في اللحظة الأخيرة قبل المغادرة انهار المبنى وبقيت أسماء أربعة أبطال شاهدة على التضحية

عند الثانية من فجر الثلاثاء الماضي، كان الهدوء يسيطر على أحد الشوارع الشعبية في منطقة منشية ناصر بالقاهرة، قبل أن يقطعه بلاغ عاجل عن اندلاع حريق داخل مخزن وعقار للأخشاب، وخلال دقائق، تحولت المنطقة إلى كتلة من النيران والدخان، بينما كانت سبع أسر لا تزال داخل المبنى الذي امتدت إليه ألسنة اللهب.
وصلت قوات الحماية المدنية سريعًا إلى موقع الحريق، يتقدمها اللواء الدكتور محمد الشربيني، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، الذي اختار أن يقود المهمة من قلب الحدث، وبين أصوات سيارات الإطفاء وخراطيم المياه، بدأ سباقًا مع الزمن لإنقاذ السكان ومنع امتداد النيران إلى العقارات المجاورة.

نجحت القوات في إخلاء الأسر السبع كاملة، دون تسجيل إصابات بينهم، فيما استمرت أعمال الإطفاء حتى الساعات الأولى من الصباح، قبل أن تتم السيطرة على الحريق، وبدا للحاضرين أن المهمة انتهت، وأن رجال الإطفاء يستعدون لمغادرة الموقع بعد ساعات من المواجهة مع النيران، لكن الدقائق الأخيرة كانت الأصعب.
دخل عدد من رجال الحماية المدنية برفقة موظف من وزارة الكهرباء لفصل التيار الكهربائي وتأمين العقار قبل انتهاء المهمة، وبينما كانوا يباشرون عملهم، انهارت أجزاء من المبنى المتضرر بشكل مفاجئ، لتتحول لحظة الاطمئنان إلى مأساة، وأسفل الأنقاض، توقفت رحلة أربعة رجال خرجوا لأداء واجبهم ولم يعودوا إلى منازلهم.
استشهد النقيب عبد الرحمن العدوي، ضابط بإدارة الحماية المدنية، وأمين الشرطة حمد عبد الجواد السيد صبرة، وأحمد محمد محمود، موظف وزارة الكهرباء الذي كان يشارك في تأمين الموقع، أما اللواء محمد الشربيني، فخرج من الحادث مصابًا بإصابات بالغة، ونُقل إلى المستشفى، حيث واصل الأطباء محاولاتهم لإنقاذه، قبل أن يُعلن لاحقًا استشهاده متأثرًا بإصابته، وبرحيله فقدت الحماية المدنية قائدًا عُرف بين زملائه بالوجود في الصفوف الأولى خلال الأزمات، لا بإدارتها من بعيد، أما زملاؤه الثلاثة، فقد انتهت رحلتهم في المكان نفسه الذي كانوا يحاولون فيه حماية الآخرين، ليصبحوا جزءًا من قائمة طويلة لرجال دفعوا حياتهم ثمنًا لأداء واجبهم.

وشُيعت جثامين الشهداء في جنازة عسكرية، بحضور الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، الذي أكد في نعيه أن اللواء محمد الشربيني “أبى إلا أن يكون وسط رجاله لحماية المواطنين”، وفي موازاة مشاهد التشييع، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى دفتر عزاء مفتوح، آلاف الرسائل استحضرت تضحيات رجال الحماية المدنية، فيما طالب آخرون بمراجعة إجراءات السلامة داخل المخازن والمنشآت الواقعة وسط المناطق السكنية، وتشديد الرقابة على التراخيص والاشتراطات الوقائية، لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وعلى المستوى القانوني، باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعة، فأمرت بانتداب المعمل الجنائي لبيان أسباب اندلاع الحريق وتحديد نقطة بدايته، كما كلفت لجنة هندسية من حي منشأة ناصر بمعاينة العقارات المجاورة، وبيان مدى تأثرها إنشائيًا واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السكان.
ورغم انتهاء الحريق، إلا أن آثاره لم تنته، حيث بقيت خلفه سبع أسر نجت من الموت، وأربعة رجال رحلوا وهم يؤدون عملهم، وبين لحظة البلاغ الأولى ولحظة الانهيار الأخيرة، كتب رجال الحمالية المدنية كعادتهم واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا، لتبقى شاهدًا على الثمن الذي يدفعه رجال الإنقاذ في سبيل أن يعود الآخرون إلى بيوتهم سالمين.





