الحصار البحري والعقوبات الشاملة.. هل تستطيع واشنطن إخضاع إيران عبر بوابة النفط؟
تراهن الولايات المتحدة على أن الجمع بين العقوبات الاقتصادية الشاملة والحصار البحري وتشديد الخناق على صادرات النفط الإيرانية قد يكون أكثر فاعلية في الضغط على طهران من الضربات العسكرية وحدها، في محاولة لدفع النظام الإيراني إلى تقديم تنازلات ووقف التصعيد في المنطقة.
ومع إعادة واشنطن فرض قيودها على الموانئ والشحنات البحرية الإيرانية في 13 يوليو/تموز، عقب انهيار اتفاق وقف الحرب بين الجانبين، دخلت صادرات النفط الإيرانية مرحلة جديدة من الضغوط، في وقت يمثل فيه النفط المصدر الرئيسي للعملة الصعبة للاقتصاد الإيراني.
ويأتي ذلك بعد أضرار لحقت بالبنية التحتية للطاقة خلال الحرب، لتجد طهران نفسها أمام ضغوط متزامنة تستهدف قدرتها على إنتاج النفط وتصديره وتحويل عائداته إلى موارد مالية.
النفط في قلب استراتيجية الخنق الاقتصادي
يرى بوب ماكنالي، رئيس مجموعة رابيدان للطاقة، أن إعادة فرض الحصار الأمريكي على صادرات النفط الإيرانية حدّت بصورة كبيرة من قدرة طهران على تصدير الخام، إلى درجة تجعل الكميات الإيرانية أقل تأثيرًا في موازين سوق النفط العالمية.
لكن تداعيات الحصار لا تتوقف عند حجم الصادرات الإيرانية، إذ بدأ اضطراب الإمدادات ينعكس على سوق المنتجات النفطية المكررة، مع تسجيل هوامش أرباح الديزل في الولايات المتحدة وأوروبا مستويات قياسية خلال الأسبوع الحالي.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات تتبع الناقلات انخفاضًا في مخزونات النفط الإيراني المخزنة عائمًا خارج نطاق الحصار، من نحو 105 ملايين برميل قبل إعادة فرض القيود إلى حوالي 80 مليون برميل، بما يشير إلى تراجع تدريجي في المخزون الذي كانت طهران تعتمد عليه لمواصلة تدفق صادراتها رغم العقوبات.
الحصار البحري يضيّق هامش المناورة
يشكل البحر أحد أهم محاور الاستراتيجية الأمريكية للضغط على إيران، خصوصًا أن صادرات النفط تعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري، فيما يمثل مضيق هرمز نقطة حيوية في حركة الطاقة العالمية.
وبحسب بيانات شركة كيبلر، لم تُسجل منذ منتصف يوليو/تموز عمليات عبور مرئية لناقلات نفط عملاقة محملة بالخام الإيراني عبر المضيق، رغم صعوبة التحقق الكامل من حركة السفن بسبب قيام بعض الناقلات بتعطيل أنظمة التعريف الآلي الخاصة بها.
وتشير هذه التطورات إلى أن واشنطن لا تستهدف النفط الإيراني باعتباره سلعة تصديرية فحسب، وإنما تحاول تضييق الطريق الذي يصل هذه البراميل إلى المشترين، بما يحول العقوبات من مجرد قيود مالية وتجارية إلى ضغط مباشر على سلسلة التصدير بأكملها.
إيران أمام أزمة اقتصادية متفاقمة
ويأتي الضغط على صادرات النفط في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني أصلًا من أزمة حادة، وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى توقع انكماش الاقتصاد بأكثر من 5% خلال العام، بالتزامن مع ارتفاع التضخم وتراجع قيمة الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار.
وبالنسبة لواشنطن، فإن استمرار تدهور المؤشرات الاقتصادية قد يشكل عنصر ضغط إضافيًا على الحكومة الإيرانية، خصوصًا إذا تزامن مع انخفاض الإيرادات النفطية وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية.

وتقوم الفكرة الأمريكية على أن خنق مصادر الدخل، وتقييد حركة التجارة، وتشديد الرقابة على الناقلات والموانئ، واستهداف المشترين يمكن أن يقلص قدرة طهران على تمويل سياساتها الداخلية والخارجية، وبالتالي يدفعها إلى تغيير حساباتها السياسية.
إلا أن السؤال الرئيسي يبقى: هل يمكن للعقوبات والحصار أن يحققا ما لم تحققه القوة العسكرية، أي إجبار إيران على التراجع؟
الصين.. الحلقة الأهم في العقوبات
تظل الصين العامل الأكثر أهمية في قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات الأمريكية، باعتبارها المشتري الأكبر للنفط الإيراني.
وتشير بيانات كيبلر إلى أن الصين استحوذت على أكثر من 80% من النفط الإيراني المصدر خلال عام 2025، فيما تعتمد المصافي المستقلة الصينية، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، على الخام الإيراني بصورة كبيرة.
ولهذا تحاول واشنطن توسيع نطاق الضغط ليشمل المشترين أنفسهم، إذ هدد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بفرض عقوبات أشد على إيران، داعيًا بكين إلى التعاون مع الحملة الأمريكية الرامية إلى عزل طهران اقتصاديًا.
لكن قدرة واشنطن على إغلاق هذا المسار بالكامل تبدو محدودة، في ظل استمرار بكين في رفض العقوبات الأحادية، وتمسكها بأمن إمداداتها من الطاقة.
كما أن تجربة العقوبات السابقة تشير إلى أن بعض المصافي التي سبق أن استهدفتها واشنطن واصلت شراء وتكرير النفط الإيراني، ما يطرح تساؤلات حول قدرة العقوبات الجديدة على وقف التدفقات بصورة كاملة.
مخزون يمنح طهران مهلة مؤقتة
ورغم الضغوط، لا تزال إيران تمتلك مخزونًا كبيرًا من النفط، يقدر بنحو 80 مليون برميل، معظمها موجه إلى السوق الصينية.
وبحسب تقديرات كيبلر، يمكن لهذا المخزون أن يوفر لطهران إيرادات تصل إلى نحو 1.5 مليار دولار شهريًا وفق الأسعار الحالية، ما يمنح الحكومة الإيرانية هامشًا زمنيًا لمواجهة الضغوط الأمريكية.

لكن هذا الهامش ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية؛ إذ تقدر الشركة أن المخزون والعائدات المتاحة قد توفر لطهران نحو أربعة أشهر تقريبًا عند معدل تفريغ يبلغ 650 ألف برميل يوميًا.
وبالتالي، فإن نجاح استراتيجية الحصار يعتمد إلى حد كبير على قدرة واشنطن على منع إيران من تجديد مخزونها أو إيجاد مشترين وطرق جديدة لتصدير النفط.
«العبور الخفي».. ثغرة في جدار الحصار
في المقابل، تحاول طهران ومشترون محتملون الالتفاف على القيود البحرية من خلال ما يعرف بـ«العبور الخفي»، حيث تُعطّل بعض الناقلات أنظمة التعريف الآلي، إلى جانب تنفيذ عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى بهدف إخفاء مصدر الشحنات ومساراتها.

وتشير بيانات كيبلر إلى أن 72 ناقلة من أصل 84 ناقلة نفط خام رُصدت وهي تعبر مضيق هرمز منذ 7 يوليو/تموز سلكت طرقًا خفية، مع ترجيح استخدام بعضها مسارات عبر المياه العمانية، وإن كانت الشركة تؤكد صعوبة التحقق بشكل قاطع من جميع هذه التحركات.
وتكشف هذه العمليات أن الحصار البحري، رغم شدته، لا يعني بالضرورة توقف تجارة النفط الإيرانية بالكامل، وإنما يدفعها إلى مسارات أكثر تعقيدًا وتكلفة وسرية.
هل ينجح الرهان الأمريكي؟
تضع واشنطن إيران أمام معادلة اقتصادية صعبة، تتمثل في انخفاض الصادرات، تراجع المخزونات، ارتفاع كلفة النقل والتأمين، صعوبة الوصول إلى العائدات، واحتمال توسيع العقوبات لتشمل مزيدًا من المشترين والجهات الوسيطة.
لكن في المقابل، تمتلك طهران أدوات للمواجهة، أبرزها المخزونات النفطية القائمة، والسوق الصينية، وشبكات الشحن غير المباشر، إضافة إلى قدرتها على استخدام طرق سرية لتجاوز القيود.
وهنا تتوقف فعالية الاستراتيجية الأمريكية على مدة استمرار الحصار وقدرة واشنطن على إغلاق منافذ التصدير فعليًا، فإذا تمكنت الولايات المتحدة من منع إيران من بيع النفط والوصول إلى عائداته لفترة طويلة، فقد تتحول العقوبات من أداة ضغط إلى أزمة مالية تهدد قدرة الحكومة على الاستمرار في تمويل الاقتصاد والدولة.
أما إذا استمرت عمليات التهريب والعبور السري، وظلت الصين وغيرها من المشترين قادرين على استيعاب جزء كبير من الخام الإيراني، فقد لا يكون الحصار كافيًا وحده لإجبار طهران على الاستسلام.
وفي النهاية، لا يبدو أن المعركة تدور فقط حول كمية النفط التي تستطيع إيران تصديرها، بل حول قدرة واشنطن على خنق دورة النفط بأكملها: من الحقول والموانئ، إلى الناقلات والمضائق، وصولًا إلى المشترين والعائدات المالية.
ومن هنا يصبح النفط أحد أهم ميادين المواجهة بين واشنطن وطهران، فيما يبقى نجاح الرهان الأمريكي على «الخنق الاقتصادي» مرهونًا بمدى قدرة العقوبات والحصار البحري على إغلاق منافذ إيران، وبمدى قدرة طهران على إيجاد منافذ بديلة قبل أن تتحول الضغوط الاقتصادية إلى أزمة يصعب احتواؤها.






