل معه من خلال مبادرات منفصلة، كل منها تبدو ناجحة إذا نظرنا إليها وحدها.

وعليه، فالمطلوب ليس إيقاف الماكينات، ولا مقاومة التكنولوجيا، ولا العودة إلى الوراء، لكنه ببساطة أن نكمل الجاكتة قبل أن ننشغل أكثر بالزرار.

فبعد سنوات من التشريعات والخطط والمحطات والمدافن وبرامج الجمع والتدوير، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كم زجاجة جمعت الماكينة؟، فالسؤال الأهم هو: هل أصبحت منظومة جمع المخلفات نفسها قابلة للحياة اقتصاديًا؟.

خاصة وأن أسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن ننجح في إعادة تدوير الزجاجات، بينما نستمر في إعادة تدوير المشكلات نفسها، لأنه عندها قد يكون «زرار الجاكتة» في مكانه تمامًا… لكن الجاكتة كلها لا تزال محتاجة “تتظبط”.

زر الذهاب إلى الأعلى