مقالات

نريد مدارسنا تُدار بنظام اللامركزية

نعم، يجب أن تعمل منظومتنا التعليمية تحت مظلة الاستراتيجية العامة للدولة، وأن تلتزم جميع المدارس بالسياسات التعليمية والقوانين واللوائح المنظمة للعمل، لكن هذا لا يعني أن تُدار جميع المدارس بتفاصيلها اليومية بعقلية واحدة أو بأسلوب إداري جامد.

فالمدارس ليست نسخًا متطابقة، والمناطق تختلف، والبيئات الاجتماعية تختلف، وطبيعة الطلاب وأولياء الأمور تختلف، كما تختلف الإمكانات والتحديات من مدرسة إلى أخرى. ولذلك فإن ما يصلح لمدرسة في منطقة معينة قد لا يكون مناسبًا لمدرسة أخرى.

ومن هنا تأتي أهمية اللامركزية في إدارة مدارسنا.

مدير المدرسة يجب ألا يكون مجرد منفذ لتعليمات تأتيه من مستويات إدارية أعلى، ثم تتم محاسبته على نتائج لا يملك الأدوات الكافية لتحقيقها.

مدير المدرسة هو قائد المؤسسة التعليمية، والمسؤول عن مدخلاتها ومخرجاتها، وبالتالي يجب أن تُمنح له صلاحيات حقيقية تتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، مع الالتزام الكامل بالقوانين واللوائح ومبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب.

ومن أهم هذه الصلاحيات أن يكون للمدير دور حقيقي في اختيار وتوزيع وتقييم المعلمين والعاملين وفقًا لاحتياجات مدرسته، وفي إطار قواعد موضوعية ومعايير معلنة، لأنه الأقدر على معرفة طبيعة مدرسته واحتياجاتها الفعلية.

فكيف نطالب مدير المدرسة بالنتائج، ثم نحاسبه على نقص المعلمين أو العمال أو الأخصائيين أو أفراد الأمن، بينما لا نمنحه الأدوات اللازمة لعلاج هذه المشكلات؟

أعطوا مدير المدرسة الصلاحية… ثم حاسبوه على النتيجة.

ومن الأفكار التي يمكن أن تحقق نقلة حقيقية أن تتحول المدرسة، في حدود القانون، إلى مؤسسة تعليمية منتجة تستثمر إمكاناتها ومبانيها بصورة رشيدة، بما يحقق موارد إضافية تُعاد بالكامل إلى تطوير العملية التعليمية وخدمة الطلاب.

فيمكن، على سبيل المثال، توسيع الاستفادة من المبنى المدرسي بعد انتهاء اليوم الدراسي من خلال مجموعات التقوية والأنشطة التعليمية والرياضية والثقافية، واستغلال المساحات المتاحة في مشروعات خدمية وإنتاجية مناسبة لطبيعة المدرسة، وفق ضوابط واضحة وشفافة.

والهدف ليس تحقيق الربح لمجرد الربح، وإنما توفير موارد تساعد المدرسة على سد احتياجاتها الفعلية، ومنها دعم العمالة اللازمة، والاستعانة بالكوادر التعليمية المطلوبة وفق القواعد القانونية، وتوفير أفراد أمن مدربين وكاميرات مراقبة، وتوفير أخصائيين اجتماعيين ونفسيين على مستوى عالٍ من الكفاءة.

لماذا ننتظر دائمًا أن تأتي هذه الاحتياجات من الإدارة التعليمية، ثم تمر الشهور دون أن تصل!.

الأصل أن تكون المدرسة قادرة على التعامل السريع مع احتياجاتها، ما دامت تعمل داخل إطار قانوني ومالي ورقابي واضح.

كذلك يجب إعادة النظر في مفهوم استخدام المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي.

فبدلا من أن نترك المدرسة مغلقة لساعات طويلة، بينما يذهب الطلاب إلى مراكز تعليمية خاصة للحصول على ما يحتاجونه، يمكن أن تصبح المدرسة نفسها بيئة تعليمية جاذبة تقدم مجموعات تقوية حقيقية، وأنشطة متنوعة، ودعمًا أكاديميًا ونفسيًا واجتماعيًا، بما يقلل تدريجيًا من اعتماد الطالب على السناتر التعليمية.

وهنا لا بد أن يكون هناك رقابة لا مركزية منضبطة.

فالإدارة التعليمية، وأقسام المتابعة، يجب ألا تتحول إلى جهة تتدخل في كل تفصيلة صغيرة داخل المدرسة، وإنما يكون دورها الأساسي هو المتابعة والتقييم والرقابة والتأكد من الالتزام بالقانون وجودة الأداء.

أي أن العلاقة يجب أن تنتقل من “أوامر وتعليمات” إلى “صلاحيات ومسؤوليات ومحاسبة”.

نريد أن نرى مدير المدرسة قائدًا حقيقيًا، لديه مساحة للحركة والابتكار واتخاذ القرار، لكنه في الوقت نفسه يعلم أن كل صلاحية مُنحت له يقابلها التزام، وكل قرار له معايير، وكل نتيجة لها حساب.

وهنا يأتي المبدأ الأهم:

لا مركزية بلا محاسبة، ولا محاسبة حقيقية بلا صلاحيات.

فإذا منحنا مدير المدرسة صلاحيات أوسع، فيجب أن نضع أمامه مؤشرات واضحة لقياس الأداء، مثل مستوى التحصيل الدراسي، ونسب الحضور، والانضباط، وجودة الخدمات، ورضا الطلاب وأولياء الأمور، وكفاءة المعلمين، وحسن استغلال موارد المدرسة، ومدى توفير بيئة آمنة وجاذبة للتعلم.

ومن ينجح يستمر ويُكافأ، ومن يقصر يُحاسب، ومن يثبت عدم قدرته على إدارة المؤسسة يجب أن يُستبدل بآخر أكثر كفاءة.

هذه هي الإدارة الحديثة.

نحن لا نطالب بإلغاء دور الوزارة أو الإدارات التعليمية، ولا بالفوضى الإدارية، وإنما نطالب بتوزيع أفضل للصلاحيات.

وزارة التعليم تضع الاستراتيجية العامة والمعايير الوطنية.

الإدارة التعليمية تتابع وتراقب وتقيم.

ومدير المدرسة يدير وينفذ ويبتكر ويتحمل المسؤولية.

أما المدرسة نفسها، فيجب أن تصبح وحدة تعليمية لها شخصيتها واحتياجاتها وخطتها التطويرية، لا مجرد رقم داخل منظومة مركزية ضخمة.

إن إصلاح التعليم لن يتحقق فقط بتغيير المناهج أو إضافة المنصات الإلكترونية أو إصدار القرارات.

إصلاح التعليم يبدأ أيضًا من إصلاح طريقة إدارة المدرسة.

فلنمنح مدارسنا قدرًا أكبر من الثقة، ولنمنح مديريها قدرًا أكبر من الصلاحيات، ولنضع في المقابل نظامًا قويًا للرقابة والمحاسبة.

نريد مدرسة تُدار بعقل قائد، لا بعقل موظف ينتظر التعليمات.

ونريد مديرًا يملك الأدوات التي تمكنه من النجاح، ثم نسأله بعد ذلك بكل وضوح:

ماذا فعلت؟ وماذا حققت؟ ولماذا؟

عندها فقط يمكن أن نبدأ في بناء مدرسة مصرية أكثر كفاءة، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر ارتباطًا باحتياجات طلابها ومجتمعها.

فاللامركزية ليست ترفًا إداريًا.. إنها أداة من أدوات إصلاح التعليم.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى