محمد فؤاد
محمد فؤاد

ما بعد الخرزة الزرقاء.. صناعة رقمٍ لا وجود له!

هناك فرق بين أن تدير الحكومة المشهد، وأن تدير الحقيقة.

أنا لا أرى مشكلة في أن تحاول أي وزارة إبراز إنجاز، أو أن تختار توقيتًا مناسبًا للإعلان عنه، أو حتى أن تدير معركتها الإعلامية كما تشاء. هذا جزء من العمل السياسي والإداري في كل دول العالم.

لكن ما يستفزني دائمًا هو أن يُعامل المواطن وكأنه لا يقرأ، ولا يقارن، ولا يراجع، ولا يملك القدرة على اكتشاف التناقضات.

قبل أيام قليلة، نشرت مقالًا بالأرقام أوضحت فيه أن إنتاج الغاز الطبيعي لا يزال بعيدًا عن التعافي، وأن الحديث عن انفراجه كبيرة لا تسنده البيانات المنشورة. لم يكن المقال رأيًا سياسيًا، بل قراءة رقمية لمسار الإنتاج.

وبعد مقالي الأخير الذي تناول بالأرقام تراجع الإنتاج، فوجئت بتحول الخطاب الإعلامي من الحديث عن التحديات إلى التركيز على رقم جديد قُدم باعتباره إنجازًا تاريخيًا. ولا أدّعي أن الأمر جاء ردًا على المقال، لكن التزامن يدفع إلى التدقيق في كيفية احتساب هذا الرقم، خصوصًا مع التغييرات التي طرأت على طريقة عرض البيانات.

بدأ الأمر بحوار مع الإعلامية الكبيرة والمحترفة لميس الحديدي. سألت سؤالًا في غاية البساطة: كم تنتج مصر من البترول يوميًا؟

فكان الرد: “مش عايزين نقول الرقم… علشان الحسد”

قد يبتسم البعض من الإجابة، لكنني توقفت أمامها طويلًا. لأن الأرقام الاقتصادية لا تُحجب خوفًا من الحسد، وإنما تُنشر حتى يطمئن المستثمر، ويستطيع الباحث أن يراجعها، ويستطيع البرلمان أن يحاسب عليها.

وبعد قليل، خرج الرقم: أكثر من 550 ألف برميل يوميًا”

وهنا بدأت المشكلة الحقيقية. لم أبدأ بالرقم نفسه، بل بدأت بالطريقة التي قُدم بها.

الرسم البياني الذي نشرته الوزارة لا يحتوي على أبسط قواعد عرض البيانات. لا يوجد مقياس الرسم لمحور الإنتاج. لا توجد أرقام على المحور الرأسي. لا أحد يعرف هل يبدأ المحور من الصفر، أم من 300 ألف، أم من 350 ألف برميل يوميًا.

شكل ١: رسم ترويجي للإنتاج مقابل المدفوعات

وبالتالي، يستحيل على أي شخص أن يعرف من الرسم وحده كم يبلغ الإنتاج فعلًا، أو مقدار الزيادة التي يريد الرسم إقناعنا بها.

ثم لاحظت شيئًا آخر. السلسلة الزمنية التي كانت تُعرض بصورة ربع سنوية ثابتة (يناير، ابريل، يوليو، أكتوبر) ، تغيرت فجأة. اختفت المنهجية المعتادة، وحلت محلها نقاط زمنية مختارة (يناير، ابريل، مايو، اول يونيو ثم اخر يونيو!!)  لتخدم الرسالة المطلوب إيصالها.

وهنا بدأت أشعر أن الهدف لم يعد شرح البيانات، وإنما إنتاج انطباع بصري. لكن، حتى لو تجاوزنا الرسم البياني كله، يبقى السؤال الأهم: مم يتكون رقم الـ550 ألف؟

لأن الناس عندما تسمع “إنتاج البترول”، فإنها تفهم أنه إنتاج الخام. بينما الواقع الفني الذي تسوقه الوزارة عن عمد مختلف.

هناك خام. وهناك متكثفات زيت. وهناك متكثفات غاز. وهذه ليست مسميات مترادفة، ولا يجوز استخدام أي منها بالتبادل دون إعلان واضح للمنهجية. وبما اننا نستورد الخام بمليارات فلا يجوز الهزل في رقمه من اجل الصورة واللقطة!

كما أن الوزارة نفسها كانت تنشر انتاج الزيت وانتاج متكثفات الزيت بصورة مستقلة، ثم توقفت عن تحديث بيانات مصر على منصة JODI، وهي المنصة الدولية التي كانت تتيح لأي شخص مراجعة أرقام إنتاج الخام المصري بصورة مستقلة.

شكل ٢: ارقام منصة جودي

المعلومات الفنية المتاحة لدي تشير إلى أن إنتاج الخام يدور حاليا في حدود 470 ألف برميل يوميًا. وهو ما يضرب بيان اعلى رقم في عامين في مقتل حيث كان انتاج الزيت 500 الف برميل في أغسطس! وهنا يصبح السؤال مشروعًا. إذا كان الرقم الجديد يمثل تغييرًا في منهجية الاحتساب، فلماذا لم تُعلن المنهجية؟ وإذا كانت هناك مكونات جديدة دخلت في الرقم، فلماذا لم تُنشر تفاصيلها؟ ولماذا اختفت البيانات التي كانت تسمح بالمراجعة، في الوقت الذي بدأنا فيه نتحدث عن أرقام قياسية؟

في علم الإحصاء، عندما تغير المنهجية، فأنت ملزم بالإعلان عن ذلك. وعندما تقارن رقمًا جديدًا بأرقام تاريخية، يجب أن تكون جميعها محسوبة بالطريقة نفسها. أما أن تغير طريقة الحساب، ثم تقارن الناتج الجديد بالماضي وكأن شيئًا لم يتغير، فهذا لا ينتج معرفة، وإنما ينتج انطباعًا.

وأنا هنا لا أناقش إنجازًا. أنا أناقش قابلية الرقم للتحقق. وهذا هو الفارق بين دولة تحترم البيانات، ودولة تكتفي بالشعارات.

لقد قلت من قبل إن ما نراه أصبح أرقام بترول البروباجندا، لا أرقام بترول مصر.

ولم أقصد شخصًا، وإنما عقلية. عقلية تعتبر أن المهمة هي صناعة عنوان صحفي كبير، حتى لو أصبح الطريق إلى هذا العنوان غير قابل للمراجعة.

ومصر أكبر من ذلك. مصر التي أعرفها كانت تمتلك واحدة من أقوى المؤسسات البترولية في المنطقة. كانت تنشر البيانات لأنها واثقة منها. وكانت تسمح للعالم كله أن يراجعها.

أما اليوم، فنحن أمام رسم بلا مقياس، ومنهجية غير معلنة، وبيانات دولية توقفت، ثم يطلب منا أن نصدق أن لدينا أعلى إنتاج في عامين. إذا كان هذا الإنجاز حقيقيًا، فليس هناك ما يمنع نشر مكوناته كاملة.

قولوا لنا: كم خام؟

كم متكثفات زيت؟

وما الذي أُضيف إلى الرقم حتى أصبح 550 ألف برميل يوميًا؟

فإذا كانت الأرقام صحيحة، فإن نشرها سيزيدها قوة. ولأعتذر عن سوء فهمي فورا!

أما إذا كان المطلوب هو الاكتفاء بالعنوان، فهذه ليست إدارة لملف الطاقة، وإنما إدارة للمشهد.

ولهذا، وبصفتي نائبًا في مجلس النواب، سأطلب رسميًا من الحكومة إعلان المنهجية الكاملة لاحتساب هذا الرقم، وإعادة نشر البيانات التي تسمح لأي مصري بمراجعته والتحقق منه.

لأنني لا أدافع عن رقم. أنا أدافع عن حق المصريين في أن تكون أرقام مصر… أرقامًا يمكن الوثوق بها.