
في إطار تنسيق “أوروبي-بريطاني” مستمر، فُرضت عقوبات جديدة وموسعة استهدفت ضباط استخبارات تابعين لجهاز المخابرات العسكرية الروسية (GRU)، بالإضافة إلى شركات تكنولوجية خاصة وجهات تعمل لصالح موسكو، على خلفية قيام هذه الشبكة بحملة تجسس سيبراني وتخريبية واسعة النطاق، بحسب السلطات الأوروبية استهدفت البنية التحتية الحيوية في أوروبا (مثل شبكات الطاقة، والمؤسسات الحكومية، وأنظمة النقل) بهدف زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي وحلفائه.
لم يعد التحرك مجرد طرد دبلوماسيين، بل أصبح “حرب عقوبات مالية وتقنية” تجميد الأصول، حظر السفر، تقييد التعاملات المالية، ومنع تصدير التكنولوجيا، وتوجيه رسالة علنية بأن أوروبا وبريطانيا تنسقان دفاعهما السيبراني معًا.
هذا النوع من “التجسس الرقمي” وتوظيف المخابرات لشركات واجهة له سوابق شهيرة هزت العالم:

اختراق البرلمان الألماني (البوندستاغ) – 2015
هذه الحادثة تعتبر السلف المباشر للأزمة الحالية، وهي التي جعلت أوروبا تدرك حجم التهديد الروسي، حيث تعرض البرلمان الألماني بأكمله لاختراق سيبراني أصاب أجزاء واسعة من شبكة البرلمان، وأشارت التحقيقات الألمانية إلى احتمال وصول المهاجمين إلى حسابات بريد إلكتروني تخص نوابًا ومسؤولين، ومن بينها حسابات مرتبطة بمكتب المستشارة الألمانية وقتها.
أثبتت التحقيقات لاحقاً أن وراء الهجوم وحدة تابعة للمخابرات العسكرية الروسية (GRU) تعرف باسم (APT28) أو “Fancy Bear”، وصدرت وقتها مذكرات توقيف دولية ضد ضباط روس.

الصين: “عاصفة سرقة الأسرار والمليارات”
إذا كانت روسيا تخترق بغرض التخريب السياسي وإثارة الذعر، فالصين متخصصة في التجسس الصناعي، سرقة التكنولوجيا، واختراق البنية التحتية، وتعتبرها العديد من أجهزة الاستخبارات الغربية من أكثر الدول نشاطًا في مجال التجسس السيبراني.وأشهر المجموعات (Volt Typhoon) و (Salt Typhoon). والحادثة الأبرز (عملية أورورا – 2009) هجوم سيبراني صيني مرعب استهدف شركة “جوجل” وأكثر من 30 شركة تكنولوجية أمريكية كبرى، الهدف لم يكن سياسيًا بل كان سرقة الشفرات المصدرية (Source Codes) للبرامج الأمريكية، والوصول إلى حسابات المعارضين الصينيين، أما الحادثة الحديثة (اختراق هواتف الساسة – 2025/ 2026) اخترقت مجموعة (Salt Typhoon) الصينية اخترقت شركات اتصالات أمريكية، وتمكنت وفق السلطات الأمريكية من الوصول إلى بيانات اتصالات ومعلومات تخص مسؤولين وشخصيات سياسية.
تتميز عمليات الصين بالصبر الشديد، يزرعون برمجيات خبيثة داخل أنظمة الطاقة والمياه والاتصالات في الدول الغربية، وتظل نائمة لسنوات، لاستخدامها لتعطيل هذه الدول فوراً في حال نشوب حرب حقيقية (مثل صراع تايوان).

هجوم “سولار ويندز” (SolarWinds) – 2020
أكبر وأخطر اختراق لسلاسل الإمداد البرمجية في التاريخ، فبدلاً من اختراق الحكومات مباشرة، اخترقت المخابرات الروسية شركة برمجيات أمريكية شهيرة تدعى (SolarWinds) تغذي أنظمتها كبرى مؤسسات العالم، من خلال تحديث برمجيات خبيث، تمكن الروس من التسلل لأكثر من 18 ألف منظمة، بما في ذلك وزارة الخزانة الأمريكية، ووزارة الأمن الداخلي، وكشفت الحادثة كيف يمكن لشركة خاصة واحدة أن تكون حصان طروادة لاختراق دول بأكملها.

الولايات المتحدة وإسرائيل: “سلاح التدمير الفيزيائي الصامت”
الغرب ليس ضحية دائماً؛ بل يمتلك أعنف وأذكى الجيوش السيبرانية، لكن الفارق أن عملياتهم غالباً ما تكون سرية للغاية ولا تكشف إلا نادراً، وأبرز مثال على ذلك الحادثة الأسطورية (فيروس ستوكسنت Stuxnet – 2010) ويصنف كأول سلاح سيبراني عسكري معروف أحدث تدميرًا ماديًا واسعًا لمنشأة صناعية في التاريخ، ينسب على نطاق واسع إلى تعاون الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية معاً.
ماذا فعل؟ لم يسرق بيانات ولم يعطل موقعاً؛ بل تسلل صامتاً عبر فلاشة (USB) إلى منشأة “نطنز” النووية الإيرانية والمعزولة تماماً عن الإنترنت، اخترق الفيروس أجهزة التحكم المصنعة من شركة (Siemens)، وقام بالتلاعب بسرعات دوران أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم بشكل جنوني حتى دمرت نفسها فيزيائياً، بينما كانت شاشات المراقبة تظهر للمهندسين الإيرانيين أن كل شيء يعمل بشكل طبيعي، تسبب في تأخير البرنامج النووي الإيراني وإتلاف عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي.
تختلف أولويات القوى السيبرانية الكبرى؛ إذ تنسب إلى روسيا عمليات بارزة للتخريب والتأثير السياسي، بينما تتهم الصين على نطاق واسع بالتركيز على التجسس الصناعي وجمع المعلومات وزرع موطئ قدم داخل البنى التحتية، أما الولايات المتحدة وحلفاؤها، فيمتلكون قدرات هجومية متقدمة استخدمت في بعض الحالات لتعطيل قدرات عسكرية أو نووية لخصومهم.







