الصكوك الضريبية: بين الحلول السحرية والواقع التمويلي
منذ الإعلان عن الموافقة على مقترح إصدار صكوك ضريبية يمولها الممولون وتُخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، انقسم النقاش سريعًا بين من رأى فيها ابتكارًا ماليًا قادرًا على تخفيف أزمة الدين، ومن اعتبرها شكلًا جديدًا من أشكال بيع إيرادات المستقبل. وفي تقديري، كلا التصورين يعطي الأداة حجمًا أكبر مما تحتمل.
فنيات الإصدار المصري لم تتضح بعد، وهذه نقطة أساسية، نحن لا نعرف حتى الآن بصورة تفصيلية آجال هذه الصكوك، أو كيفية تحديد عائدها، أو طريقة استخدامها في سداد الضرائب، أو إمكانية تداولها، أو حدود مشاركة الممول الواحد، وبالتالي فإن الحكم القطعي، سواء بالإشادة أو الرفض، سابق لأوانه.
ما هي فكرة الصكوك الضريبية؟
لكن الفكرة الاقتصادية في حد ذاتها يمكن فهمها ببساطة.
الدولة لديها التزامات تمويلية اليوم، والممول لديه ضرائب سيدفعها مستقبلًا. الصك الضريبي يحاول تقريب الزمن بين الاثنين: يدفع الممول أموالًا للدولة الآن، ويحصل في المقابل على حق مالي بعائد أو خصم يمكن استخدامه مستقبلًا في تسوية التزاماته الضريبية.
أي أن الدولة تحصل على السيولة مبكرًا، والممول يحصل على مقابل مالي نظير تقديم هذه السيولة مبكرًا.
ليست أول مرة في تاريخ مصر
ومن هنا تأتي المقارنة التاريخية مع نظام “المقابلة” في عهد الخديوي إسماعيل. فقد قام النظام وقتها على دفع مبالغ مقدمًا مرتبطة بالضريبة العقارية مقابل تخفيض دائم في العبء الضريبي. وهناك تشابه بالفعل في المبدأ العام: تحويل جزء من التدفقات الضريبية المستقبلية إلى سيولة حاضرة.
لكن التشابه يتوقف تقريبًا عند هذه النقطة
“المقابلة” كانت تمس العبء الضريبي المستقبلي بصورة ممتدة، بينما ما أُعلن عنه حاليًا، إذا جاء التصميم كما نفهمه، هو أداة مالية لها قيمة وأجل وعائد، تستخدم لاحقًا في الوفاء بالتزام ضريبي كان سيستحق أصلًا.
هل تضحي الدولة بعوائد المستقبل؟
وهذا الفارق مهم جدًا؛ لأن بعض النقد الذي ظهر باعتبار أن الدولة “تبيع إيرادات المستقبل” أو تفرغ السنوات المقبلة من مواردها ليس دقيقًا بالضرورة.
الدولة في كل الأحوال تقترض اليوم من موارد المستقبل، عندما تصدر أذون خزانة لمدة عام مثلًا، فهي تحصل على المال اليوم وتسدد أصل الدين وعائده من مواردها المستقبلية. السؤال الاقتصادي إذن ليس ما إذا كنا نستخدم المستقبل، وإنما بأي تكلفة نفعل ذلك؟.
وهنا تحديدًا تكمن فكرة الصك
إذا كانت الدولة تستطيع الحصول على جنيه اليوم من خلال الصك الضريبي بتكلفة أقل من الحصول على الجنيه نفسه عبر أذون الخزانة، فقد حققت وفرًا في تكلفة التمويل، المسألة في النهاية مقارنة بين القيمة الحالية لما تحصل عليه الخزانة وبين القيمة الحالية لما ستتحمله مستقبلًا.
هل هي فكرة مطبقة في بلد أخر؟
وهذه ليست فكرة بلا نظائر دولية، دول مثل إيطاليا والبرتغال وإسبانيا استخدمت في ظروف مختلفة آليات للمقاصة بين مستحقات الدولة والتزاماتها، وائتمانات أو شهادات ضريبية يمكن استخدامها في تسوية ضرائب مستقبلية، هذه التجارب ليست نسخًا مطابقة لما تقترحه مصر، ومن الخطأ تقديمها كذلك، لكنها تنتمي إلى العائلة الاقتصادية نفسها: استخدام العلاقة الزمنية بين التدفقات النقدية والالتزامات الضريبية كأداة لإدارة السيولة.
ليست مناسبة للجميع
وفي المقابل، هناك قيد مهم جدًا على حجم نجاح التجربة المصرية: هذه الأداة لن تناسب كل الممولين.
شركة تعاني نقصًا في السيولة وتقترض من البنك بتكلفة مرتفعة لن يكون منطقيًا أن تقترض اليوم لكي تدفع للحكومة ضريبة لم يحن موعد استحقاقها. في هذه الحالة قد تصبح تكلفة الحصول على السيولة أعلى من العائد الذي يقدمه الصك، فتنتفي الجدوى تمامًا.
أما شركة لديها فوائض نقدية أو سيولة غير مستخدمة، فقد يكون الأمر مختلفًا. يمكنها توظيف جزء من هذه السيولة مقابل عائد أو خصم، وفي الوقت نفسه تحسين قدرتها على إدارة تدفقاتها النقدية والتزاماتها الضريبية في السنوات التالية.
فرص نجاح التجربة
لذلك فنجاح الأداة يتوقف قبل أي شيء على التسعير والتصميم.
يجب أن يكون العائد جذابًا بما يكفي حتى يشارك أصحاب السيولة، ولكنه في الوقت نفسه أقل من تكلفة التمويل البديل الذي تتحمله الخزانة. وبين هذين السعرين توجد المساحة التي يمكن للدولة أن تحقق منها وفرًا في خدمة الدين.
وهنا نصل إلى حجم القضية الحقيقي
مصر تدخل العام المالي الحالي باحتياجات تمويلية إجمالية ضخمة للغاية، تشير خطة الاقتراض الحكومية إلى أنها تدور حول 51% من الناتج المحلي الإجمالي، والجزء الساحق منها ليس ناتجًا عن العجز الجاري وحده، وإنما عن إعادة تمويل واستحقاقات دين قائمة، وبالأخص الدين المحلي وأذون الخزانة.
أمام رقم بهذا الحجم، من غير الواقعي تصور أن الصكوك الضريبية ستغير المشهد المالي للدولة.
لن تفعل
وهي في تقديري قد تكون أقرب من حيث الحجم والأثر إلى أدوات مثل “سند المواطن”: قناة تمويل إضافية يمكن أن تحقق وفرًا وتوسع قاعدة التمويل، ولكنها ليست بديلًا عن إصلاح هيكل الدين أو إطالة آجاله أو خفض العجز أو زيادة الإيرادات المستدامة.
لكن في المقابل، كون الأداة صغيرة نسبيًا لا يجعلها بلا قيمة
إذا وفر تصميم مالي جديد على الخزانة عشرة مليارات جنيه من خدمة الدين، فهذا وفر يستحق السعي إليه. وإذا وفر أقل من ذلك بكثير، فهو أيضًا وفر. إدارة المالية العامة لا تقوم فقط على القرارات التي تغير المؤشرات بعشرات النقاط؛ أحيانًا يكون المطلوب ببساطة جمع عدد كبير من التحسينات الصغيرة التي تخفض التكلفة وتحسن إدارة السيولة.
المشكلة تبدأ فقط عندما نقدم تحسينًا هامشيًا باعتباره تحولًا هيكليًا، أو نهاجمه باعتباره كارثة مالية.
الصكوك الضريبية ليست حلًا سحريًا، وليست في ذاتها كارثة. هي أداة تمويل تحتاج إلى تصميم جيد وتسعير منضبط وشفافية كاملة في حساب تكلفتها مقارنة بالبدائل.
لذلك لا أرى مبررًا للتهليل لها، ولا أرى حتى الآن مبررًا للهجوم العنيف عليها. ننتظر التفاصيل، نحسب التكلفة، نقارنها بأذون الخزانة، ونرى حجم الإقبال الفعلي عليها.
وفي ظل احتياجات تمويلية تقترب من نصف الناتج المحلي، لن يصنع الصك الضريبي زلزالًا في المالية العامة. لكن إذا استطاع أن يوفر جنيهًا من فاتورة خدمة الدين دون خلق تكلفة أكبر في المستقبل، فقد أدى الوظيفة المتواضعة التي يفترض أن يؤديها. وهذا، في حد ذاته، ليس قليلًا.



