بين عجز بترولي بـ13.1 مليار دولار وضغوط النفط العالمي.. هل يصبح رفع أسعار الوقود ضرورة أم عبئًا جديدًا على المصريين؟

خلال العام المالي الماضي؛ اعلن البنك المركزي المصري ارتفاع حجم العجز في الميزان التجاري لقطاع البترول بمقدار 2.8 مليار دولار بما يمثل 26.8% على أساس سنوي ليسجل 13.1 مليار دولار ؛ مرجعا ارتفاع ذلك العجز إلي زيادة واردات البترول بمعدل 19.5% مسجلة 17.3مليار دولار بنهاية العام 2025/2026 الماضي عد أن كانت 14.5 مليارًا في العام المالي السابق.
مع عدم اعلان لجنة تسعير المواد البترولية بمجلس الوزراء حتي الآن تفاصيل سعر المواد البترولية الجديدة والذي تتعمد الحكومة تجميده، بحسب مصادر مطلعة تحدثت لـ ” ليبرالي”، إلا أن قرار اعلان سعر المحروقات بات وشيكًا.

المصادر قالت إنه مع مطلع أغسطس الجاري قررت وزارة الطاقة الجديدة والمتجددة رفع شرائح الكهرباء من الثانية حتى السابعة بمعدل 12% زيادة لمجابهة تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية.
مع تأكيدات المصادر والتي كشفت عن وجود نوايا حقيقة لدى الحكومة في التطرق لرفع الأسعار على الطاقة و المحروقات تحت مبرر الإضطرار للأوضاع الجيوسياسية والتي تسببت في رفع سعر النفط والغاز عالميا، مؤكدة أنه حتي الآن لم يتم الإعلان عن النسبة المئوية للزيادة المرتقبة.
وفقًا لتقارير البورصات العالمية والتي أظهرت ارتفاع خام برنت في الوقت الحالي إلى 93.3 دولار للبرميل بزيادة تبلغ 0.16% وكذلك 2.755 دولار لكل مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي بنمو 0.8% .
تأثيرات رفع الطاقة على المواطنين
من واقع التقارير وتصريحات الخبراء والتي أكدت معاناة محدودي ومتوسطي الدخل من توجهات الحكومة لرفع الأسعار على الطاقة والمحروقات في ارتفاع تكلفة المعيشة و أسعار السلع الأساسية وكافة الخدمات التي تتعلق باستمرار جودة الحياة للمواطنين.

وقال محمود جمال، الخبير الاقتصادي، إن رفع أسعار المواد البترولية في مصر يفرض ضغوطًا مباشرة وغير مباشرة على المواطنين، موضحًا أن تأثير الزيادة لا يتوقف عند تكلفة البنزين والسولار، وإنما يمتد إلى أسعار النقل والسلع والخدمات نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج والتوزيع.
الأعباء اليومية والمواطن
وأضاف جمال، في تصريحات لـ ليبرالي، أن قطاع النقل سيكون من أكثر القطاعات تأثرًا بارتفاع أسعار الوقود، خاصة أن زيادة تكلفة التشغيل تنعكس على تعريفة المواصلات والنقل بين المحافظات وخدمات نقل الركاب، وهو ما يرفع الأعباء اليومية على المواطنين، خصوصًا العاملين والطلاب الذين يعتمدون بصورة مستمرة على وسائل النقل.
وأوضح أن السولار يمثل عنصرًا أكثر حساسية، نظرًا لاعتماد قطاعات النقل والزراعة وبعض الأنشطة الإنتاجية والخدمية عليه، مشيرًا إلى أن ارتفاع سعره يرفع تكلفة نقل المواد الخام والمنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق.
وأشار جمال إلى أن تأثير رفع أسعار المواد البترولية على أسعار السلع لن يكون بالضرورة بنفس نسبة زيادة الوقود، إذ تختلف درجة التأثير من قطاع إلى آخر وفقًا لحجم اعتماد كل نشاط على النقل والطاقة داخل دورة الإنتاج والتوزيع.
وأكد أن زيادة تكلفة الوقود قد تؤدي إلى ما يعرف بـ«التضخم المدفوع بالتكلفة»، حيث تنتقل الزيادة من تكلفة التشغيل إلى أسعار المنتجات والخدمات، خاصة السلع التي تعتمد بصورة أكبر على عمليات النقل.
وأضاف أن قدرة المنتجين والتجار على تمرير الزيادة إلى المستهلك ستتوقف على طبيعة السوق ومستويات المنافسة وحجم الطلب، إلى جانب تطورات أسعار السلع عالميًا وسعر الصرف وتكاليف التمويل.
ولفت جمال إلى أن التأثير الأهم على المواطن يتمثل في تراجع الدخل الحقيقي حال ارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة أسرع من نمو الدخول، موضحًا أن الأسر محدودة ومتوسطة الدخل ستكون الأكثر تأثرًا، نظرًا لارتفاع نسبة الإنفاق على الغذاء والنقل والاحتياجات الأساسية من إجمالي دخلها.
وأوضح أن المواطن قد يواجه تأثيرًا مزدوجًا، يتمثل في زيادة مباشرة في تكلفة المواصلات، بالتزامن مع ارتفاع محتمل في أسعار بعض السلع والخدمات، ما يزيد الضغوط على ميزانية الأسرة.
وأكد جمال أن رفع أسعار المواد البترولية يحمل جانبًا آخر يتعلق بإصلاح المالية العامة وخفض تكلفة دعم الطاقة، خاصة في ظل ارتفاع أعباء الإنفاق وخدمة الدين.

ثقوب في الموازنة
وأشار إلى أن تقليل دعم الوقود يمكن أن يخفف الضغط على الموازنة ويحد من احتياجات الدولة التمويلية، لكن نجاح هذه السياسة يتوقف على قدرة الحكومة على إدارة الآثار التضخمية والاجتماعية الناتجة عنها.
وشدد على أن خفض دعم الطاقة يجب أن يتزامن مع توجيه الوفورات المالية إلى استثمارات إنتاجية وحماية اجتماعية مستهدفة، بما يساعد على زيادة الإنتاج وتحسين الخدمات ودعم الفئات الأكثر تضررًا.
وقال جمال إن توسيع نطاق برامج الحماية الاجتماعية الموجهة أصبح أكثر أهمية مع ارتفاع تكاليف الطاقة، مشيرًا إلى أن الدعم النقدي المباشر للفئات الأكثر احتياجًا يمكن أن يساعد في تخفيف أثر ارتفاع تكاليف المعيشة، مع استمرار الدولة في تنفيذ إصلاحات دعم الطاقة.
وأكد أن التحدي أمام الحكومة لا يتمثل فقط في خفض فاتورة دعم الوقود، وإنما في تحقيق توازن بين ضبط المالية العامة والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين والسيطرة على الضغوط التضخمية.
واختتم جمال تصريحاته بالتأكيد على أن رفع أسعار الوقود يمكن أن يتحول من عبء قصير الأجل إلى خطوة اقتصادية أكثر استدامة إذا تم توجيه الوفورات الناتجة عنه إلى قطاعات الإنتاج والتصدير وخلق فرص العمل، بما يعزز النمو الاقتصادي ويخفف الضغوط على المواطنين على المدى المتوسط والطويل.






