
الطموح في بداية حياة زوجية وتكوين أسرة يرتبط دائمًا بالبحث عن الاستقرار، لكنه كثيرًا ما ينتهي أمام لافتة “الإيجار الجديد” التي تحولت، في الوقت نفسه، إلى ملاذٍ لبداية الحياة الزوجية وسيف مسلط على رقاب الشباب المقبلين على الزواج.
ولم يعد ارتفاع أسعار الإيجارات يرجع إلى جشع السماسرة وحدهم، بل أصبحت السياسات الإسكانية الرسمية محل تساؤل أيضًا، فالشباب الذين انتظروا طويلا إعلانات الإسكان الاجتماعي باعتبارها فرصة للهروب من جحيم الإيجارات، اصطدموا بواقع جديد تحولت فيه الجهات الحكومية، في نظر كثيرين، إلى ما يشبه “المقاول الهادف للربح”، عبر شروط ومقدمات وأسعار تفوق قدراتهم المالية.
هذا التحول لم يحرم الشباب من فرصة امتلاك شقة فحسب، بل منح أيضًا أصحاب العقارات الخاصة مبررًا لرفع قيمة الإيجارات بصورة غير مسبوقة، تحت شعار: “كل شيء غلي.. حتى شقق الحكومة”.

زيادة 40% في الإيجار أو الطرد
تجربة الشباب مع المعاناة من كلا الأمرين “الإيجار، وحلم شقة الإسكان الاجتماعي”، سردها وليد شكري، محاسب في شركة قطاع خاص، وأب لطفلين، كاشفًا عن طلب صاحب الشقة زيادة “تعجيزية” في قيمة الإيجار أو إخلاء الشقة، قائلًا: “صاحب الشقة وضعني بين خيارين: إما دفع زيادة تعادل 40% من قيمة الإيجار الحالي، أو الطرد”.
معاناة التنقل لشقة أخرى، أوضحها شكري لـ”ليبرالي” في دفع عمولة للسمسار، وتأمين جديد، ومصاريف نقل، وهي مبالغ تفوق قدرته المالية تمامًا في الوقت الحالي.
“أين أنت من شقق الإسكان الاجتماعي؟”، سؤال طرحه “ليبرالي”، على وليد شكري، وأجاب:”حاولت التقديم في الطرح الأخير، لكن الشروط المالية صدمتني، وسعر الشقة يتطلب دخل مرتفع لضمان قبول القرض البنكي، ودخلي لا يكفي لمواجهة غلاء شقق الإسكان”.

تناقض مباشر في فلسفة برنامج الإسكان الاجتماعي
وليد شكري حاله كحال ملايين الشباب، من المعاناة في تملك وحدة إسكان اجتماعي، مُعدة خصيصًا للشباب “محدودي الدخل”، ولكن الواقع مغاير، حيث أكد المهندس سامح الغزولي، خبير التنمية المحلية وعضو الاتحاد العربي للتنمية المستدامة، أن وصول سعر الوحدات لأكثر من مليون جنيه، يُخلق تناقض مباشر في فلسفة برنامج الإسكان الاجتماعي، موضحًا أن ذلك لا يقلص فجوة السكن لمحدودي الدخل بل يدفعهم خارج القدرة الشرائية خصوصا مع دفع أقساط التمويل.
وأضاف “الغزولي” في تصريحه لـ”ليبرالي”، أن حلول توفير الدعم السكني لمحدودي الدخل تتمثل في تخصيص شريحة سكنية ذات سعر مقيد لمحدودى الدخل، لأنه يسمح بسداد أقساط شهرية مخفضة وطويلة الأمد، يقدر المواطن على دفع الأقساط بالتزامن مع قدرته على دفع قيمة الإيجار الشهري، وتدبير إلتزامات أسرته المالية يوميًا وشهريًا.
وقُدرت أسعار شقق الإسكان الاجتماعي المزمع تنفيذها الفترة المقبلة، بمليون و250 ألف جنيه كأقصى سعر لشقق الإسكان الاجتماعي بدون مصعد، وقُدر سعر الشقة بمليون و350 ألف جنيه بالمصعد.

إلغاء الدعم الحقيقي على السكن المقدم من الدولة لمحدودي الدخل
في حين قُدرت أسعار الوحدات في الطرح السابق لشقق الإسكان الاجتماعي ما بين 542 ألف جنيه كحد أدنى، و700 ألف جنيه كحد أقصى، لتكون الزيادة في أسعار الشقق في الطرح المقبل مقارنة بالأسعار في الطرح السابق بما يزيد على 50%.
وأفاد المهندس سامح الغزولي، بأن وجود مبررات اقتصادية للزيادة لا يُعنى إمكانية قبولها اجتماعيًا، لافتًا إلى أنها تمثل رفعا تدريجيًا للدعم أو إعادة توجيهه بصورة غير مباشرة، ومؤكدًا أن الرقابة الصارمة على المطورين العقاريين بالقطاع الخاص، ستمنع التحول وحدات الإسكان الاجتماعي إلى إسكان شبه تجاري من منطلق اجتماعي.
وشدد “الغزولي” على أن وصول أسعار شقق محدودى الدخل للأرقام سالفة الذكر، يؤكد إلغاء الدعم الحقيقى على السكن المقدم من الدولة لمحدودي الدخل، مطالبًا بمراعاة البعد الاجتماعي لمحدودي الدخل، دون التحول الكامل لمنطق السوق بسبب الشراكة مع القطاع الخاص.

27 مليار جنيه دعم في 10 سنوات
ومع الحديث عن الصعوبات أمام محدودي الدخل والتي تعيق حصولهم على وحدة سكنية، عقبت مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، بأن السكن لم يعد حلمًا بعيد المنال، بل واقعًا تحقق لملايين المصريين خلال 10 سنوات.
وأضافت عبدالحميد:” نقوم حاليا بتنفيذ 1.72 مليون وحدة سكنية، تم تنفيذ أكثر من 790 ألف وحدة سكنية منها لمحدودي الدخل وذلك بجميع المشروعات السكنية متضمنة الخدمات الأساسية، ضمن مجتمع عمراني متكامل يربط السكن بالخدمات التعليمية والصحية، والنقل، وهناك 242 ألف وحدة في مراحل التنفيذ المختلفة حاليا، كما أنه جار حاليا طرح 40 ألف وحدة ضمن آخر الإعلانات التي تم تنفيذها”.
وتطرقت إلى الحديث عن صور الدعم التي يحصل عليها المواطن، والمتمثلة في دعم المرافق وتكلفة الأرض، والدعم النقدي المباشر، ودعم سعر العائد بالتعاون مع وزارة المالية؛ لافتة إلى أن دعم الوحدات يتراوح بين 50 – 60 % من إجمالي قيمة الوحدات؛ حيث تتحمل وزارة المالية فرق سعر العائد مقارنة بسعر السوق، ووصل حجم الدعم خلال تلك السنوات إلى 27 مليار جنيه.

الدستور يكفُل للمواطنين الحق في السكن الملائم
بدورها، قالت سناء السعيد، عضو مجلس النواب، إن السياسات المتبعة في ملف الإسكان، وما تشهده من ارتفاع حاد في أسعار الوحدات السكنية، وطرح مبادرات إسكانية لا تتناسب مع مستويات الدخل الحقيقية للمواطنين، بما يُفرغ الحق الدستوري في السكن من مضمونه، ويُقصي فعليًا محدودي الدخل والشباب.
ولفتت “السعيد” إلى نص المادة (78) من الدستور المصري التي تنص على أن تكفل الدولة للمواطنين الحق في السكن الملائم والآمن والصحي، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية، كما أكدت المادة 8 التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، ونصت المادة (27) على أن يهدف النظام الاقتصادي إلى تحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة.
وأضافت “السعيد”، أن الواقع العملي يكشف عن وجود فجوة واضحة بين هذه النصوص الدستورية والسياسات الإسكانية المطبقة، حيث يتم الإعلان عن مبادرات إسكان موجهة محدودي الدخل والشباب، بينما تُطرح بمقدمات مرتفعة وأقساط شهرية كبيرة تمتد لسنوات طويلة، لا تتناسب مع متوسط الأجور والدخول للمواطنين متوسطي ومحدودي الدخل.

2.8 مليون شقة مغلقة
وفي سياق مواز، تقدم الدكتور محمد الصالحي، عضو مجلس النواب والخبير الاقتصادي، بطلب إحاطة الى المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، لتوجيهه إلى كل رئيس الوزراء، ووزراء الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية والمالية والتنمية المحلية والبيئة، بشأن تفاقم أزمة السكن وارتفاع أسعار الإيجارات بصورة غير مسبوقة، في ظل وجود نحو 2.8 مليون شقة مغلقة وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فيما يعاني ملايين المواطنين من صعوبة الحصول على وحدة سكنية مناسبة.
وأكد “الصالحي”، أن المشهد الحالي يعكس خللًا خطيرًا في سوق العقارات، حيث تُترك ملايين الوحدات السكنية مغلقة بغرض “التسقيع” والمضاربة العقارية، بينما وصل إيجار شقة لا تتجاوز مساحتها 70 مترًا في بعض المناطق إلى أكثر من 8 آلاف جنيه شهريًا، وهو ما يفوق قدرة الأسر المتوسطة والشباب.
وأوضح أن أزمة السكن لم تعد مجرد ملف خدمي، بل أصبحت قضية أمن اجتماعي تمس استقرار ملايين الأسر المصرية، مشددًا على أن استمرار تجميد ملايين الشقق في الوقت الذي يعجز فيه المواطن عن دفع الإيجار يمثل خللاً اقتصاديًا لا يحتمل التأجيل، ويتطلب قرارات حاسمة وشجاعة تعيد الانضباط والعدالة إلى ملف الإسكان.





