مقالات

الديمقراطية في عقول الرواد “١”

الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب، وجوهرها أن يشعر كل فرد في المجتمع أنه أمن يملك فرص متساوية مع الأخرين في الحكم والتعبير، ويقف الشعب مع السلطات الثلاث وهو صاحب الحق الأصيل والشرعية، ولكي تتحقق الديمقراطية لابد من نظام سياسي يمتثل للدستور ولا تتداخل بين سلطاته الثلاث، وأن تكون الدولة قوية ناهضة متقدمة، يحيا المواطن فيها حياة كريمة، تتحقق فيها الوفرة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، دولة بها دستور يرسم حدود السلطات ويعكس التوجهات العامة لها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا، ثم تصاغ فيها القوانين التي تطبق علي الجميع، دولة ليس بها قهر او ظلم يتمتع فيها المواطن بالحرية والرقي.

سئل صولون الشاعر اليوناني ومن حكماء اليونان السبعة يوم وضع أسس الديمقراطية: أتظن انك أعطيت اهل أثينا احسن نظام ممكن؟

فأجاب بل اعطيتهم احسن نظام يوافقهم.

وقيل إنه لم يكن يطمع في نفوذ نظامه أكثر من مائه عام، وكان يتوقع تغيره بعد عشره أعوام مبررا أن القوانين توضع للأفراد وليست الأفراد بموضوعه للقوانين.

وسوف نستعرض بعض آراء المفكرين والرواد العرب عن مفهومهم للديمقراطية.

رفاعه الطهطاوي (١٨٠١-١٨٧٣ِ) من رواد نهضتنا يوضح الفرق بين الحضارة العربية والغربية، في أن حضارة الغرب تقوم علي العقلانية، والحقوق الطبيعية، بينما حضارة العرب تعتمد علي مبادئ التحليل والتحريم الديني دون اجتهاد او تجديد.

وكان رفاعه من أوائل المفكرين الذين طالبوا بتعليم الصبيان مبادئ العلوم السياسية، مع تحفيظهم القرآن الكريم، لأن تلك المبادئ تعلمهم معرفه حقوقهم وواجباتهم ولا يستطيع أحد أن يعبث بها، وأن هذا هو أساس المعرفة الإنسانية، وقسم الحرية إلى خمسة أقسام : حرية طبيعية، وحرية سلوكية، وحرية دينية، وحرية مدنية، وحرية سياسية، ثم يوضح كل قسم وينتهي إلى أن الحرية بتلك المعاني هي الوسيلة العظمي في إسعاد الشعب طالما كانت مبنية علي العدل وتكون سبب في حب الأوطان.

ثم يذكر فرنسيس مراش الحلبي (١٨٣٥-١٨٧٤)  هو مؤلف رواية غاية الحق التي تعد أول رواية عربية في العصر الحديث استفادت من الإطار العالمي للرواية، وقد طبعت في القاهرة عام ٢٠٠٠ بمقدمة من جابر عصفور ، ويري مراش أن العالم المتمدن القائم علي العلم والمعرفة والثقافة والأخذ بكل أسباب التطور وإعمال العقل ومواكبة الاختراعات الحديثة وإقامة الحرية والعدل والإنصاف والمساواة، والأمن والأمان والتقدم هو أساسه الديمقراطية ودعائمها تهذيب السياسة، وتثقيف العقل، وتحسين العادات والأخلاق، وإصلاح المدنية والمحبة.

وسنأخذ ملمح من غرضه في تهذيب السياسة، فهو يحدد الصفات الشخص الذي يعمل في السياسة بأنه يجب أن يكون من أصل كريم، وذو تربية حسنه، وصفات وأخلاق حميدة، ويكون ذو ثقافة واطلاع في كافة العلوم والآداب، عالما بالقوانين، فطنا ومهاب ونبيها وشجاعا يخافه الأشرار، لديه هيبه الحكم، قادر علي ردع الظلم ومواجه الظالمين المعتدين علي حقوق الافراد والبلاد، غير طامع ولا مولعا بالمال، وأن يكون حازما صارما قادر على القيادة.

نستكمل في المقال القادم.

 

زر الذهاب إلى الأعلى