اقتصادالرئيسيةملفات

من عجز البترول إلى التضخم.. كيف تحولت الطاقة إلى أخطر ثغرات الاقتصاد المصري؟

محمد عطية: نجاح خطة الطاقة يقاس بانخفاض الاستيراد لا بعدد الاتفاقيات

لم تعد أزمة الطاقة في مصر مجرد ملف يتعلق بتأمين احتياجات الكهرباء والصناعة، أو ضمان توافر شحنات الغاز خلال فترات ذروة الاستهلاك، بل تحولت تدريجيًا إلى واحدة من أبرز نقاط الضغط على الاقتصاد الكلي، مع تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع فاتورة الاستيراد وتأثير ذلك على الدولار والتضخم والموازنة العامة.

وأجمعت تقارير مؤسسات اقتصادية دولية على تراجع الإنتاج المحلي  من إنتاج الطاقة، مما يشكل ضغطا كبيرا على الاقتصاد المصري  بسبب فاتورة استيراد المنتجات البترولية والغاز. ونجد أن التقارير الصادرة عن  صندوق النقد إلى  ومورجان ستانلي ووكالات التصنيف الائتماني وصولا للبنك المركزي المصري، تتقاطع اجميعها عند استنتاج واحد:، وهو تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع فاتورة الاستيراد حوّلا الطاقة من قطاع اقتصادي إلى مصدر ضغط مباشر على العملة والتضخم والموازنة العامة.

 تراجع الإنتاج.. وارتفاع فاتورة الاستيراد

ووفق تقرير السياسة النقدية للبنك المركزي المصري للربع الثاني من عام 2026، ارتفع عجز الميزان التجاري البترولي بنحو 13% على أساس سنوي خلال الربع الأول ليصل إلى 4.1 مليار دولار، مدفوعًا بارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، خاصة النفط الخام والغاز الطبيعي، لتلبية الطلب المحلي في ظل استمرار تراجع إنتاج الغاز المحلي وارتفاع الأسعار العالمية.

ويرى المهندس محمد عطية، خبير الطاقة، أن المشكلة لا تكمن في ارتفاع الواردات وحده، وإنما في تعرض الاقتصاد لما وصفه بـ”الثمن المضاعف”، نتيجة انخفاض الإنتاج المحلي من جهة وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا من جهة أخرى.

وقال عطية في تصريحات لـ”ليبرالي” إن انتظار عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة قبل اتخاذ إجراءات موازية لم يعد خيارًا واقعيًا، مطالبًا بالتعامل مع السنوات المقبلة باعتبارها مرحلة انتقالية، يتم خلالها وضع سقف واضح للفاتورة الدولارية للطاقة وتوزيع الاحتياجات بين زيادة الإنتاج المحلي والاستيراد الضروري وخفض الطلب عبر رفع كفاءة الطاقة والتوسع في المصادر المتجددة.

 أزمة تتجاوز وزارة البترول

ولا تتوقف تداعيات تراجع الإنتاج عند حدود قطاع البترول، إذ ينعكس العجز مباشرة على الميزان التجاري والحساب الجاري والطلب على الدولار، ثم ينتقل تدريجيًا إلى التضخم والسياسة النقدية.

البنك المركزي المصري

فالبنك المركزي أشار إلى أن عجز الحساب الجاري تضاعف تقريبًا خلال الربع الأول من 2026 ليصل إلى 5.1 مليار دولار، مقابل 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة المقابلة من العام السابق، مع مساهمة العجزين البترولي وغير البترولي في هذا التوسع. كما ارتفع متوسط سعر خام برنت إلى 96.7 دولارًا للبرميل خلال الربع الثاني من العام، بينما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية، ما وضع مصر أمام معادلة أكثر صعوبة تجمع بين انخفاض الكميات المنتجة محليًا وارتفاع تكلفة الكميات المستوردة.

ويؤكد عطية أن ارتفاع العجز البترولي يعني أن الأزمة تجاوزت قدرة قطاع البترول وحده على التعامل معها، مشيرًا إلى أن زيادة إنتاج الغاز، رغم أهميتها، لن تكون كافية إذا استمر نمو الطلب على الطاقة بالمعدلات نفسها.

ويضيف أن الأولوية يجب أن تتجه إلى القطاعات الأكثر استهلاكًا للغاز، وعلى رأسها الكهرباء والصناعة، من خلال رفع كفاءة محطات الكهرباء والتوسع في الطاقة المتجددة، بما يسمح بخفض الاستيراد حتى قبل تحقيق زيادة كبيرة في الإنتاج المحلي.

 صندوق النقد: الطاقة خطر على الاقتصاد الكلي

ويذهب صندوق النقد الدولي إلى أبعد من ذلك، إذ تشير تقديراته إلى أن ارتفاع فاتورة الواردات خلال فترة قصيرة ارتبط بدرجة كبيرة بالغاز الطبيعي، كما يقدر أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط يمكن أن توسع عجز الحساب الجاري بنحو 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا.

وفي أحد السيناريوهات السلبية، حذر الصندوق من أن ارتفاع أسعار النفط بالتزامن مع صدمات إقليمية أخرى قد يؤدي إلى تباطؤ النمو واتساع عجز الحساب الجاري وارتفاع التضخم والضغوط على المالية العامة.

ويرى خبير الطاقة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في القدرة على التنبؤ بأسعار النفط والغاز العالمية، لأن مصر لا تملك السيطرة على هذه الأسواق، وإنما في تقليل حساسية الاقتصاد لتقلباتها.

ويقول عطية إن ذلك يتطلب زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتنويع عقود الاستيراد، وعدم الاعتماد بصورة مفرطة على السوق الفورية، معتبرًا أن الاقتصاد الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة يكون أقل تعرضًا للصدمات الخارجية.

محمد عطية e1787136874842
محمد عطية e1787136874842

 الغاز المستورد.. حل ضروري أم نموذج دائم؟

ومع استمرار تراجع الإنتاج المحلي، عادت مصر إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال، وتوسعت في البحث عن عقود متعددة السنوات، في مؤشر على أن الاستيراد لم يعد مجرد إجراء موسمي لتغطية ذروة الاستهلاك، بل أصبح جزءًا من معادلة أمن الطاقة.

لكن عطية يحذر من تحول هذا الحل المؤقت إلى نموذج دائم، موضحًا أن كل شحنة يتم شراؤها بالدولار تمثل ضغطًا إضافيًا على موارد الدولة من النقد الأجنبي.

ويقترح التعامل مع الغاز المستورد باعتباره “جسرًا زمنيًا” وليس حلًا هيكليًا، من خلال وضع مسار تنازلي واضح لحجم الاستيراد المستهدف خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع زيادة الإنتاج المحلي والتوسع في الطاقة المتجددة ورفع كفاءة الاستهلاك.

 سداد مستحقات الشركات

ومن أبرز الملفات التي يطرحها صندوق النقد وضع الهيئة المصرية العامة للبترول، فرغم نجاح الحكومة في إنهاء المتأخرات المستحقة لشركات النفط الأجنبية، والتي كانت قد بلغت 6.2 مليار دولار في أكتوبر 2024، فإن التقرير يشير إلى أن عملية السداد دعمتها أيضًا أدوات تمويل واقتراض وتحويلات من الموازنة العامة.

ولا يزال الصندوق يعتبر الوضع المالي للهيئة محل متابعة، مع استمرار ارتفاع المديونية وأعباء الفوائد، ومطالبته بمزيد من الشفافية بشأن التدفقات النقدية والديون والضمانات الحكومية والسيولة والربحية.

ويرى عطية أن سداد المستحقات خطوة ضرورية، لكنه يحذر من اعتبارها نجاحًا مكتملًا إذا كانت المتأخرات قابلة للتراكم من جديد.

ويطالب بالانتقال من سياسة “سداد المتأخرات” إلى بناء نظام مالي مستدام يربط مستحقات الشركاء بالتدفقات النقدية الفعلية للهيئة، مع إعطاء الأولوية للمشروعات القادرة على زيادة الإنتاج سريعًا، بدلًا من الاكتفاء بزيادة عدد الاتفاقيات أو الإعلانات الاستثمارية.

كما يرى أن اعتماد هيئة البترول بصورة متكررة على الاقتراض والضمانات الحكومية وتحويلات الموازنة يشير إلى الحاجة لمراجعة أعمق لنموذجها المالي، خاصة إذا كان التمويل يستخدم لسد فجوات تشغيلية متكررة.

ويقترح في هذا السياق إعادة هيكلة التدفقات المالية للقطاع، وتحسين كفاءة التكرير وإدارة المخزون وتقليل الفاقد، وربط أي دعم أو تمويل حكومي بخطط محددة لزيادة الإنتاج أو خفض التكلفة.

 الاكتشافات وحدها ليست الحل

وفي الوقت الذي تراهن فيه الحكومة على جذب استثمارات جديدة في الاستكشاف والإنتاج، يرى عطية أن الإعلان عن اكتشافات جديدة لا يجب أن يتحول إلى بديل عن زيادة الإنتاج الفعلي.

ويقول إن السوق لا يحتاج فقط إلى احتياطيات معلنة، وإنما إلى غاز يدخل الشبكة ويخفض فاتورة الاستيراد، مطالبًا بأن يصبح معيار النجاح الأساسي هو سرعة تحويل الاكتشافات إلى إنتاج فعلي.

ويضيف أن الأولوية في المدى القصير يجب أن تكون للحقول القائمة والمناطق التي تمتلك بنية تحتية جاهزة، لأن زيادة الإنتاج من حقل قائم أو تطوير اكتشاف قريب من منشآت الإنتاج قد يكون أسرع وأقل تكلفة من انتظار مشروعات استكشاف جديدة تحتاج إلى سنوات.

 الطاقة المتجددة.. من التحول الأخضر إلى توفير الدولار

ويضع خبير الطاقة التوسع في المصادر المتجددة في قلب الحل الاقتصادي للأزمة، معتبرًا أن الخطأ هو التعامل معها باعتبارها ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله لحين عودة إنتاج الغاز.

ويقول إن كل مشروع للطاقة الشمسية أو الرياح يدخل الخدمة ويحل محل جزء من الغاز المستخدم في توليد الكهرباء، يعني تقليل الوقود المطلوب استيراده أو تحرير كميات يمكن توجيهها إلى الصناعة، وبالتالي تصبح الطاقة المتجددة أداة لتوفير الدولار، وليس فقط وسيلة لتحقيق أهداف التحول الأخضر.

ويضيف أن إصلاح أزمة الغاز لا يمكن فصله عن إصلاح معادلة الكهرباء، باعتبار القطاع أحد أكبر مستهلكي الغاز، مطالبًا بإعادة تصميم مزيج توليد الكهرباء بحيث يحتفظ الغاز بدوره كوقود مرن لتغطية الأحمال، مقابل تحمل الشمس والرياح جزءًا متزايدًا من الإنتاج مع تطوير التخزين والشبكة.

 المواطن في نهاية سلسلة التكلفة

ولا تبقى تكلفة أزمة الطاقة داخل حسابات هيئة البترول أو الميزان التجاري، إذ تنتقل في النهاية إلى الاقتصاد والمواطن من خلال التضخم وارتفاع تكلفة الإنتاج وأسعار السلع والخدمات.

وتشير تقديرات التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يظل أحد العوامل المؤثرة على التضخم، في وقت اتجهت فيه الدولة تدريجيًا نحو استعادة التكلفة الاقتصادية للطاقة، بما انعكس في تعديلات أسعار الوقود والغاز والكهرباء. كما أشار تقييم للبنك الدولي إلى زيادات متفاوتة في أسعار الطاقة المستخدمة في الأنشطة الصناعية والتجارية.

ويرى عطية أن رفع أسعار الطاقة قد يكون ضروريًا لمعالجة بعض التشوهات المالية، لكنه يؤكد أن رفع الأسعار وحده لا يمثل إصلاحًا إذا استمرت مستويات الهدر والفاقد وارتفاع تكلفة الإنتاج.

ويطالب بأن يتزامن أي تعديل للأسعار مع برنامج معلن لخفض التكلفة وتحسين كفاءة الشبكات وزيادة الطاقة المتجددة وتحسين جودة الخدمة، بحيث يشعر المواطن والصناعة بأن ارتفاع السعر يقابله إصلاح حقيقي في المنظومة.

 التحويلات تمتص الصدمة ولا تعالجها

يقدّم تقرير مورجان ستانلي، الصادر في أغسطس، قراءة أكثر إيجابية للاقتصاد المصري ككل، فالمؤسسة ترى أن المركز الخارجي لمصر أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مما كانت تتوقع سابقًا، بفضل قوة تحويلات المصريين بالخارج، ومرونة سعر الصرف، وتحسّن توقعات الاستثمار الأجنبي.

لكن المفارقة أن هذا التحسن لا يأتي لأن مشكلة الطاقة قد اختفت؛ فمورجان ستانلي تقول صراحة إن عجز الطاقة لا يزال حساسًا لأسعار النفط، وإن التحويلات ومرونة سعر الصرف هما اللذان حسّنا قدرة الاقتصاد على تحمّل الصدمة، لا حل المشكلة نفسها.

ويحذر عطية من الاعتماد المستمر على التحويلات كمصدر غير مباشر لتمويل فاتورة الطاقة، معتبرًا أن الأفضل هو استغلال القوة الدولارية الحالية في استثمارات تقلل الطلب المستقبلي على الدولار، سواء عبر زيادة الإنتاج المحلي أو الطاقة المتجددة أو مشروعات كفاءة الطاقة والبنية التحتية.

 ما الحل؟

ويخلص المهندس محمد عطية إلى أن التعامل مع أزمة الطاقة يجب أن يقوم على استراتيجية متزامنة لا تعتمد على مسار واحد.

فعلى المدى القصير، يرى ضرورة تأمين احتياجات الكهرباء والصناعة بأقل تكلفة دولارية ممكنة، مع تنويع مصادر وعقود الاستيراد ومنع حدوث نقص في الإمدادات.

أما على المدى المتوسط، فيقترح زيادة إنتاج الحقول القائمة، وتسريع ربط الاكتشافات الجديدة، وإصلاح الوضع المالي لهيئة البترول، وخفض استهلاك الغاز في الكهرباء والصناعة.

وعلى المدى الطويل، يدعو إلى إعادة بناء مزيج الطاقة بحيث تصبح الطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك عنصرين أساسيين، مع الحفاظ على الغاز كمصدر مرن وليس المصدر الرئيسي الوحيد للطاقة.

ويؤكد عطية أن نجاح هذه السياسة يجب ألا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو حجم الاكتشافات، وإنما بثلاثة مؤشرات أكثر أهمية: حجم الانخفاض في فاتورة استيراد الطاقة، ومقدار تراجع استهلاك الغاز لكل وحدة من الناتج، ومدى انخفاض اعتماد هيئة البترول على التمويل والضمانات الحكومية.

وفي المحصلة، تبدو الرسالة التي تجمع بين تحذيرات المؤسسات الدولية ورؤية خبير الطاقة واضحة: مصر نجحت حتى الآن في إدارة جانب من أزمة الإمدادات وتأمين احتياجات السوق، لكن التحدي الأكبر لم يعد في القدرة على شراء الغاز، وإنما في بناء منظومة طاقة تقلل الاحتياجات الدولارية وتعيد الإنتاج المحلي إلى مسار النمو وتخفف العبء عن الموازنة والاقتصاد.

فالسؤال الحقيقي لم يعد: “كيف نؤمن مزيدًا من الطاقة؟ بل:كيف ننتج ونستهلك الطاقة بطريقة تجعل الاقتصاد أقل اعتمادًا على الاستيراد وأكثر قدرة على مواجهة الصدمات؟.

زر الذهاب إلى الأعلى