من “أجندة 2063” إلى اتهام بالعدوان.. لماذا اشتعل الخلاف الإثيوبي الإريتري حول البحر الأحمر؟

“التكامل الأفريقي” كان أحد العناوين التي أعادت إثيوبيا من خلالها تقديم طموحها للوصول إلى البحر الأحمر، بوصفه جزءًا من مشروع أوسع للتكامل والتنمية في القرن الأفريقي، لكن أسمرا قرأت الرسالة من زاوية مختلفة تمامًا.
ففي مقابل الطرح الإثيوبي، شددت إريتريا على أن الحاجة الإثيوبية إلى منفذ بحري لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للمساس بسيادة الدول الساحلية أو سلامة أراضيها، وعبر وزير الإعلام الإريتري، يماني جبر مسقل، مرارًا عن هذا الموقف، مؤكدًا أن الوصول التجاري إلى الموانئ يختلف جذريًا عن امتلاك السيادة على أراضٍ أو سواحل دولة أخرى، لأن الخلاف لم يعد حول حاجة إثيوبيا إلى البحر، وهي حاجة اقتصادية وجغرافية مفهومة، وإنما حول السؤال الأخطر: هل تحاول أديس أبابا أن تجعل من هذه الحاجة أساسًا لشرعية سياسية جديدة على ساحل دولة أخرى؟.
الطرح الإثيوبي لا يقول صراحة إن إثيوبيا تريد سيادة على الساحل، وهذه نقطة يجب عدم تجاوزها، لكنه يفعل شيئًا أكثر ذكاءً من التصريح المباشر؛ فهو يضع القضية داخل منظومة كاملة من المفاهيم التي يصعب الاعتراض عليها: التكامل الأفريقي، التجارة الحرة، الممرات الاقتصادية، البنية التحتية، حركة السلع والازدهار المشترك.
وهنا تتحول المسألة من “ماذا تريد إثيوبيا من إريتريا”، إلى كيف يمكن لأفريقيا أن تحقق التكامل بينما تبقي إثيوبيا دولة حبيسة، لأن تغيير السؤال يعني تغيير طبيعة الطرف الذي يملك حق الاعتراض.
في الحالة الأولى، إريتريا دولة ساحلية صاحبة سيادة تتفاوض مع دولة حبيسة على ترتيبات للوصول إلى البحر.
أما في الحالة الثانية، فإن إريتريا قد تجد نفسها أمام خطاب قاري يقول إن ربط إثيوبيا بالبحر جزء من مشروع التكامل الأفريقي، وهنا يصبح رفض أسمرا قابلاً للتقديم باعتباره رفضًا لمشروع اقتصادي أفريقي وليس دفاعًا عن السيادة، وهذا تحديًا ما يبدو أن وزير الإعلام الإريتري أراد منعه.
فوزير الإعلام الإريتري لم يدخل في تفاصيل اقتصادية، ولم يقل إن إثيوبيا لا تحتاج إلى موانئ، بل ضرب الأساس السياسي، وهي أنه لا يمكن استخدام التكامل الأفريقي لتطبيع أي طموح يتجاوز سيادة دولة أخرى، وهذه ليست نقطة عابرة، إنها محاولة إريترية لمنع انتقال الملف من التفاوض بين دولتين إلى الضغط السياسي باسم القارة.
لماذا يعد هذا مهم؟
لأن أديس أبابا تمتلك بالفعل مشكلة حقيقية يمكن البناء عليها سياسيًا، فإثيوبيا دولة حبيسة، واقتصادها يحتاج إلى منافذ بحرية مستقرة، وتكاليف النقل والوصول إلى الأسواق الدولية تمثل عنصرًا مهمًا في حساباتها، لكن وجود مشكلة حقيقية لا يعني أن كل حل يصبح مشروعًا.
الفصل بين حق الوصول وحق السيادة
الأول يمكن تنظيمه باتفاقيات وممرات وموانئ وترتيبات تجارية، أما الثاني فلا تمنحه أجندة قارية ولا الضرورة الاقتصادية ولا الرواية التاريخية، وهنا تصبح عبارة “الحذور التاريخية “، الواردة في الطرح الإثيوبي أكثر أهمية من الحديث عن التجارة نفسها، لأن إثيوبيا لا تتحدث فقط عن المستقبل الذي تريد بناءه، وإنما تربطه باتصال تاريخي سابق مع البحر، وهذا يفتح بابًا سياسيًا شديد الحساسية: هل يُيستدعى التاريخ لتفسير الحاضر، أم لتأسيس مطالبة جديدة في الحاضر؟.
بالنسبة إلى إريتريا، الفارق بين السؤالين جوهري، والاعتراف بالتاريخ شئ، وتحويله إلى أساس لحقوق سياسية أو إقليمية معاصرة شئ آخر، ولهذا جاءت لغة أسمرا حاسمة، إنها لا تريد أن تسمح بخلق معادلة تقول إن “التاريخ + الحاجة الاقتصادية + التكامل الأفريقي” يمكن أن تنتج في النهاية حقًا إثيوبيًا خاصًا على الساحل.
المعركة إذن ليست على الميناء فقط، وهذه ربما أهم نقطة في المشهد كله، لو كانت المسألة ميناء تجاريًا فقط، لكانت هناك عشرات الصيغ الممكنة للتفاوض.
إثيوبيا يمكنها استئجار خدمات ميناء، ويمكنها الاستثمار، وتوقيع اتفاق عبور، فضلاً عن بناء ممرات لوجستية، والدخول في شراكات اقتصادية طويلة الأمد، لكن عندما يدخل إلى النقاش مفهوم “الاستعادة”، ثم “الطموح البحري”، ثم “الضرورة الاستراتيجية”، فإننا نخرج تدريجيًا من الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية، وهنا تصبح الموانئ أدوات قوة.
فالميناء ليس مجرد مكان تمر منه البضائع؛ إنه نقطة اتصال بالدول والأسواق والممرات البحرية، ويمكن أن يصبح بمرور الوقت مصدرًا لنفوذ سياسي واستراتيجي، ولهذا لا تنظر إريتريا إلى المسألة باعتبارها مشكلة تجارية إثيوبية، إنها تنظر إليها باعتبارها احتمالا لإعادة تشكيل ميزان القوة على ساحلها.
لماذا اختارت أسمرا المواجهة المباشرة؟
لأنها تدرك أن أخطر مرحلة في مثل هذه الملفات ليس لحظة توقيع الاتفاق، وإنما المرحلة التي تسبق الاتفاق، عندما تبدأ الرواية في اكتساب شرعية دولية، إذا نجحت إثيوبيا في ترسيخ فكرة أن الوصول إلى البحر ضرورة لتحقيق أجندة 2063، فإنها تكون قد صنعت أرضية سياسية لأي تفاوض لاحق، ولهذا جاء الرد الإريتري قبل أن تتحول الرواية إلى قاعدة تفاوضية.
أسمرا تريد أن تقول بوضوح: لا مشكلة في التكامل، ولا مشكلة في التجارة، ولا مشكلة في استفادة إثيوبيا من الموانئ، لكن لا تستخدموا هذه العناوين لإعادة تعريف السيادة الإريترية، وهنا يصبح رد “مسقل” محاولة لـ”تثبيت السقف” قبل بدء أي تفاوض حقيقي.
هل يعني ذلك أن الحرب تقترب؟
من الخطأ تحويل التصريحات الحادة إلى توقع مباشر بمواجهة عسكرية، لكنها تكشف شيئًا أكثر أهمية وهو ارتفاع مستوى عدم الثقة بين الطرفين.
فإريتريا لا ترد على خطاب اقتصادي باعتباره خطابًا اقتصاديًا، وإثيوبيا لا تتعامل مع البحر باعتباره ملفًا تجاريًا محدودًا، وهذا يعني أن كل خطوة مستقبلية ستُقرأ على مستويين ما تقوله رسميًا وما يمكن أن تعنيه استراتيجيًا، وهنا تكمن خطورة الملف.
هل تريد إثيوبيا منفذًا تجاريًا واضحًا بحدود قانونية محددة؟، أم تريد ترتيبات تمنحها وجودًا استراتيجيًا طويل الأمد؟، وهل الحديث عن استعادة الاتصال التاريخي مجرد خلفية سياسية؟، أم أنه جزء من تصور أوسع لموقع إثيوبيا على البحر الأحمر، وهل ستبقى أجندة 2063 إطارًا للتعاون الاقتصادي؟، أم تتحول إلى أداة ضغط سياسي لتوسيع نطاق القضية؟، هذه الأسئلة هي التي ستكشف اتجاه الملف، فحتى الآن، يمكن لإثيوبيا أن تقدم مشروعها باعتباره حلاً لمشكلة دولة حبيسة، ويمكن لإريتريا أن تقدمه باعتباره محاولة لتطبيع طموح يتجاوز الحدود.
وبين الروايتين توجد مساحة تفاوض، لكنها تضيق كلما توسع الحديث عن الحقوق التاريخية والضرورة الاستراتيجية.
ما الذي كشفه رد “مسقل” في النهاية؟
كشف أن أسمرا لا تريد الدخول في نقاش حول “حق إثيوبيا في البحر” بالشروط التي تحددها أديس أبابا، بل تريد إعادة النقاش إلى نقطة البداية:” البحر موجود، والتجارة ممكنة، والتكامل ممكن، لكن الساحل له صاحب سيادة”، وهذا هو جوهر الرد الإريتري.
وفي المقابل، يبدو أن إثيوبيا تدرك أن طرحها المباشر باعتباره مجرد مطلب جيوسياسي قد يواجه مقاومة أكبر، ولذلك فإن إدخاله في خطاب التكامل يمنحه مساحة سياسية أوسع، لكن هذه الاستراتيجية تحمل خطرًا أيضًا، فكلما بالغت أديس أبابا في ربط طموحها البحري بمشروع أفريقيا 2063، قد تدفع أسمرا إلى التشدد أكثر، لأنها ستعتبر أن المسألة لم تعد تفاوضًا ثنائيًا، بل محاولة لإنتاج شرعية قارية لمطلب يمس سيادتها، ومن هنا يمكن فهم المواجهة الحالية بصورة مختلفة تمامًا.
إثيوبيا لا تحاول فقط الوصول إلى البحر؛ إنها تحاول أن تجعل الوصول إليه يبدو نتيجة طبيعية لمنطق التكامل الأفريقي، وإريتريا لا ترفض فقط الطموح الإثيوبي؛ إنها تحاول منع تحول هذا المنطق إلى قاعدة سياسية جديدة، لذلك فإن المعركة الحقيقية الآن ليست حول الميناء الذي ستستخدمه إثيوبيا، ولا حتى حول الساحل الذي تنظر إليه، المعركة حول من يملك حق تعريف “الوصول إلى البحر”: هل هو حق تجاري يمكن التفاوض حوله، أم طموح استراتيجي يمكن أن يعاد تقديمه باعتباره مصلحة قارية؟.







