أديس أبابا تمارس التحريض في القرن الأفريقي.. خطاب عدائي أثيوبي تجاه مصر بمقال رسمي “دمى القاهرة في أسمرة”

في ظل التنافس المتزايد على النفوذ القرن الأفريقي، لم تعد المواجهة بين القوى الإقليمية تقتصر على التحركات الدبلوماسية أو الترتيبات الأمنية، بل امتدت إلى المجال الإعلامي، الذي أصبح أحد أبرز أدوات إدارة الصراع وصناعة التصورات لدى الرأي العام.

وفي إطار الحرب الإعلامية، المقال الإثيوبي المعنون “دمى القاهرة في أسمرة” نموذجًا لهذا النوع من الخطاب، إذ يتجاوز حدود النقد السياسي التقليدي ليوجه اتهامات مباشرة إلى مصر بأنها تدير تحالفات إقليمية تستهدف إثيوبيا، مستخدمًا لغة حادة ومفردات مثل “الوكلاء وحرب الوكالة ودمى القاهرة”، خاصة أن المقال لم يكن مجرد رأي شخصي، بل تنبته المؤسسات الإعلامية الأثيوبية الرسمية وبثه وكالة الأنباء الرسمية، ونشر في عدة مواقع باللغة الأمهرية.

ولا يمكن النظر إلى هذا المقال باعتباره مجرد رأي فردي، بل باعتباره مؤشرًا على نمط متكرر في بعض المنصات الإثيوبية، يقوم على تفسير التحركات المصرية في أفريقيا من منظور الصراع الجيوسياسي، وربطها بصورة مباشرة بملف سد النهضة والتنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ومن ثم، فإن أهمية المقال لا تكمن في الاتهامات التي يطرحها بقدر ما تكمن في الرسائل السياسية التي يسعى  إلى ترسيخها داخل الرأي العام الإثيوبي والإقليمي.

أولا: السياق الإقليمي الذي أُنتج فيه الخطاب

جاء نشر المقال في توقيت يشهد تغيرات متسارعة في البيئة الاستراتيجية للقرن الأفريقي، فمن جهة، لا تزال الحرب في السودان تلقي بظلالها على معادلات الأمن الإقليمي، بينما تتزايد المنافسة الدولية على البحر الأحمر باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي الوقت ذاته، تواصل مصر توسيع شراكاتها مع دول شرق أفريقيا عبر التعاون الاقتصادي، والاستثمار في مشروعات البنية التحتية والطاقة، إلى جانب تكثيف الزيارات الرئاسية واللقاءات الثنائية.

في المقابل، تواجه إثيوبيا تحديات داخلية وخارجية معقدة، تشمل تداعيات الصراعات الداخلية، واستمرار التوتر بشأن سد النهضة، والسعي إلى الحصول على منفذ بحري، وهي ملفات تجعل أي تحرك إقليمي للدول المجاورة محل متابعة دقيقة داخل أديس أبابا.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تصاعد الخطاب الإعلامي تجاه مصر باعتباره انعكاسًا لحالة التنافس الإقليمي أكثر من كونه استجابة لحدث منفرد.

ثانيًا: تفكيك بنية الخطاب السياسي في المقال

يعتمد المقال على بناء سردية سياسية تقوم على ثلاث ركائز رئيسية:

الركيزة الأولى هي تصوير مصر باعتبارها الفاعل الرئيسي وراء التحولات الإقليمية، إذ يحاول ربط أي تقارب بين القاهرة ودول مثل السودان أو إريتريا بمحاولة لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي، وتغفل هذه المقاربة أن العلاقات  بين الدول لا تُفسر فقط بمنطق الصراع، وإنما أيضًا باعتبارات التنمية والتجارة والمصالح المشتركة.

أما الركيزة الثانية فتتمثل في نزع الاستقلالية عن قرارات الدول الأخرى، من خلال وصف قادتها بأنهم “وكلاء” أو “دمى”، ويثير هذا الطرح تساؤلات حول مدى اتساقه مع مبدأ سيادة الدول، إذ يفترض ضمنًا أن هذه الدول لا تمتلك إرادة سياسية مستقلة، وأن قراراتها تصدر استجابة لإملاءات خارجية، وهو افتراض لا تدعمه طبيعة العلاقات الدولية في الإقليم.

وتتمثل الركيزة الثالثة في استخدام خطاب تعبوي يعتمد على مفردات ذات حمولة سياسية عالية، مثل “ المؤامرة د” و” الحرب بالوكالة”، بما يسهم في تحويل الخلافات السياسية إلى صراع وجودي، ويعزز حالة الاستقطاب بين الرأي العام في المنطقة.

ثالثًا: لماذا تتصدر مصر هذا الخطاب؟

يرتبط تصاعد الإشارة إلى مصر في بعض الخطابات الإثيوبية بجملة من المتغيرات، يأتي في مقدمتها تنمي الحضور المصري في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

فقد اتجهت القاهرة إلى تعزيز علاقاتها مع دول القارة عبر مشروعات تنموية واستثمارات في مجالات الطاقة والبنية التحتية، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات الصحة والتعليم وبناء القدرات.

كما اسهمت الزيارات الرئاسية المتكررة، وآخرها زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا، في تأكيد توجه مصري يقوم على تعميق الشراكات الاقتصادية مع دول شرق أفريقيا، وهو ما انعكس في التغطية الإيجابية التي حظيت بها الزيارة داخل وسائل الإعلام التنزانية.

وفي هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن ينظر بعض الكُتاب في إثيوبيا إلى هذا الحضور باعتباره تحديًا لمكانة بلادهم الإقليمية، غير أن تحويله إلى اتهامات بإدارة “جروب بالوكالة” يظل جزءًا من خطاب سياسي هجومي أكثر منه توصيفًا موضوعيًا للواقع.

رابعًا: بين السردية الإعلامية والوقائع السياسية

يثير المقال الإثيوبي تساؤلاً جوهريًا حول مدى توافق الاتهامات التي يطرحها مع الواقع السياسي في القرن الأفريقي، فمنذ عدة سنوات، تبنت مصر سياسة أفريقية تقوم على استعادة حضورها داخل القارة عبر أدوات التنمية والتعاون الاقتصادي، وليس من خلال بناء محاور عسكرية أو إدارة صراعات إقليمية، وقد انعكس  هذا التوجه في تنفيذ مشروعات تنموية كبرى، أبرزها مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري في تنزانيا، إلى جانب توسع برامج التدريب وبناء القدرات، وزيادة الاستثمارات المصرية في مجالات الطاقة، والصحة، والبنية التحتية، والزراعة.

كما عززت القاهرة حضورها داخل الأطر الأفريقية متعددة الأطراف، وشاركت في مبادرات تهدف إلى دعم السلم والتنمية،  وهو ما يتعارض مع الصورة التي يحاول المقال ترسيخها عن مصر باعتبارها طرفًا يسعى إلى تأجيج الصراعات، ولا يعني ذلك غياب التنافس بين القاهرة وأديس أبابا، فالتنافس الإقليمي حقيقة قائمة، لكنه يظل محكومًا بقواعد العلاقات الدولية والمصالح المتبادلة، وليس بالضرورة عبر الأدوات التي يصورها الخطاب الإعلامي الإثيوبي.

وفي المقابل، فإن اختزال جميع التحركات المصرية في إطار ملف سد النهضة أو محاولة تطويق إثيوبيا يغفل حقيقة أن السياسة الخارجية المصرية تجاه أفريقيا أصبحت أكثر اتساعًا، وتشمل ملفات التجارة، والربط اللوجستي، والطاقة، والأمن الغذائي، ومكافحة الإرهاب، وهي ملفات تمثل أولويات مشتركة لمعظم دول القارة.

خامسًا: الإعلام كأداة في إدارة الصراع الجيوسياسي

لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أحد أدوات إدارة التنافس بين الدول،  وفي هذا الإطار، يمكن قراءة مقال “دمى القاهرة في أسمرة” باعتباره جزءًا من “حرب السرديات”، التي تسعى من خلالها الأطراف المختلفة إلى التأثير في إدراك الرأي العام للأحداث وتوجيه تفسيره للتحركات السياسية.

ويعتمد هذا النوع من الخطاب على تبسيط القضايا المعقدة، عبر تقديم تفسير أحادي يربط جميع التطورات بفاعل واحد، كما يستخدم مفردات ذات طابع تعبوي تسهل تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يضاعف من تأثيرها على المتلقي، حتى في غياب الأدلة التي تدعمها.

وتكشف التجارب الدولية أن الحروب الإعلامية أصبحت مكونًا رئيسيًا في المنافسة الجيوسياسية، خاصة في المناطق التي تشهد تداخلًا بين المصالح الإقليمية والدولية، كما هو الحال في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

 ولذلك، فإن التعامل مع مثل هذه الخطابات لا يكون عبر الردود الانفعالية، وإنما من خلال تقديم روايات تستند إلى الوقائع والشفافية، وتعزيز أدوات التواصل الإعلامي والدبلوماسية العامة.

سادسًا: دلالات الخطاب على مستقبل العلاقات المصرية الإثيوبية 

يشير تصاعد هذا الخطاب إلى أن الخلاف بين مصر وإثيوبيا لم يعد يقتصر على الملفات السياسية والفنية، بل امتد إلى المجال الإعلامي، الذي أصبح ساحة موازية للصراع على النفوذ والتأثير. 

ومن المرجح أن تستمر هذه الحملات مع استمرار الخلافات حول عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها سد النهضة، وأمن البحر الأحمر، ومستقبل التوازنات في القرن الأفريقي.

وفي المقابل، فإن استمرار مصر في توسيع شراكاتها الاقتصادية مع دول القارة قد يسهم في تقليص أثر هذه الحملات، خاصة إذا اقترن بتعزيز الحضور الإعلامي المصري داخل أفريقيا، وإنتاج محتوى بلغات القارة المختلفة يشرح طبيعة السياسة المصرية وأهدافها، بما يحد من قدرة الخطابات المنافسة على احتكار الرواية.

كما تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات الدبلوماسية العامة المصرية، والانفتاح بصورة أكبر على مراكز الفكر ووسائل الإعلام والجامعات الأفريقية، بما يسهم في بناء فهم أعمق للمواقف المصرية، ويحول دون اختزالها في سياق الخلاف مع إثيوبيا.

خطاب تحريضي من الإعلام الإثيوبي الرسمي تجاه مصر