“الجلد العقدي” يمتص دماء المُربين.. كيف تحول البعوض إلى كابوس يطارد الماشية؟

موجات الحر تُفاقم انتشار المرض وتُضاعف خسائر المربين

تزامنًا مع ارتفاع درجات الحرارة وبلوغ ذروة فصل الصيف خلال شهري يوليو وأغسطس، ضربت موجة جديدة من مرض الجلد العقدي الماشية في عدد من القرى، مستغلةً انتشار الحشرات الناقلة للعدوى، ولم تعد هذه الأزمة البيطرية مصدر قلق للأطباء البيطريين فحسب، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تثقل كاهل صغار المربين.

ويجد المربي نفسه في معركة غير متكافئة، في ظل تحول البعوض إلى ناقل سريع للعدوى، حيث يواجه مرضًا شرسًا بإمكانات محدودة، وأدوية تستنزف مدخراته، وخوفًا دائمًا من نفوق الماشية التي تمثل في كثير من الأحيان مصدر رزقه الوحيد لإعالة أسرته.

يسرد الحاج محمد كمال، البالغ من العمر 63 عامًا، وهو مربي مواشٍ مقيم بمركز كوم أمبو بمحافظة أسوان، حجم الخوف الذي يعيشه المربون قائلاً:” البقرة دي كانت هي الجمعية إللي بقبض منها كل يوم، وكنت ببيع اللبن والجبنة وأشتري بيهم أكل وشرب للبيت”.

تحصين 4 ملايين رأس ماشية
وأضاف “كمال” لـ”ليبرالي”، :” عند اكتشاف إصابة البقرة بالجلد العقدي”والحرارة مولعة فيها، واللبن قطع خالص، بقيت أستلف من جيراني عشان أشتري خافض حرارة ومرهم للعُقد إللي بتتفتح في جسمها وتجيب دم”، مؤكدًا أن المأساة تكمن في أن البقرة هي مصدر الدخل الوحيد للأسرة المكونة من 5 أفراد.

حال الحاج محمد كمال، حال عشرات الآلاف من صغار المربين، تملكهم الخوف من فقد مواشيهم جراء حدة الحرارة، إلا أن وزارة الزراعة، حاولت التهدئة عبر الإشارة إلى عدم انتشار مرض وبائي واسع لمرض الجلد العقدي، مؤكدة استقرار الموقف الوبائي وتحصين 4 ملايين رأس ماشية هذا العام، بما يمثل حائط الصد الأول لرفع المناعة الوقائية للقطيع القومي والحد من فرص انتشار المسببات المرضية.

وأكدت الوزارة، أن فرق التقصي التابعة للهيئة العامة للخدمات البيطرية، كثفت أعمالها الميدانية الاستباقية خلال النصف الأول من العام الجاري، حيث أجرت ما يزيد على 90 ألف زيارة ميدانية شملت القرى، والأسواق، والحظائر بمختلف أنحاء الجمهورية، كما تضمن هذه المنظومة التدخل الفوري والسريع للتعامل مع أي حالات اشتباه فردية وفق البروتوكولات البيطرية والعلمية المعتمدة، مع استمرار أعمال الفحص الدوري وسحب العينات وتحليلها بالمعامل المركزية التابعة للوزارة.

الوقاية خير من العلاج
وشددت الوزارة على أن التحصين الوقائي، يمثل حائط الصد الأول لحماية الثروة الحيوانية والحفاظ على استقرار القطاع، استنادًا إلى قاعدة “الوقاية خير من العلاج” لتفادي الهدر الاقتصادي الناجم عن الإصابات أو النفوق، لافتة إلى أن التحصين الدوري يسهم في رفع المناعة وتقليل فرص الإصابة والحد من شدة المرض وخفض الخسائر.

وفي السياق ذاته، أكد الدكتور حامد الأقنص، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، أن مرض الجلد العقدي يُعد من الأمراض الفيروسية المستوطنة التي تتعامل معها الدولة من خلال برامج وقائية مستمرة، موضحًا أن الأجهزة البيطرية تمتلك خبرة كبيرة في احتوائه والحد من انتشاره عبر حملات التحصين الدورية التي تُنفذ في جميع المحافظات.

وأوضح “الأقنص”، أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يُساهم في زيادة نشاط الحشرات الناقلة للفيروس، مثل البعوض والذباب والقراد، ما يستدعي التزام المربين بتحصين الحيوانات في المواعيد المحددة، وعدم الاكتفاء بعلاج الحالات المصابة بعد ظهور الأعراض، لأن الوقاية تظل الوسيلة الأكثر فاعلية لحماية الثروة الحيوانية.

مصر تستهلك 1.5 مليون طن من اللحوم الحمراء سنويًا
وشدد “الأقنص” على أن مرض الجلد العقدي لا ينتقل إلى الإنسان، داعيًا المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الشائعات، مؤكدًا أن اللحوم والألبان من الحيوانات السليمة والمذبوحة داخل المجازر الحكومية الآمنة تخضع للرقابة البيطرية، وأن الالتزام بالإجراءات الوقائية والإبلاغ المبكر عن أي حالات اشتباه يمثلان حجر الأساس في الحفاظ على الثروة الحيوانية وتقليل الخسائر الاقتصادية.

وتشير أحدث بيانات وزارة الزراعة إلى أن الإنتاج المحلي بلغ نحو 600 ألف طن خلال عام 2025، مقابل 555 ألف طن في عام 2024، محققًا معدل نمو بلغ 8%.

ويُقدر إجمالي استهلاك مصر من اللحوم الحمراء بـ 1.5 مليون طن سنويًا، ويغطي الإنتاج المحلي نحو 60% من احتياجات السوق، بينما يتم سد النسبة المتبقية، البالغة نحو 40%، عبر استيراد بـ 1.37 مليار دولار، وذلك لضمان استقرار المعروض وتلبية احتياجات السوق المحلية.

لا علاج للفيروس
بدورها، أكدت الدكتورة سماح نوح، خبيرة سلوكيات الحيوان، ورئيس قسم الإرشاد بإدارة الطب البيطري بمركز الشهداء بمحافظة المنوفية، أن مرض الجلد العقدي يعد من الأمراض الفيروسية التي تصيب الأبقار بمختلف أعمارها، بدءًا من العجول الصغيرة وحتى الحيوانات الكبيرة، موضحة أن المرض لا يوجد له علاج يقضي على الفيروس نفسه، وإنما يعتمد التعامل معه على التحصين الوقائي، ورفع مناعة الحيوان، وتقديم العلاج الداعم للحالة، مؤكدة أن الوقاية تظل الوسيلة الأكثر فاعلية للحد من انتشار المرض وتقليل خسائره.

وأضافت “نوح” في تصريح لـ”ليبرالي”، أن موجات الحرارة الشديدة والإجهاد الحراري خلال فصل الصيف تؤدي إلى انخفاض مناعة الماشية، ما يجعلها أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الفيروسية، وعلى رأسها الجلد العقدي، مشددة على ضرورة الاهتمام بتوفير التغذية الجيدة واستخدام رافعات المناعة الموصى بها بيطريًا، مع تجنب الاستخدام العشوائي أو المفرط للمضادات الحيوية ومضادات الالتهاب، لأن الإفراط فيها لا يقضي على الفيروس، بل قد يضعف مناعة الحيوان، ويزيد من احتمالات تدهور حالته، فضلًا عن رفع تكاليف العلاج وتحميل المربين خسائر إضافية.

المرض لا ينتقل إلى الإنسان
وأوضحت خبيرة سلوكيات الحيوان، أن المرض لا ينتقل إلى الإنسان، باعتباره من الأمراض غير المشتركة بين الإنسان والحيوان، إلا أنه يؤثر بصورة كبيرة على القيمة الاقتصادية للحيوان، حيث يتسبب في انخفاض إنتاج الألبان وتراجع جودة اللحوم، مؤكدة أن الحيوان المصاب بالحمى لا يجوز ذبحه للاستهلاك الآدمي أثناء فترة الإصابة، لأن انخفاض كمية الدم المتخلص منها أثناء الذبح يزيد من فرص تكاثر الميكروبات داخل الذبيحة، ما يجعلها غير صالحة للاستهلاك.

وأشارت “نوح” إلى أن الجلد العقدي لا يمنع الحيوان من تناول الغذاء أو الشرب أو أداء وظائفه التناسلية، إلا أن خسائره الاقتصادية تكون كبيرة، إذ تشمل نفوق بعض الحالات الشديدة، وانخفاض إنتاج اللبن، وارتفاع تكاليف العلاج والرعاية البيطرية، إضافة إلى الخسائر الناتجة عن سوء استخدام المضادات الحيوية، والتي تترك متبقيات دوائية في اللبن وتؤثر على سلامة الغذاء، فضلًا عن زيادة الأعباء المالية على المربين.

وشددت خبيرة سلوكيات الحيوان على أهمية الالتزام بالإجراءات الوقائية، وفي مقدمتها تحصين الحيوانات في المواعيد المحددة، وعدم إدخال حيوانات جديدة إلى المزارع إلا بعد تطبيق الحجر البيطري لمدة 21 يومًا، مع مكافحة الحشرات الناقلة للمرض، وعزل أي حيوان تظهر عليه أعراض الإصابة، والإبلاغ الفوري للوحدات البيطرية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، مؤكدة أن سرعة الإبلاغ والتحصين والالتزام بالإرشادات البيطرية تمثل الركائز الأساسية للسيطرة على المرض والحد من انتشاره وحماية الثروة الحيوانية.

معدلات الإصابة داخل البؤر الوبائية تصل لـ 70% من القطيع
ومن حيث انتهت الدكتورة سماح نوح، واصل الدكتور أحمد البنداري، وكيل النقابة العامة للأطباء البيطريين، بأن مرض الجلد العقدي يُعد من أخطر الأمراض الفيروسية التي تصيب الأبقار، موضحًا أنه يتسبب في ظهور عُقد جلدية أسفل الجلد، ويؤثر بصورة مباشرة على صحة الحيوان وإنتاجيته.

وكشف “البنداري” في تصريحه لـ”ليبرالي”، عن أن معدلات الإصابة داخل البؤر الوبائية تصل إلى  70% من القطيع، بينما تتراوح معدلات النفوق في الحالات الشديدة حول 10%، مع ارتفاعها بين العجول والحيوانات صغيرة العمر نتيجة ضعف مناعتها مقارنة بالحيوانات البالغة.

وأوضح وكيل نقابة الأطباء البيطريين، أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يوفر بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات الناقلة للمرض، مثل البعوض والذباب، يجعل المحافظات الأكثر حرارة عرضة لزيادة معدلات انتشار الإصابة، لافتًا إلى أن حالات الجلد العقدي بدأت في الظهور منذ نحو شهرين بعدد من محافظات الصعيد، من بينها بني سويف والمنيا وأسيوط، قبل أن تمتد مؤخرًا إلى بعض محافظات الدلتا، مثل المنوفية ودمياط.

التحصين يُخفض فرص الإصابة بنسبة 90%
وأشار “البنداري” إلى أن الأعراض الأولى للإصابة، تتمثل في ارتفاع شديد بدرجة حرارة الحيوان، واللهاث، وفقدان الشهية، يعقبها ظهور طفح جلدي بسيط يؤدي إلى انتصاب شعر الجسم، ثم تتطور الحالة بظهور عُقد جلدية صلبة ومستديرة يتراوح قطرها بين سنتيمتر وأربعة سنتيمترات، تنتشر في أنحاء الجسم، خاصة بمنطقة الرقبة والفخذين والضرع وفتحة الشرج وملتحمة العين. وأضاف أن استمرار الإصابة يؤدي إلى انخفاض إنتاج الألبان، وفقدان الوزن بصورة ملحوظة، وقد يتسبب في إجهاض الأبقار العشار في بعض الحالات.

وشدد وكيل نقابة العامة للأطباء البيطريين، على أن الالتزام ببرامج التحصين الدورية يساهم في خفض فرص الإصابة بنسبة تصل إلى 90%، مؤكدًا أن التحصين يفقد جدواه داخل المزارع التي ظهرت بها إصابات بالفعل، حتى بالنسبة للحيوانات التي تبدو سليمة، نظرًا لأن فترة حضانة الفيروس تمتد من خمسة أيام إلى أسبوعين، وقد تكون بعض الحيوانات حاملة للفيروس دون ظهور أعراض واضحة عليها.

وأفاد “البنداري” بأن الحد من انتشار المرض يعتمد بدرجة كبيرة على رفع كفاءة الجهاز المناعي للحيوانات، من خلال توفير التغذية المتوازنة، واستخدام محفزات المناعة الموصى بها بيطريًا، إلى جانب الالتزام بالتحصينات الدورية، وتكثيف مكافحة الحشرات الناقلة للفيروس عبر الحفاظ على نظافة الحظائر، وتركيب السلك الواقي على النوافذ، واستخدام المبيدات الحشرية الموصى بها للحد من انتشار البعوض والذباب داخل مزارع التربية.