سياسةملفات

تحرك لمواجهة “مخدرات الموت التخليقية”.. أزمة مزمنة وأسئلة برلمانية غاضبة 

معنيون لـ"ليبرالي" : "المخدرات التخليقية" خطر وبائي.. والحل في مواجهة مجتمعية شاملة لا الاستجوابات السياسية فقط

لم يعد غريبًا على الشارع المصري في الفترات الأخيرة، رواج أسماء كـ”الشابو”، “الآيس”، و”الميثامفيتامين”، بين الأجيال الجديدة والشباب، ما أدى إلى انزعاج عائلي ومجتمعي، نظراً لسرعة انتشار تلك المخدرات التخليقية وقدرتها التدميرية الهائلة على خلايا المخ والجهاز العصبي.

وتعتمد المخدرات التخليقية على مركبات كيميائية تُصنع معملياً، وتتميز بسرعة تأثيرها الشديد على الجهاز العصبي المركزي. وتؤدي هذه المواد إلى حالات حادة من الهلوسة، الهياج العصبي، وغياب الإدراك الكامل، مما يدفع المتعاطين للقيام بسلوكيات عدوانية غير محسوبة.

ويشهد الشارع المصري، مؤخراً تصاعداً لافتاً في الجرائم العنيفة داخل نطاق الأسرة والحي السكني شملت الاعتداء على الوالدين، وجرائم القتل بين الأقارب، والسرقة وهي سلوكيات أرجعتها أسئلة بعض النواب للحكومة بطريقة مباشرة للتأثير الكارثي لتلك النوعية من المخدرات.

وتخوض الدولة المصرية رسميا وشعبيًا مواجهة معقدة مع موجة غير مسبوقة من المخدرات التخليقية، فيما أعادت اسئلة برلمانية متلاحقة أزمة التمدد الكارثي للمخدرات التخليقية في الشارع المصري للواجهة. ولم تتوقف التحركات البرلمانية عند طرح الأسئلة والمطالبات، بل وصلت إلى حد التلويح بتقديم استجواب لرئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، عبر النائب أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب.

ويبقى ملف المواد التخليقية وفق مراقبين تحدثوا لـ”ليبرالي” اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات التنفيذية والتشريعية على مواجهة التحديات المستحدثة للحفاظ على الشباب المصري.

تهديد نيابي باللجوء إلى الاستجواب

تقدم النائب أحمد فرغلي عضو مجلس النواب بسؤال برلماني عاجل موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، إلى جانب وزراء الصحة، الداخلية، والتضامن الاجتماعي. وأوضح أن حراك اليوم يأتي للوقوف على أسباب الغياب الحكومي والقصور الواضح في تعقب وتفكيك شبكات التصنيع والترويج، معلناً رغبته في التدرج في استخدام أدواته الرقابية حتى الوصول لتقديم استجواب رسمي ضد رئيس الحكومة مع بداية دور الانعقاد المقبل في شهر أكتوبر.

أحمد فرغلي
أحمد فرغلي

جرائم غير مسبوقة تضرب التماسك الأسري

وسلط النائب الضوء على تجاوز الظاهرة نطاق السلوك الفردي لتتحول إلى اعتداءات أسرية مروعة مشيرا إلى مشاهد صادمة لشبان يعتدون على أمهاتهم، وآباء يتخلون عن أبنائهم، وقضايا قتل وسرقة بين الأقارب والجيران تحت التأثير المباشر لغيبوبة الإدراك والميول العدوانية التي تسببها المواد التخليقية.

ثغرات العلاج وفوضى “مصحات بير السلم”

وانتقد النائب أداء الوزارات المعنية، من حيث افتقار المنظومة الطبية الحكومية لأعداد كافية من الأسرّة والمستشفيات المتخصصة في احتجاز وتأهيل الحالات الحادة والتأثيرات السلوكية الخطرة الناجمة عن الإدمان الكيميائي، و غياب الرقابة على القطاع الخاص وترك الأسر فريسة للمراكز الخاصة غير المرخصة ، بجانب غياب الشفافية والخطط الوطنية المعلنة التي توضح حجم الكارثة بالأرقام الرسمية والآليات الزمنية للسيطرة عليها.

وشدد فرغلي على أنه سيمضي قدماً في المعركة التشريعية والرقابية حمايةً للشباب ومستقبل الدولة، مؤكداً أن التهاون في ملف المخدرات التخليقية لن يقف عند حد هذا الجيل، بل سيمتد ليقوض مقومات المجتمع برمتها إذا لم تُتخذ خطوات جذرية وملموسة على أرض الواقع.

سؤال برلماني لمواجهة انتشار الآيس والشابو

في السياق نفسه ، تقدم النائب أشرف أمين عضو مجلس النواب، الخميس الماضي بسؤال برلماني إلى الحكومة بشأن التحولات الخطيرة التي طرأت على خريطة تعاطي المخدرات في مصر، وتصاعد انتشار مخدري “الآيس والشابو” بصورة تثير القلق، وفق رصده.

مجلس النواب
مجلس النواب

وحذر النائب من امتداد الظاهرة إلى الأحياء الشعبية والقرى والكفور والنجوع مشيراً إلى أن هناك تصريحات خطيرة صادرة عن بعض اساتذة الطب النفسي وعلاج الإدمان والتي كشفت عن تغير واضح في نوعية الحالات التي تستقبلها مراكز علاج الإدمان، حيث أصبحت نسبة كبيرة من الحالات مرتبطة بتعاطي “الآيس والشابو”، مقابل تراجع حالات إدمان الهيروين، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة المشكلة ودرجة خطورتها.

وشدد  أمين  على أن مواجهة الإدمان لم تعد قضية صحية فقط، وإنما أصبحت قضية أمن قومي ومجتمعي وإنساني، تستوجب تحركًا حكوميًا متكاملًا، وتجفيف منابع المخدرات، وتشديد الرقابة على تداول الأدوية، وتوسيع مظلة العلاج والتأهيل، مع إطلاق حملات توعية مستمرة تستهدف الشباب والأسر والمدارس والجامعات ومختلف التجمعات الأكثر عرضة للخطر.

أزمة المخدرات التخليقية

وتخوض الدولة المصرية مواجهة معقدة مع موجة غير مسبوقة من المخدرات التخليقية، وفي مقدمتها «الشابو»، «الآيس»، و«الميثامفيتامين». ووفق الإحصائيات الرسمية لعام 2025 ، فإن قيمة الكميات المضبوطة من المواد المخدرة (بما يشمل التخليقية والمستحدثة وغيرها): نحو 27 مليار جنيه، بجانب إحباط محاولات جلب كميات ضخمة من المخدرات التخليقية تمهيداً لإعادة تهريبها إلى دول أخرى قُدرت قيمتها بنحو 34 مليار جنيه في الدول المستهدفة.

تمدد وبائي

من جانبه ، أكد الدكتور محمد سيد أحمد، أستاذ علم الاجتماع، في تصريحات خاصة لـ “ليبرالي ” أن قضية المخدرات في مصر شهدت تحولاً خطيراً مع ظهور وانتشار “المخدرات التخليقية” بصورة وبائية بين مختلف قطاعات الشباب، مشيراً إلى أن هذه المواد باتت أشد تدميراً للإنسان مقارنة بالمخدرات التقليدية كالحشيش والأفيون والهيروين، مما يجعل السيطرة عليها بمفردها أمراً بالغ الصعوبة.

د.محمد سيد أحمد أستاذ علم الاجتماع-خاص
د.محمد سيد أحمد أستاذ علم الاجتماع-خاص

وأوضح أستاذ علم الاجتماع أن الظاهرة تحمل دلالات اجتماعية عميقة، وتتداخل مع كافة الطبقات؛ فبينما يهرب شباب الطبقات الدنيا والوسطى إلى الإدمان نتيجة انسداد أفق المستقبل والظروف الاقتصادية والبطالة، يلجأ إليها بعض أبناء الطبقات العليا كنوع من العبث بالحياة.

وتعليقاً على تلويح نائب بتقديم استجواب لرئيس الوزراء بشأن الظاهرة مع بداية دور الانعقاد في أكتوبر المقبل، شدد د. محمد سيد أحمد على أن تحميل الحكومة وحدها المسؤولية غير دقيق؛ مؤكداً أن الأجهزة الأمنية تسعى للمطاردة وأن القوانين حاسمة وتصل لعقوبتي الإعدام والسجن المؤبد.

وتساءل د. محمد سيد أحمد عن الجهد الميداني والتوعوي الذي قدمه النواب داخل دوائرهم الانتخابية لمواجهة هذا الخطر قبل توجيه الاتهامات للحكومة، ملمحاً إلى وجود انفصال لدى أداء غالبية النواب عن جماهيرهم.

وشدد أستاذ علم الاجتماع حديثه على أن مواجهة الظاهرة تتطلب مسؤلية جماعية تبدأ من مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأولية والثانوية (الأسرة، المدرسة، والجامعة، والمسجد،و الكنيسة، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، و الأحزاب، و النقابات، والأندية الرياضية)، مؤكداً أن السياسات الحكومية تأتي كحلقة في نهاية هذه السلسلة المجتمعية المتكاملة.

حماية شاملة

ووفق تقارير محلية، تواجه وزارة الداخلية تحدي المخدرات التخليقية والمستحدثة من خلال استراتيجية أمنية استباقية شاملة ترتكز على عدة محاور رئيسية لتجفيف منابع هذه السموم وحماية المجتمع

من جانبه أكد اللواء السابق محمد نعيم في تصريحات خاصة لـ” ليبرالي ” أهمية نظر مجلس النواب في إصدار تعديلات تشريعية بشأن “المخدرات التخليقية” مؤكداً أنها تُعد ضرورة حتمية لسد الثغرات القانونية الحالية.

اللواء السابق محمد نعيم
اللواء السابق محمد نعيم

وأوضح أن ظهور مركب كيميائي جديد غير مدرج بجداول المخدرات كان يسمح لمرتكبي هذه الجرائم بالإفلات من العقاب، رغم أن تأثير تلك المواد المصنعة يفوق في خطورته المخدرات الطبيعية.

وأشار نعيم إلى أن الترسانة القانونية لمواجهة المخدرات في مصر تعود لعام 1928، ودخلت المواد المخلقة ضمن التشريعات منذ عام 1960، إلا أن الظاهرة ما زالت مستمرة وتتشعب بين الشباب. وشكك في الاقتصار على الحل التشريعي وحده، مؤكدًا أنه رغم أهمية تشديد العقوبات على التُجار والمُصنّعين وتحديث الجداول بدقة وعلمية تفاديًا لإدراج مواد طبية مشروعة مثل المخدر الموضعي لأسنان، فإن حصر القضية في البعد الأمني والتشريعي ينطوي على مخاطر كبيرة.

وشدد اللواء السابق على أن الهدف الأسمى للتشريعات وقوانين التحاليل وفصل الموظفين يجب أن يركز على حماية الأسرة والمجتمع

وأضاف أن المتعاطي يحتاج إلى رعاية علاجية وصحية، كما يستلزم الأمر استيعاب طاقات الشباب في أنشطة رياضية وثقافية نافعة لمنع إقبالهم على التعاطي من الأساس. ودعا إلى أن تتكامل المواجهة عبر استراتيجية شاملة تناقش الجوانب الصحية، والاجتماعية، والأمنية، والقانونية بالتوازي.

علاج أسباب الإدمان لا التغليظ الأمني فقط

بدوره، أكد النائب الدكتور محمد طه عليوة، عضو مجلس الشيوخ، في تصريحات خاصة لـ “ليبرالي” أن ملف “المخدرات التخليقية” يشكل خطرًا داهمًا وشرًا يستوجب تضافر الجهود لمواجهته، مشيرًا إلى أن أضرارها أشد جسامة من المخدرات التقليدية لكونها تؤدي مباشرة إلى إتلاف خلايا المخ.

محمد طه عليوة
محمد طه عليوة

وأضاف عضو مجلس الشيوخ أن التصدّي للتهريب والإتجار أمر واجب ولا غنى عنه، لكن الحسم الحقيقي يكمن في دراسة “الأسباب الاجتماعية والنفسية” التي تدفع الأفراد نحو السلوك الإدماني، مع الاهتمام ببرامج العلاج وإعادة التأهيل للحد من الطلب على هذه السلع الهدامة، مشيرًا إلى أن أسباب لجوء البعض للمخدرات سواء كانت كيميائية أو أفكارًا مغيبة للوعي قد يعود إلى الضغوط الحياتية وغياب الوسائل والوعي الكافي للارتقاء بجودة الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى