كشفت دراسة جديدة بعنوان “الإجهاد الحراري وحماية العمال في مصر”، أعدتها دار الخدمات النقابية والعمالية، أن تصاعد موجات الحر المرتبطة بالتغيرات المناخية أصبح يمثل خطرا مهنيا متزايدا على العمال في مصر، بما يفرض تحديات جديدة أمام معايير الصحة والسلامة المهنية والعمل اللائق، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمل في المواقع المكشوفة أو تتطلب مجهودا بدنيا مرتفعا.
وأشارت إلى أن مخاطر التعرض للحرارة تتزايد بصورة خاصة لدى العاملين في المواقع المكشوفة، والأعمال التي تتطلب مجهودا بدنيا مرتفعا، وبيئات العمل التي تفتقر إلى التهوية أو وسائل التبريد والحماية المناسبة، موضحة أن الإجهاد الحراري ينشأ نتيجة تعرض العامل لدرجات حرارة مرتفعة، خاصة عندما يقترن ذلك بالمجهود البدني وارتفاع الرطوبة وضعف التهوية أو عدم كفاية المياه وفترات الراحة.
من ظاهرة مناخية إلى خطر مهني
وأوضحت الدراسة أن مصر تكتسب أهمية خاصة في هذا الملف، في ضوء طبيعة المناخ واتساع نطاق الأعمال التي تنفذ في المواقع المفتوحة، واعتماد قطاعات واسعة على العمالة التي تتطلب مجهودا بدنيا مباشرا، فضلا عن تنامي أنشطة التشييد والبنية التحتية والطاقة والزراعة والخدمات.
وتزداد مخاطر التعرض للحرارة، وفقا للدراسة، بالنسبة للعمال الذين لا تتوافر لهم بصورة منتظمة المياه الكافية، أو فترات الراحة المناسبة، أو التهوية ووسائل الحماية، وكذلك الذين يعملون لساعات طويلة خلال ذروة ارتفاع درجات الحرارة.
ورغم أن الإطار التشريعي والتنظيمي المصري يتضمن قواعد عامة لحماية العمال من مخاطر بيئة العمل، إلى جانب بعض الأحكام المنظمة للتعرض للحرارة، ومن بينها القرار رقم 211 لسنة 2003 بشأن حدود الأمان والاشتراطات اللازمة لتأمين بيئة العمل، فإن التطورات المناخية المتسارعة تثير تساؤلات حول مدى كفاية الإطار القائم وقدرته على الاستجابة لمخاطر الإجهاد الحراري بصورتها الحالية.
موجات الحر في مصر وتدابير محلية
وقالت الدراسة إن موجات الحر في مصر تتحول من ظاهرة مناخية إلى خطر مهني مباشر، خصوصا في الأعمال المكشوفة، مشيرة إلى أن بعض المحافظات بدأت اتخاذ إجراءات محلية، بينما لا تزال الحاجة قائمة إلى إطار وطني يربط تنظيم العمل بمستويات الخطر الحراري والإنذار المبكر.
وأشارت إلى أن تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تؤكد أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر المناطق تعرضا لمخاطر الحرارة الشديدة والتصحر والإجهاد المائي.

وفي مصر، تجلت أزمة ارتفاع درجات الحرارة، وفقا للدراسة في تسجيل درجات حرارة قياسية خلال أشهر الصيف، لا سيما في محافظات جنوب مصر، وهو ما انعكس على بعض القرارات المحلية إدراكا متزايدا لمخاطر الإجهاد الحراري.
وذكرت الدراسة أن محافظة الأقصر قررت وقف تشغيل عمال النظافة الميدانيين خلال ساعات الذروة الحرارية، من الساعة 11 صباحا إلى 5 مساء حتى منتصف سبتمبر 2026، حفاظا على سلامتهم في ظل موجات الحر المتصاعدة، معتبرة القرار نموذجا لإجراءات التكيف التي لا تزال بحاجة إلى تعميم وطني يشمل جميع القطاعات المعرضة للحرارة المرتفعة.
كما أشارت إلى أن موجات الحر أصبحت أطول وأكثر تكرارا مقارنة بالمعدلات المعتادة، في ظل تنامي ظاهرة الجزر الحرارية داخل المدن الكبرى، وخاصة القاهرة، نتيجة التوسع العمراني الكثيف وتراجع المساحات الخضراء.
ولفتت الدراسة إلى أن آثار الحرارة المرتفعة لا تقتصر على الإصابة بالإجهاد الحراري أو ضربة الشمس، وإنما تمتد إلى زيادة مخاطر الحوادث والإصابات المهنية بشكل عام، مشيرة إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي أظهرت زيادة نسبة الإصابات نتيجة التعرض أو ملامسة حرارة غير مناسبة بنسبة 2.7% في عام 2023 عن السابق.
فجوة في الإحصاءات الرسمية
وأوضحت الدراسة أن الإحصاءات الرسمية في مصر لا تتضمن تصنيفا مستقلا للإجهاد الحراري أو الإنهاك الحراري أو ضربات الشمس المرتبطة بالعمل، رغم تزايد الاهتمام الدولي بهذه المخاطر في ظل التغيرات المناخية.
كما أن نسبة كبيرة من العمال الأكثر تعرضا للحرارة تنتمي إلى العمالة غير المنتظمة وغير الرسمية، التي بلغت، وفقا لبحث القوى العاملة السنوي للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، 28.5% من إجمالي المشتغلين لعام 2024، وهي فئات لا تظهر إصاباتها ووفياتها دائما في قواعد البيانات الرسمية، ما يرجح وجود فجوة بين الأرقام المعلنة والحجم الفعلي للإصابات المرتبطة بالإجهاد الحراري في سوق العمل المصري.
خسائر اقتصادية واجتماعية
وأكدت الدراسة أن العامل لا يتحمل وحده تكلفة الإجهاد الحراري، إذ يتحول فقد ساعات العمل والإنتاجية إلى خسارة في الدخل، وتتضاعف آثاره على العمالة اليومية وغير المنتظمة، بما يجعل الحرارة الشديدة عاملا جديدا في تعميق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

وتؤكد الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة يقلل القدرة على أداء العمل، خاصة خلال ساعات الذروة الحرارية، ويؤدي إلى تباطؤ وتيرة الإنتاج وزيادة فترات الراحة والتوقف عن العمل، لا سيما في القطاعات المعتمدة على العمل اليدوي والمواقع المكشوفة.
كما يرفع الإجهاد الحراري احتمالات وقوع إصابات العمل والحوادث المهنية نتيجة الإرهاق والجفاف وضعف التركيز، بما يترتب عليه زيادة تكاليف العلاج والرعاية الصحية والتعويضات.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن الإجهاد الحراري سيؤدي في مصر إلى فقدان نحو 0.24% من إجمالي ساعات العمل بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 134 ألف وظيفة بدوام كامل، مع تركز التأثير الأكبر في قطاعات الزراعة والصناعة والتشييد والخدمات.
وتؤكد الدراسة أن الإطار المصري يمتلك قواعد عامة وبعض الاشتراطات الخاصة بالتعرض للحرارة، إلا أن عمر المعايير وضعف الرصد والتفتيش وغياب بروتوكولات متكاملة لموجات الحر يخلق فجوة بين وجود القاعدة القانونية وقدرتها على توفير حماية فعلية.
تجارب دولية لإدارة مخاطر الحرارة
وتستعرض الدراسة التي أعدتها دار الخدمات النقابية والعمالية عددا من التجارب الدولية كالهند والإمارات وفرنسا وجنوب افريقيا، والتي انتقلت من انتظار وقوع الإصابة إلى إدارة خطر الحرارة قبل وقوعه، من خلال الإنذار المبكر وتقييم العبء الحراري وتنظيم ساعات العمل والراحة وتوفير المياه والتظليل والتهوية، إلى جانب تحديد مسؤوليات واضحة لأصحاب الأعمال والجهات الرقابية وممثلي العمال.
وأكدت الدراسة أن خطر الحرارة لا يتوزع بالتساوي بين العمال، إذ يكون الأكثر تعرضا لها في كثير من الأحيان العمال الذين يؤدون أعمالهم في الهواء الطلق أو في بيئات مرتفعة الحرارة، وتقل قدرتهم على التحكم في ظروف العمل أو الحصول على فترات راحة كافية، فضلا عن عمل بعضهم في إطار علاقات عمل غير مستقرة أو اعتمادهم على الأجر اليومي.
وأوضحت أن التعرض للحرارة لا يرتبط بالظروف المناخية وحدها، وإنما يتأثر أيضا بموقع العامل داخل سوق العمل ومدى تمتعه بالحماية الاجتماعية والقانونية.

توصيات لتطوير منظومة حماية العمال
واقترحت الدراسة مجموعة من الإجراءات منها الإجراءات قصيرة الأجل، خلال عام، تحديث الإطار التنظيمي الخاص بالحماية من الإجهاد الحراري وتعزيز آليات تنفيذه، ومراجعة وتحديث القواعد والاشتراطات المنظمة للتعرض الحراري بما يتلاءم مع التغيرات المناخية وتصاعد موجات الحر.
كما تتضمن إصدار دليل إجرائي مبسط لأصحاب الأعمال والعمال يوضح إجراءات الوقاية من الإجهاد الحراري والتعامل مع أعراضه، وتوحيد الرسائل التوعوية الرسمية المتعلقة بمخاطر الحرارة وإجراءات الوقاية خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، وتكثيف حملات التفتيش على القطاعات ومواقع العمل الأكثر تعرضا لمخاطر الحرارة، وإدراج الالتزام بإجراءات الوقاية من الإجهاد الحراري ضمن أولويات التفتيش خلال موسم ارتفاع درجات الحرارة.
وتقترح الدراسة كذلك إنشاء آلية للإنذار المبكر بمخاطر الحرارة في أماكن العمل، وتطوير آلية تنسيق بين هيئة الأرصاد الجوية ووزارة العمل والجهات المحلية والجهات المعنية بالسلامة والصحة المهنية.






