غضب تيجراي من واشنطن.. هل تغيرات التوجهات الأمريكية في شمال إثيوبيا؟

صورة معبرة بالذكاء الاصطناعي

أثار قرار الولايات المتحدة فرض قيود تأشيرات على شخصيات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيجراي، ردود فعل غاضبة داخل الإقليم، بعدما اتهمت الجبهة واشنطن بالاستناد إلى ما وصفته بـ”تقييم غير متوازن وغير مكتمل”، للأوضاع السياسية والأمنية في شمال إثيوبيا.

ولم تنظر قيادة تيجراي إلى الخطوة الأمريكية باعتبارها مجرد إجراء دبلوماسي، بل اعتبرتها مؤشرًا على تبني رواية سياسية تحمل الإقليم مسؤولية التوترات الحالية وتتجاهل، بحسب رأيها، إخفاق الحكومة الإثيوبية في تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في اتفاق بريتوريا للسلام.

ويكشف هذا السجال عن تصاعد التوتر بين الجبهة والولايات المتحدة في مرحلة شديدة الحساسية، كما يثير تساؤلات حول مستقبل عملية السلام التي أنهت الحرب الدامية بين الطرفين قب نحو أربع سنوات.

العقوبات الأمريكية.. رسالة تتجاوز ملف التأشيرات 
رغم أن الإجراءات الأمريكية اقتصرت رسميًا على قيود التأشيرات، فإن دلالاتها السياسية تبدو أوسع بكثير، فواشنطن بررت القرار بوجود مخاوف من تصاعد التوترات في شمال إثيوبيا واحتمال عودة المواجهات المسلحة، مؤكدة أن بعض الشخصيات المستهدفة لعبت دورًا في تقويض عملية السلام وإثارة حالة عدم الاستقرار.

ومن الناحية السياسية؛ تعكس هذه الخطوة تحولاً في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع ملف تيجراي، إذ انتقلت من دور الداعم لتنفيذ اتفاق السلام إلى ممارسة ضغوط مباشرة على أطراف ترى أنها تهدد استمراره، كما تحمل رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي بدأ ينظر بجدية إلى المؤشرات التي توحي بإمكانية عودة الصراع إلى المنطقة.

تيجراي ترد: الأزمة في تنفيذ الاتفاق لا في الإقليم
في المقابل، ترى جبهة تحرير شعب تيجراي أن جوهر الأزمة لا يتعلق بقياداتها أو بالخطوات السياسية التي اتخذتها خلال الأشهر الأخيرة، بل يرتبط بفشل تنفيذ البنود الأساسية لاتفاق بريتوريا.

وتؤكد الجبهة أن الحكومة الإثيوبية لم تفِ بعدد من التزاماتها الرئيسية، خاصة فيما يتعلق بعودة النازحين، وتسوية أوضاع المناطق المتنازع عليها، واستكمال الترتيبات الأمنية والإدارية التي كان من المفترض أن تمهد لمرحلة ما بعد الحرب.

ومن هذا المنطلق، تعتبر تيجراي أن التركيز على إجراءات عقابية ضد شخصيات مرتبطة بالإقليم دون معالجة هذه القضايا يعكس مقاربة غير متوازنة قد تؤدي إلى تعميق الأزمة بدلًا من حلها.

بريتوريا .. سلام أوقف الحرب ولم يقضي على أسبابها
لفهم طبيعة الخلاف الحالي، لا بد من العودة إلى اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الأفريقي والذي أنهى الحرب بين الحكومة الإثيوبية، وجبهة تحرير شعب تيجراي بعد عامين من القتال الذي خلف عشرات الآلاف من الضحايا وأزمة إنسانية واسعة.

ورغم نجاح الاتفاق في وقف العمليات العسكرية، فإنه لم يحسم العديد من الملفات السياسية والأمنية المعقدة، فقد تم تأجيل قضايا أساسية مثل مستقبل المناطق المتنازع عليها، وآليات تقاسم السلطة، وإعادة النازحين، وتسوية الترتيبات الأمنية طويلة المدى.

ولذلك يرى كثير من المراقبين أن الاتفاق نجح في وقف الحرب، لكنه لم ينجح في تحقيق مصالحة سياسية شاملة، ما جعل السلام في شمال إثيوبيا هشًا وقابلًا للاهتزاز عند أي أزمة جديدة.

صراع النفوذ داخل تيجراي
لا تنفصل الأزمة الحالية عن التطورات الداخلية التي يشهدها الإقليم، فمنذ انتهاء الحرب برزت خلافات متزايدة بين مراكز القوى المختلفة داخل جبهة تحرير شعب تيجراي، بشأن مستقبل القيادة السياسية وشكل العلاقة مع الحكومة الفيدرالية.

وأدت هذه الانقسامات إلى تصاعد المنافسة على الشرعية والنفوذ داخل الإقليم، الأمر الذي أضعف الجبهة الموحدة التي كانت تقود المواجهة مع أديس أبابا خلال سنوات الحرب.

وفي هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن العقوبات الأمريكية قد تكون أيضًا محاولة للتأثير في موازين القوى الداخلية ومنع صعود التيارات الأكثر تشددًا داخل المشهد التجراني.

لماذا تخشى واشنطن عودة الحرب؟
تدرك الولايات المتحدة أن أي انهيار لاتفاق بريتوريا ستكون له تداعيات تتجاوز حدود إثيوبيا، فالحرب السابقة أثبتت أن الصراع في تيجراي لا يبقي محصورًا داخل الإقليم، بل يمتد تأثيره إلى دول الجوار  وإلى التوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي.

كما أن واشنطن تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها لاعبًا رئيسيًا في شرق أفريقيا، وترى أن استقرارها ضروري للحفاظ على الأمن الإقليمي ومنع تفاقم الأزمات الإنسانية والهجرات القسرية والصراعات العابرة للحدود.

ولهذا تسعى الإدارة الأمريكية إلى منع أي تطورات، قد تدفع الأطراف للعودة إلى الخيار العسكري حتى لو تطلب الأمر اللجوء إلى أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية.

تداعيات إقليمية تتجاوز حدود تيجراي
تتجاوز أهمية الأزمة الحالية البعد الإثيوبي الداخلي، إذ تتابع دول القرن الأفريقي تطوراتها بقلق واضح، فاستمرار التوتر في شمال إثيوبيا قد ينعكس على السودان الذي يواجه بالفعل تحديات أمنية وسياسية معقدة، كما قد يؤثر على العلاقة مع إريتريا التي لعبت دورًا محوريًا خلال الحرب السابقة.

كذلك فإن أي اضطراب جديد في إثيوبيا، قد يضيف مزيدًا من الضغوط على منطقة البحر الأحمر التي تشهد أصلًا تنافسًا إقليميًا ودوليًا متزايدًا بسبب أهميتها الاستراتيجية وحركة التجارة العالمية عبرها.

هل تعيد واشنطن رسم موازين القوى؟
يثير القرار الأمريكي تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى فقط إلى حماية اتفاق السلام، أم أنها تحاول أيضًا إعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل تيجراي بما يخدم استقرار الإقليم وفق رؤيتها.

فاستهداف شخصيات بعينها قد يُفهم باعتباره محاولة لعزل بعض التيارات وإعطاء أفضلية لقوى أخرى أكثر قبولاً لدى المجتمع الدولي، لكن هذا النهج قد يحمل مخاطر أيضًا، إذ قد يدفع الأطراف المستهدفة إلى مزيد من التشدد أو يعزز الشعور بأن هناك تدخلاً خارجيًا في الشؤون الداخلية للإقليم.

إلى أين تتجه الأزمة؟
حتى الآن، لا تبدو الأزمة مرشحة لحل سريع، فالفجوة لا تزال واسعة بين رؤية واشنطن التي تعتبر الضغوط وسيلة لحماية السلام، ورؤية جبهة تيجراي التي ترى أن المشكلة الحقيقية تكمن في تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا.

وفي ظل استمرار الملفات العالقة والانقسامات السياسية الداخلية، يبقى مستقبل الاستقرار في شمال إثيوبيا مرتبطًا بقدرة جميع الأطراف على الانتقال من مرحلة وقف الحرب إلى مرحلة التسوية السياسية الشاملة، أما إذا استمر الجمود الحالي، فإن خطر عودة التوترات سيظل قائمًا، بما يحمله ذلك من تداعيات على إثيوبيا والقرن الأفريقي بأكمله.