من خرق بريتوريا إلى لغة السلاح.. تيجراي تهدد بمسار جديدًا للمواجهة مع حكومة آبي أحمد
الجبهة تتهم الحزب الحاكم بالسعى لتدمير اتفاق وقف إطلاق النار وتحمل حكومة أديس أبابا المسؤولية عن التصعيد

في بيان جديد صدر اليوم الإثنين، صعّدت جبهة شعب تيجراي لهجتها تجاه الحكومة الإثيوبية، متهمة رئيس الوزراء آبي أحمد بانتهاك اتفاق بريتوريا وتحويله بحسب روايتها، من إطار لوقف الحرب إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الصراع داخل الإقليم.
وحمل البيان لغة شديدة الحدة، إذ تحدث عن استخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات الحربية والمسيّرة من قبل حكومة آبي أحمد، محذرًا من أن شعب تيجراي أصبح على شفا الحرب.
كما اتهمت الجبهة حزب الإزدهار الحاكم بالسعي إلى تدمير الاتفاق الذي أنهى الحرب السابقة، بينما رفضت ما وصفته بمحاولات تحميل قيادة تيجراي مسؤولية التصعيد.
ورغم أن بعض أجزاء البيان المتداول تبدو مشوشة نتيجة الترجمة أو النقل، فإن الرسالة السياسية الأساسية تبدو واضحة: قيادة تيجراي تريد تسجيل موقف مبكر بأن أي مواجهة عسكرية جديدة لن تُقدَّم باعتبارها حربًا بدأت من جانبها، بل باعتبارها نتيجة لانهيار اتفاق بريتورا وتحميل الحكومة الفيدرالية مسؤولية التصعيد.
وهنا تكمن أهمية البيان؛ فهو لا يبدو مجرد رد إعلامي على حادث أمني، وإنما محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي قبل أن تتسع المواجهة على الأرض.
بريتوريا.. من اتفاق لإنهاء الحرب إلى ساحة اتهامات
اتفاق بريتوريا الذي وقع في نوفمبر 2022 أوقف واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ إثيوبيا الحديث، ووضع إطارًا لوقف الأعمال العدائية ونزع السلاح وإعادة الخدمات وعودة النازحين والتعامل مع القضايا السياسية والأمنية العالقة.
لكن الاتفاق لم يعالج جميع جذور الصراع، وظلت قضايا مثل وضع غرب تيجراي، وعودة النازحين وترتيبات الأمن ونزع السلاح، ومستقبل العلاقة بين السلطات الإقليمية والحكومة الفيدرالية، ملفات مفتوحة، وقد حذرت تحليلات سابقة من أن السلام الذي تحقق كان هشًا، لأن الأسباب السياسية للصراع لم تُحسم بصورة نهائية، ومع مرور الوقت، تحولت عملية تنفيذ الاتفاق نفسها إلى مصدر جديد للتوتر.
وفي أغسطس الحالي؛ اندلعت اشتباكات في غرب تيجراي، وسط تبادل الاتهامات بين الحكومة الفيدرالية وقوى تيجراي بشأن الطرف الذي بدأ القتال، واعتبرت تقارير أن تلك المواجهات تمثل واحدة من أخطر الاختبارات لاتفاق بريتوريا منذ توقيعه.
لذلك يأتي البيان الأخير في سياق أكثر خطورة من مجرد خلاف سياسي عابر.
لماذا تستخدم تيجراي الآن لغة الحرب؟
اللافت في البيان ليس فقط الاتهام، وإنما اختيار مفردات الحرب والإبادة والمجاعة والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة، هذه اللغة تؤدي ثلاث وظائف سياسية في الوقت نفسه.
أولًا، تعبئة الداخل التيغرائي وإعادة تقديم الصراع باعتباره تهديدًا وجوديًا، وليس مجرد خلاف بين حكومة إقليمية وحكومة اتحادية.
ثانيًا، الضغط على الحكومة الإثيوبية قبل انتقال المواجهة إلى مستوى عسكري أوسع، عبر رفع تكلفة أي عملية عسكرية محتملة سياسيًا وإعلاميًا.
وثالثًا، مخاطبة الخارج، خصوصًا الاتحاد الأفريقي والقوى الدولية المعنية بالقرن الأفريقي، برسالة مفادها أن اتفاق السلام لم يعد يعمل وأن هناك حاجة إلى تدخل سياسي عاجل، ويمكن قراءة البيان باعتباره أداة ردع سياسية بقدر ما هو بيان احتجاج.
هل نحن أمام فعلية للحرب؟
حتى الآن، لا يعني التصعي الإعلامي وحده أن حرب تيجراي الثانية بدأت بالفعل بصورة شاملة، لكن المؤشرات المتراكمة تجعل احتمال اتساع المواجهة أكثر جدية.
فالاشتباكات عادت إلى الشمال، وتزايدت الاتهامات باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة، بينما أصبحت العلاقة بين قيادة تيجراي وأديس أبابا أكثر توترًا.
كما أن المشهد الإثيوبي نفسه لم يعد مقتصرًا على جبهة تيجراي، إذ تواجه الحكومة تحديات مسلحة وسياسية في مناطق أخرى، خصوصًا أمهرا وأوروميا، وهذا يعني أن أي حرب جديدة في تيجراي لن تحدث في الفراغ.
إثيوبيا اليوم أكثر تعقيدًا من عام 2020، عندما اندلعت الحرب السابقة، الدولة تواجه عدة مراكز توتر بينما تتداخل الحدود الإثيوبية مع أزمات السودان وإريتريا، وهو ما يجعل أي تصعيد في الشمال قابلاً للانتقال من صراع داخلي إلى أزمة إقليمية.
العامل الإريتري.. الحلقة الأكثر حساسية
لا يمكن قراءة التصعيد الحالي في تيجراي بعيدًا عن إريتريا، فالحدود بين إثيوبيا وإريتريا كانت أحد أهم مسارح الحرب السابقة، كما أن العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا تدهورت بصورة كبيرة منذ انتهاء التحالف الذي جمعهما خلال حرب تيجراي.
وتحذر تحليلات حديثة من أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، بالتوازي مع أزمة تيجراي، خلق بيئة شديدة القابلية للاشتعال.
وبالتالي، فإن عودة الحرب داخل تيغراي قد تضع إريتريا أمام خيارات صعبة، خصوصًا إذا اقترب القتال من الحدود أو تغيرت حسابات القوى العسكرية الموجودة في المنطقة.
الأكثر خطورة أن أي مواجهة بين أديس أبابا وتيجراي قد تُقرأ من جانب الأطراف المختلفة باعتبارها جزءًا من صراع أوسع على النفوذ والأمن في شمال القرن الأفريقي.
الرسالة الأهم في بيان الجبهة الشعبية لتيجراي
يمكن فهم البيان الأخير باعتباره محاولة من قيادة تيجراي للسيطرة على رواية بداية الحرب، وهذه النقطة شديدة الأهمية.
في الصراعات الإثيوبية، لا يتعلق الأمر فقط بمن يملك القوة العسكرية، وإنما بمن يستطيع إقناع الداخل والخارج بأنه الطرف الذي يدافع عن نفسه.
ولهذا تصر قيادة تيجراي على تقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي تعرض للانتهاك، بينما تحاول وضع الحكومة الفيدرالية في موقع الطرف الذي يتحمل مسؤولية انهيار السلام.
وهذا لا يعني بالضرورة أن رواية طرف واحدة تمثل الحقيقة الكاملة؛ فالحكومة الإثيوبية وقوى تيجراي تبادلتا الاتهامات بشأن المسؤولية عن الاشتباكات الأخيرة لكن سياسيًا، فإن سرعة إصدار البيان واستخدام هذه اللغة تشير إلى أن المعركة الإعلامية سبقت أو تتزامن مع المعركة العسكرية.
لماذا يبدو الوضع أخطر من مجرد خرق جديد؟
المشكلة الأساسية أن اتفاق بريتوريا لم يعد يواجه خرقًا واحدًا يمكن احتواؤه، وإنما يواجه تآكلاً تدريجيًا للثقة بين أطرافه.
عندما يصبح كل طرف متنعًا بأن الطرف الآخر يستعد للحرب، تتحول إجراءات الاستعداد نفسها إلى سبب للحرب، تحرك القوات يُفسر باعتباره هجومًا وشيكًا، وإعادة الانتشار تُقرأ كتحضير لمعركة، والخطاب السياسي يصبح جزءًا من التعبئة، والطائرات المسيّرة تتحول من أداة عسكرية إلى رسالة ردع، وهنا يصبح خطر الحسابات الخاطئة أكبر من خطر القرار المعتمد بالحرب.
أمام إثيوبيا ثلاثة مسارات
المسار الأول هو احتواء التصعيد والعودة إلى التفاوض، وهو الخيار الأقل تكلفة، لكنه يتطلب إعادة بناء قناة اتصال حقيقية بين أديس أبابا وقيادة تيجراي.
المسار الثاني هو استمرار المواجهات المحدودة، بما يعني تحول شمال إثيوبيا إلى منطقة استنزاف عسكري دون العودة الفورية إلى حرب شاملة.
أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في انهيار خطوط الاحتواء وانتقال الاشتباكات إلى عملية عسكرية واسعة، خصوصًا إذا تداخلت جبهة تيغراي مع أزمات أمهرا وإريتريا والسودان.
وفي هذه الحالة لن تكون أزمة بريتوريا مجرد اتفاق سلام فشل في التنفيذ، بل ستصبح نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من عدم الاستقرار في القرن الأفريقي.






