معركة هرمز.. هل ينجح ترامب في السيطرة على الورقة الإيرانية الحاسمة في المفاوضات؟

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “CENTCOM” أن الجيش الأمريكي أنهى أحدث موجة من الضربات الجوية ضد إيران يوم الجمعة الماضي، مسجلاً بذلك الليلة السابعة على التوالي من حملة القصف المتجددة، ويأتي هذا بعد أن شنت طهران موجة أخرى ضمن سلسلة هجماتها المتصاعدة على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

وأوضحت القيادة المركزية في بيان لها على موقع X أن الضربات استهدفت مواقع مراقبة، وبنية تحتية لوجستية عسكرية، ومخازن أسلحة تحت الأرض، وقدرات بحرية، مضيفة أن القوات الأمريكية استخدمت أصولاً شملت طائرات مقاتلة وطائرات مسيرة وسفن حربية، ولم يتضمن البيان تفاصيل إضافية حول عدد الأهداف التي تم استهدافها، إلا أنها ذكرت أن المواقع المستهدفة شملت جاسك وسيريك وبوشهر وبندر عباس وجزيرة قشم والأهواز ويزد.

وأكدت القيادة المركزية أنها تفرض بشكل كامل الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، والذي استؤنف في وقت سابق من هذا الأسبوع، يأتي هذا التصعيد في القتال في ظل انهيار مذكرة التفاهم، وتنازع البلدين حول إغلاق مضيق هرمز.

بينما حذر محسن رضائي، المسؤول البارز في الحرس الثوري، والمستشار العسكري للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، من أن الولايات المتحدة قد تواجه هجومًا شاملاً في الأيام المقبلة، إذا استمر قصفها خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأكد “رضائي” أن استراتيجية واشنطن الاستنزافية القائمة على “الحرب والتفاوض” قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن حدة الهجمات الإيرانية ستزداد في الأيام المقبلة.

ووفقًا لوكالة أنباء فارس الإيرانية شبه الرسمية، هددت طهران موانئ رئيسية في دول الخليج العربي ردًا على تدمير الولايات المتحدة برج مراقبة بالقرب من مضيق هرمز.

سبب استهداف البنية التحتية الإيرانية
تستهدف الولايات المتحدة تغيير الحسابات من خلال استهداف الجسور والبنية التحتية للسكك الحديدية، ومراكز القيادة والسيطرة، وأي شيء قد تستخدمه طهران للتزود بالأسلحة مثل الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق السريعة،  للسيطرة العسكرية على المضيق.

وتعتقد إيران أن الولايات المتحدة تحاول تشجيع الملاحة عبر المضيق لتجريد إيران من نفوذها عليه، حتى لا يكون لديها ما تتفاوض بشأنه.

تضارب التصريحات وتبادل الاتهامات
نفت الولايات المتحدة مزاعم طهران السابقة بشن هجمات على بنية تحتية مدنية في إيران، بما في ذلك جسور ومحطة قطار ومطار، وقد تحققت “بي بي سي فيريفاي” و”بي بي سي فارسي” من صحة لقطات مصورة تظهر أضرارًا لحقت بجسر قاريفه، بعد أن أظهرت مقاطع فيديو ليلية كرة من اللهب فوقه، وأظهرت صور نهارية امتدادًا متهالكًا للطريق مع وجود أنقاض حول الجسر المنهار، وأعلنت السلطات المحلية في ولاية هرمزجان المتضررة، عن مقتل سبعة أشخاص في الهجمات.

كما أعلنت الولايات المتحدة أنها دمرت برج مراقبة في ميناء تشابهار، ونشر وزير الدفاع بيت هيغسيث، صورة للبرج وهو ينهار لحظة تعرضه للقصف، وأفادت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بأن البرج كان جزءًا من شبكة مراقبة بحرية تابعة للحرس الثوري الإيراني.

وأفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية “IRIB” بوقوع هجمات في مدينة بندر عباس، ومحيطها يوم الخميس الماضي، وأشارت إلى إغلاق العديد من الجسور والطرق السريعة التي تربط المدينة بالمحافظات، وتضم مدينة بندر عباس مقر البحرية الإيرانية وتستقبل أكثر من 85% من حركة الحاويات في البلاد.

جرائم الحرب في المنطقة
يستمر الرئيس ترامب بتكرار الاعتماد على الضربات على أمل زعزعة سيطرة إيران على مضيق هرمز، وهو ما يعد جنون بلا شك، فلا يمكن تكرار نفس الفعل مرارًا وتكرارًا، مع توقع نتيجة مختلفة.

كما أن مهاجمة البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك أهداف مدنية قد ترقى إلى جرائم حرب، فإن “ترامب” يخاطر بلا شك بالعودة إلى حرب شاملة، لكن هناك تطوران قد يدفعانه إلى خفض التصعيد مجددًا: مناشدات دول الخليج، التي ستتحمل وطأة الرد الإيراني، واستعداد إيران لمهاجمة البنية التحتية المدنية في الخليج.

وقد هاجمت إيران بالفعل بنية تحتية مدنية، بما في ذلك محطة تحلية مياه في الكويت، وهو ما يعد جريمة حرب واضحة، إذ أن إيران تعتبر محطة تحلية المياه الكويتية هدفًا مشروعًا بعد استهداف منشآت تخزين المياه الإيرانية الشهر الماضي.

وأفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية أن الجيش الأمريكي قصف منشآت مياه قرب مدينة كوهستاك في مقاطعة سيريك في 10 يونيو، ما أدى إلى إلحاق أضرار بخزانين خرسانيين وقطع إمدادات المياه عن السكان.

تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة
تضم منطقة قيادة العمليات المركزية الأمريكية أكثر من 50 ألف جندي أمريكي، ووفقًا لبيانات تتبع الرحلات الجوية التي راجعتها صحيفة “ذا هيل”، شوهدت طائرات مقاتلة أمريكية تحلق من أوروبا إلى الشرق الأوسط يوم الجمعة الماضي.

كما تتواجد قوات مشاة البحرية من الوحدة الاستكشافية البحرية الحادية عشرة في منطقة سيطرة القيادة المركزية، وأفاد موقع “أكسيوس” يوم الجمعة أن الإدارة الأمريكية أبلغت إسرائيل أنها سترسل عشرات الطائرات للتزود بالوقود إلى البلاد.

وتمتلك الولايات المتحدة نحو 30 طائرة عسكرية للتزود بالوقود في مطار بن غوريون الدولي، لذا إن إرسال طائرات إضافية للتزود بالوقود يشير إلى أن بعض دول الخليج ربما تكون قد رفضت السماح بدخولها.

ووفقًا لبيانات تتبع الرحلات الجوية، شوهدت عدة طائرات نقل عسكرية من طراز C-17 غلوب ماستر تابعة لسلاح الجو الأمريكي تحلق من ألمانيا إلى إسرائيل والأردن يوم الجمعة، لذا إن استخدام الجيش الأمريكي لإسرائيل كقاعدة عمليات سيجعل خفض التصعيد أكثر صعوبة، ستشن إيران هجومًا على إسرائيل، مما يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذريعة لاستئناف حربه التدميرية ضد إيران.

حركة الملاحة في المضيق
أعلنت إيران إغلاق المضيق أمام الملاحة، وتوقفت حركة الشحن بشكل كبير، ونفى الجيش الأمريكي تقريرًا نشرته وكالة أنباء فارس الإيرانية يفيد بانفجار ناقلتي نفط واشتعال النيران فيهما أثناء مرورهما عبر طريق ملغوم جنوب مضيق هرمز، وصرحت القيادة المركزية الأمريكية أن مثل معظم ادعاءات الحرس الثوري الإيراني، هذا الادعاء كاذب.

كما بلغت عمليات عبور مضيق هرمز أدنى مستوى لها في ثلاثة أسابيع، ووفقًا لشركة تتبع السفن “كيبلر”، انخفضت عمليات العبور الناجحة إلى ثماني عمليات يوم الخميس. سبع من هذه العمليات الثماني استخدمت الطريق القريب من سواحل إيران.

وذكرت وكالة رويترز أن إيران طلبت من حلفائها الحوثيين في اليمن، الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب عبر البحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة الإيرانية، وهو تهديد قد يشل سوق الطاقة العالمية إذا نفذ.

كما هدد زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، باستهداف جميع منشآت النفط السعودية وغيرها من المنشآت الحيوية إذا تدخلت الرياض في اليمن، وجاء هذا التهديد بعد أن قصفت السعودية مطار صنعاء، ما دفع الحوثيين إلى شن هجمات صاروخية انتقامية على السعودية.

سيناريوهات التصعيد وحرب اللانهاية
بإمكان الرئيس ترامب تصعيد القصف الأمريكي، إلا إنه لا يوجد ما يضمن إجبار إيران على تغيير مسارها، كما أن قبول أي قدر من السيطرة الإيرانية على المضيق يتعارض مع تعهدات الرئيس ترامب بإعادة فتح الممر المائي بالكامل أمام الملاحة البحرية، كما كان قبل الحرب.

كما أن هناك خطرًا من انزلاق الولايات المتحدة وإيران إلى ما يسمى بحرب لا نهاية لها. ذلك لوجود خطأ في تقدير إدارة ترامب، ولكنه أيضًا جزء من نمط في النهج الأمريكي لاستخدام القوة، فواشنطنتمتلك قدرات هائلة وبراعة عملياتية هائلة، لكنها مقيدة بالأخطاء الاستراتيجية.

حيث تبحث إدارة الرئيس ترامب المحبطة، عن سبل لإخضاع إيران لإرادتها، بعد أن وصف ترامب قادة البلاد بـ”الحثالة” و”المرضى” في قمة الناتو هذا الشهر، مع أنه ليس من الواضح كيف يمكن تحقيق ذلك دون حملة برية واسعة النطاق، والتي لا تستعد لها الولايات المتحدة، ولا ترغب في خوضها.

ومن الممكن تمامًا لواشنطن الاستيلاء على خرك أو أي موقع صغير آخر على الأرض، لكن التحدي يكمن في الحفاظ على هذا الموقع، إذ سيصبح حتمًا هدفًا للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وفي غضون ذلك، سيؤدي استمرار القصف الأمريكي إلى مزيد من النقص في مخزونات صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، التي يصعب تصنيعها، والتي انخفضت إلى النصف، والصواريخ باهظة الثمن، التي انخفضت بنسبة تتراوح بين الربع والثلث، وفقًا لتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

أسعار النفط
ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها في شهر يوم الجمعة، وصعد سعر خام برنت، بنحو 4%، ليصل إلى حوالي 88 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ أوائل يونيو، ولكنه لا يزال أقل من ذروته في أبريل عندما تجاوزت أسعار النفط 120 دولارًا.وصعد خام غرب تكساس الوسيط، بنسبة 4% ليصل إلى 82 دولارًا للبرميل.

إن إيران تري أن ترامب سيحاول كسر ظهرها، ولكن بمجرد أن يزداد الضغط على الاقتصاد العالمي، سيتعين على واشنطن العودة إلى طاولة المفاوضات لإبرام مذكرة تفاهم أخرى، وإن كانت الحرب الدائرة ليست كل شيء بالنسبة للولايات المتحدة، إلا أنها صراع وجودي لإيران ، ولذلك فهم مستعدون لتحمل المزيد من المعاناة وقبول المزيد من المشقة لأن البديل هو الانهيار التام.

وإذا استسلمت إيران الآن، فسيكون ذلك بمثابة استسلام فعلي، ولا يمكن الاعتقاد أنهم مستعدون للاستسلام، وإذا لم يكونوا مستعدين للاستسلام، فلن يكون أمامهم خيار سوى القتال للنهاية، لذا يمكننا القول أن إشعال الحرب بهدف غير واقعي أسهل من إنهائها.