
تُعد الدساتير الإطار القانوني الأعلى في الدولة، إلا أن درجة استقرارها تختلف من دولة إلى أخرى، فهناك دول حافظت على دستورها لعقود طويلة مع إدخال تعديلات متكررة عليه، بينما لجأت دول أخرى إلى إلغاء دساتيرها واستبدالها بدساتير جديدة نتيجة التحولات السياسية.
ويُميز فقهاء القانون الدستوري بين تعديل الدستور واستبدال الدستور، فالتعديل يعني الإبقاء على الدستور القائم مع تغيير بعض نصوصه، أما الاستبدال فيعني إلغاء الدستور القائم وإصدار دستور جديد بالكامل.
أكثر الدساتير تعديلًا في العالم
دستور المكسيك الصادر عام 1917 أكثر الدساتير الوطنية السارية تعديلًا في العالم، إذ خضع منذ صدوره إلى أكثر من 800 مرسوم إصلاح دستوري، طالت غالبية مواده الأصلية ويرجع ذلك إلى اعتماد الحكومات المكسيكية المتعاقبة على تعديل الدستور لمعالجة قضايا سياسية واقتصادية وإدارية كان يمكن في دول أخرى تنظيمها بقوانين عادية، وهو ما جعل الدستور يتطور باستمرار مع الحفاظ على هويته الدستورية الأصلية.
ويأتي بعده دستور الهند الصادر عام 1950، وهو أطول دستور مكتوب في العالم، وقد أُدخل عليه 106 تعديلات دستورية حتى عام 2026. ويعكس هذا العدد الكبير من التعديلات الطبيعة الاتحادية للهند واتساعها الجغرافي والتنوع الديموغرافي والسياسي، الأمر الذي استدعى تحديث النصوص الدستورية بصورة متكررة.
كما يُعد دستور البرازيل لعام 1988 من أكثر الدساتير تعديلًا، إذ خضع إلى أكثر من 130 تعديلًا دستوريًا منذ اعتماده، نتيجة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها البلاد عقب انتهاء الحكم العسكري.
أما القانون الأساسي الألماني الصادر عام 1949 فقد عُدِّل أكثر من 60 مرة، مع احتفاظه بدرجة عالية من الاستقرار، إذ ينص على عدم جواز تعديل بعض المبادئ الجوهرية، مثل النظام الديمقراطي الاتحادي وكرامة الإنسان، فيما يُعرف بـ”بند الأبدية”، وفي فرنسا، خضع دستور الجمهورية الخامسة الصادر عام 1958 إلى نحو 25 تعديلًا دستوريًا، كان أبرزها تعديل عام 2008 الذي أعاد تنظيم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعزّز دور البرلمان.
وعلى النقيض من ذلك، يُعد دستور الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدساتير استقرارًا في العالم فمنذ دخوله حيز التنفيذ عام 1789 لم يُعدَّل سوى 27 مرة، ويرجع ذلك إلى صعوبة إجراءات تعديله التي تتطلب موافقات واسعة من الكونجرس والولايات.
أكثر الدول تغييرًا لدساتيرها
يختلف مفهوم تغيير الدستور عن تعديله، إذ يقصد به إلغاء الدستور القائم وإصدار دستور جديد بالكامل، وهو ما يحدث غالبًا عقب التحولات السياسية الكبرى.
أما جمهورية الدومينيكان فتعد من أكثر دول العالم تغييرًا لدساتيرها، إذ اعتمدت نحو 39 دستورًا منذ استقلالها عام 1844، نتيجة فترات متعاقبة من عدم الاستقرار السياسي والصراعات الداخلية، كما تُعد فنزويلا من أكثر الدول إصدارًا لدساتير جديدة، إذ شهدت 26 دستورًا منذ القرن التاسع عشر، وكان آخرها دستور عام 1999.
وشهدت هايتي اعتماد أكثر من 20 دستورًا، نتيجة التغيرات والأزمات السياسية المتكررة، بينما اعتمدت الإكوادور نحو 20 دستورًا منذ استقلالها، أما بوليفيا فقد أصدرت 17 دستورًا خلال تاريخها السياسي، في ظل تغيرات متكررة في أنظمة الحكم.
وفي أوروبا، تعاقبت على فرنسا نحو 15 وثيقة دستورية رئيسية منذ الثورة الفرنسية عام 1789، نتيجة انتقالها بين الملكية والجمهورية والإمبراطورية أكثر من مرة.
أما تايلاند فهي حالة فريدة فمنذ عام 1932 اعتمدت أكثر من 20 دستورًا وميثاقًا دستوريًا، ويرجع ذلك إلى التوترات السياسية المتكررة التي شهدتها البلاد.
كما تختلف الدساتير في حجمها ودرجة تفصيلها، ويعتمد هذا التقرير في المقارنة على عدد المواد الدستورية باعتباره معيارًا موضوعيًا للمقارنة، وليس على عدد الكلمات الذي قد يختلف باختلاف اللغة أو الترجمة الرسمية.
أطول الدساتير في العالم (وفق عدد المواد)
ويُعد دستور الهند أطول دستور مكتوب في العالم، كما يُعد أيضًا الأكثر من حيث عدد المواد، إذ يضم حاليًا 470 مادة، إلى جانب 25 جزءًا و12 جدولًا، ويتميز بدرجة عالية من التفصيل في تنظيم سلطات الدولة والحقوق والحريات والعلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات.
ويليه دستور الإكوادور بـ444 مادة، يليه دستور زيمبابوي بـ328 مادة، ثم دستور نيجيريا بـ320 مادة، ودستور بابوا غينيا الجديدة بـ299 مادة، ثم دستور باكستان بـ280 مادة، يليه دستور البرازيل بـ250 مادة، ثم دستور مصر بـ247 مادة، ودستور الجزائر بـ240 مادة، ثم دستور ماليزيا بـ183 مادة، ودستور المغرب بـ 180 مادة، وأخيرًا دستور المكسيك الذي يضم 136 مادة، وتعكس هذه الدساتير اتجاهًا نحو إدراج أكبر قدر ممكن من الأحكام التفصيلية داخل النص الدستوري نفسه، بدلًا من تركها للتشريعات العادية.
أقصر الدساتير في العالم (وفق عدد المواد)
وعلى الجانب الآخر، تتجه بعض الدول إلى تبني دساتير موجزة تقتصر على المبادئ العامة، مع ترك التفاصيل للقوانين العادية، وهو ما ينعكس في انخفاض عدد موادها. ويُعد دستور البوسنة والهرسك الأقصر بين هذه الدساتير، إذ يتكون من 12 مادة فقط، يليه دستور ولايات ميكرونيزيا الموحدة بـ16 مادة، ثم دستور إندونيسيا بـ37 مادة، ودستور آيسلندا بـ80 مادة، ودستور الدنمارك بـ89 مادة، ثم دستور موناكو بـ97 مادة، يليه دستور اليابان بـ103 مواد، ثم دستورا لاتفيا وجزر القمر اللذان يضمان 116 مادة لكل منهما، بينما يأتي دستور لوكسمبورغ في نهاية هذه القائمة بـ121 مادة، وتتميز هذه الدساتير بالتركيز على المبادئ الأساسية للدولة، مع تجنب الإفراط في التفاصيل التشريعية.
أين تقع الدساتير العربية؟
لا توجد أي دولة عربية ضمن الدول صاحبة أكثر الدساتير اختصارًا أو الأكثر إيجازًا عالميًا، كما لا تتصدر الدول العربية قائمة الدساتير الأكثر تفصيلًا على مستوى العالم، وإن كانت بعض الدساتير العربية تُعد طويلة نسبيًا من حيث عدد المواد.
ويُعد دستور مصر (2014) المُعدل عام 2019 من أكثر الدساتير العربية تفصيلًا، إذ يتكون من 247 مادة، كما يتكون دستور الجزائر (2020) من 240 مادة، وهو من أطول الدساتير العربية، أما دستور المغرب (2011) فيضم 180 مادة، مع تركيز واضح على الحقوق والحريات وتطوير البناء المؤسسي، ويتكون دستور العراق (2005) من 144 مادة، وينظم النظام الاتحادي والعلاقة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، في حين يتكون الدستور التونسي (2022) من 142 مادة.
أما النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية الصادر عام 1992، فيتكون من 83 مادة، ويختلف عن الدساتير التقليدية، إذ يمثل الوثيقة الدستورية المنظمة للحكم في المملكة، دون أن يحمل رسميًا مسمى “الدستور”.
تؤكد التجارب الدستورية المقارنة أن طول الدستور أو قصره، وكثرة تعديلاته أو قلتها، لا تمثل في حد ذاتها معيارًا للحكم على جودة النظام الدستوري أو استقراره، إذ يعتمد ذلك في المقام الأول على الثقافة الدستورية، واستقرار المؤسسات، وآليات تطبيق النصوص الدستورية، فبعض الدول تعتمد دساتير مطولة شديدة التفصيل، بينما تفضل دول أخرى نصوصًا موجزة تترك مساحة أوسع للتشريع العادي، كما أن التجارب المقارنة تُظهر أن الدساتير المستقرة ليست بالضرورة الأقل تعديلًا، وإنما الأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات مع الحفاظ على المبادئ الدستورية الأساسية.







