
أكد الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، أن الاقتصاد المصري تجاوز تمامًا السياسات النقدية السابقة القائمة على تثبيت العملة، قائلاً إن:” ظاهرة الدولار الخشبي (أبو تلات تمانيات)، وثبات السعر عند 16 جنيهًا أو 31 جنيهًا، هي ظاهرة اختفت تمامًا وعادت إلى الوراء، نحن الآن أمام مرونة حقيقية لسعر الصرف، وهو نظام يتأثر بشكل مباشر بالعديد من العوامل الاقتصادي المحيطة”.
وأضاف في مداخلة هاتفة ببرنامج الحكاية، مع الإعلامي عمرو أديب، أن:” سعر الصرف في النظام المرن الحالي ما هو إلا أداة انتقال فقط، ولا يقوم سوى بعكس التوترات التي تحدث، ولذلك فقد تحول سعر العملة إلى (ترمومتر) يقيس حالة السوق والتدفقات”.
آلية “الأموال الساخنة”
وشرح “فؤاد” آلية عمل التدفقات النقدية والأموال الساخنة، موضحًا أثرها المباشر على قيمة الجنيه، قائلاً إن:” الأموال الساخنة حاضرة معنا بقوة في المشهد الاقتصادي الحالي؛ ففي شهر مارس الماضي شهدنا خروجًا كبيرًا للتدفقات مع تصاعد التوترات، مما أدى إلى ارتفاع الدولار من 47 إلى 54 جنيهًا قبل أن تهدأ الدنيا نسبيًا”.
وأضاف:” منذ بداية الشهر الجاري خرج حوالي 1.8 مليار دولار، مما أحدث نوعًا من الضعف في العملة المحلية، وتفسير دخول وخروج هذه الأموال بسيط للغاية؛ فنحن لدينا حاليًا سعر فائدة جذاب للغاية يتجاوز الـ 20% على أذون الخزانة المحلية، بناءً على ذلك، تأتي المؤسسات الصناديق الدولية وتدخل دولاراتها إلى مصر، وتحول تلك الدولارات إلى جنيهات لشراء ديون محلية. وعندما تشعر بأي مخاطر ترجعها مجددًا إلى دولار وتخرج”.
وتابع:” بما أن الدولار في مصر يتحرك بنظرية العرض والطلب، فإن عمليات الخروج هذه تشكل ضغطًا مباشرًا على الجنيه، وخروج هذه الأموال يرتبط دائمًا بالمخاطرة فعندما تحدث مشاكل في منطقتنا، تقرر المؤسسات الدولية المستثمرة في أدوات الدين وقف عملياتها أو سحب جزء من فلوسها، وللأسف الشديد، يجد الاقتصاد المصري نفسه مكشوفًا بشكل كبير أمام هذه التوترات، لأنه ما زال اقتصادًا تمويليًا في جوهره ويتأثر كثيرًا بتلك العوامل”.
نظام سعر الصرف المرن
وحول تقييمه لظاهرة تذبذب العملة وتأثيرها العام، أوضح “فؤاد” أن:” المسألة تنطوي على شقين إيجابي وسلبي، الجانب الجيد يتمثل في أن البنك المركزي أو السياسة النقدية للدولة لم تعد تبذل أو تستنزف دولارات كثيرة من غير لازمة في معارك للدفاع عن سعر الصرف، وهذا هو الأمر الوحيد الجيد والمفيد على المدى الطويل لمنع نزيف العملة كإدارة للبنك المركزي”.
وأضاف أن:”الجانب السيئ والمقلق يتمثل في أن هذا النظام كاشف لنظام اقتصادي يعاني أساسًا من نقص واضح في النشاط الاقتصادي والإنتاجي، وأصبح يتأثر بشدة بالتدفقات، كما أن هذا التذبذب يؤثر سلبًا على مستوى النشاط التجاري؛ فالتقلبات تجعل التجار غير قادرين على التسعير بشكل صحيح. هذا الأمر يصيب المستهلك بالقلق ويمنعه من الاستفادة، وتحديدًا في أسواق السلع المعمرة مثل السيارات والأجهزة الكهربائية، حيث يفضل التاجر تثبيت الأسعار عند مستويات مرتفعة خشية الصعود أو الهبوط المفاجئ”.
أين تذهب الدولارات وحجم الفجوة الاستيرادية؟
وردًا على التساؤلات حول طبيعة الجهات والقطاعات التي تطلب الدولار في ظل حالة الهدوء النسبي للسوق وتراجع طلب المستهلكين على السلع المعمرة، كشف فؤاد عن الأرقام الرسمية الصادرة للنصف الأول من العام الحالي:
الواردات غير البترولية:” وفقًا للتقرير الصادر عن وزارة الاستثمار والتجارة، بلغت قيمة الواردات غير البترولية في أول 6 أشهر من السنة تقريبًا 48 مليار دولار، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 21% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي”.
الصادرات غير البترولية: “في المقابل، لم تسجل الصادرات غير البترولية في النصف الأول من العام سوى 25.5 مليار دولار، بنسبة ارتفاع ضئيلة بلغت 3% فقط، وهو ما يوضح حجم الفجوة الكبيرة”.
فاتورة قطاع الطاقة والبترول:” قطاع الطاقة هو أحد أكبر القطاعات المستهلكة للدولار، الدولة اتخذت قرارًا سياديًا واضحًا بتوفير الوقود لمنع انقطاع التيار الكهربائي أو تقليص الانقطاعات الناتجة عن إشكاليات شبكات الكهرباء، وهذا قرار ممتاز ولكن له تكلفة مالية باهظة، نحن نتحدث عن استيراد غاز مسال فقط بقيمة مليار ونصف المليار دولار، وقد تصل الفاتورة الإجمالية للطاقة من بنزين ومنتجات أخرى إلى نحو 3 مليارات دولار شهريًا، هذه أرقام ضخمة للغاية وهي الإجابة الفعلية عن سؤال: (من الذي يحتاج الدولار في مصر؟)”.
السياحة وتحويلات المصريين:”هذه القطاعات هي التي تسند الاقتصاد حاليًا وتمنع حدوث انهيارات كبيرة، وتمنحنا القدرة على التماسك، لكن الأزمة تكمن في أننا لا نملك غطاءً نقديًا كافيًا يحمينا ويمنحنا مساحة مريحة للحركة، ولذلك نتحرك في نفس القناة السعرية التي تتراوح بين 47 و51 جنيهًا، وعند حدوث أي خروج لأموال المستثمرين في أدوات الدين بسبب قراراتهم بإغلاق الاستثمار في بلاد المنطقة نتيجة الحروب والاضطرابات، يتحرك سعر الصرف فورًا لعدم وجود غطاء نقدي يستوعب الصدمة”.
انتقاد أداء وزارة البترول
ووجه الدكتور محمد فؤاد، انتقادًا موضوعيًا لسياسات وزارة البترول، موضحًا موقفه الاقتصادي بعيدًا عن الأشخاص، قائلاً:” ليس لدي أي مشكلة شخصية مع أحد، نعم، لم تحدث أزمات طاقة في الفترة الماضية ولم يقف المواطن أو المصانع في طوابير للحصول على البنزين أو الغاز؛ ولكن توفير السلع عبر الشراء بالغالي هو وظيفة (مدير مشتريات) وليس وزارة بترول، أي شخص يمتلك المال يمكنه النزول والشراء من السوق العالمي، والوزارة لا تنتج الأموال من تلقاء نفسها بل تأخذها من الدولة”.
وأضاف: “الدور الأساسي لوزارة البترول هو الإنتاج والاستكشاف وليس المشتريات، الفارق الاقتصادي ضخم جدًا بين أن تنتج مليون وحدة حرارية من الغاز محليًا بتكلفة 5 دولارات، وبين أن تستوردها من الخارج بالأسعار العالمية التي تصل إلى 18 دولارًا”.
وتابع:” مع كامل الإحقاق للحق، الوزارة لم تسدد ديون الشريك الأجنبي من مصروفها الخاص أو إنتاجها، بل سددتها من ديون أخرى. نحن نسمع يوميًا وتضخ لنا تصريحات كثيرة جدًا عن اكتشافات جديدة والوصول بالإنتاج إلى 5 أو 6 مليارات قدم مكعب من الغاز، ولكنها تصريحات لا تتحقق على أرض الواقع، وعندما نرى تراجعًا مستمرًا في أداء إنتاج الغاز الطبيعي والبترول دون أي مؤشر حقيقي للتحسن، يصبح من الواجب والضروري أن نسأل ونحاسب، إنفاق مبالغ طائلة للاستيراد يشكل عائقًا كبيرًا جدًا أمام الاقتصاد ويعود بنا مجددًا إلى مربع الضغط على الدولار”.
الاستثمار الأجنبي المباشر
وفي ختام تصريحاته، علق “فؤاد” على الجدل المثار حول قدوم مستثمرين أجانب أو عرب لشراء أراضٍ وإقامة مشروعات في المناطق الساحلية المصرية، قائلاً:” يا مرحب بأي مستثمر يأتي إلى مصر، ولا توجد أي مشكلة اقتصادية على الإطلاق من أي استثمار تشغيلي حقيقي، نحن في أشد الحاجة لأي نشاط اقتصادي مستدام يغنينا عن دوامة الأموال الساخنة التي تدخل وتخرج على كف عفريت، ويا حبذا لو كانت هذه الاستثمارات موجهة للقطاع الصناعي لأنه القاطرة الحقيقية للاقتصاد”.
وأضاف أن:” مفهوم السيادة مفهوم كبير جدًا، والحديث عن التفريط في السيادة عند بيع أرض لمستثمر هو أمر غير دقيق ولا يجوز الحديث عنه بهذا الشكل، ما يحدث في هذه الصفقات لا يتعدى كونه مجرد انتقال للملكية لغرض الاستثمار والتطوير، وتملك الأجانب أو إقامتهم لمشروعات وتطوير عقاري في مناطق ساحلية أو مناطق حرة هو أمر طبيعي ومعمول به في كل العالم، لدينا بالفعل مناطق اقتصادية حرة كثيرة تعمل بها مصانع أجنبية بنجاح، إذا كنا نطالب بجذب استثمار أجنبي مباشر وإدخال عملة صعبة في أنشطة تشغيلية، فكيف سيأتي هذا الاستثمار إذن؟ هل نتوقع أن يترك لنا أحد أموالًا على الباب ويمشي؟”.
وتابع أن:” الإفراط في الحساسية تجاه المستثمرين في غير محله، طالما أن هناك قواعد وقوانين صارمة تحترمها البلاد، وطالما أن هناك تشغيلا حقيقيًا للعمالة، وتدفقات أجنبية تدخل السوق، وضرائب ورسوم تُدفع للدولة، فهذا هو المسار الصحيح والمستدام، والاستثمار التشغيلي والعقاري والتطويري أفضل بمليون مرة من 10 مليارات دولار تأتي كأموال ساخنة، ويجب على صانعي السياسات والقائمين عليها التركيز على تنويع النشاط الاقتصادي وخلق قاعدة صلبة من التدفقات النقدية المستدامة، بدلاً من إبقاء الاقتصاد أسيرًا لتدفقات مؤقتة بنصرفها وما بتدخلناش دولارات مكانها”.







