أديس أبابا.. لماذا تتشكل فيها تحالفات السودان المدنية؟

اجتماع القوى السودانية المناهضة للحرب في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس 2026، لا ينبغي قراءته فقط من زاوية رفض دعوة القائد عبد الفتاح البرهان إلى الحوار، ولا باعتباره اجتماعًا جديدًا ضمن عشرات الاجتماعات التي عقدتها القوى السياسية السودانية منذ اندلاع الحرب.
الأهم سياسيًا هو لماذا أصبحت أديس أبابا تحديدًا مساحة متكررة لإعادة ترتيب القوى المدنية السودانية، ومن الذي يستفيد من استمرار هذه العملية؟
السؤال يكتسب حساسيته من حقيقة أن إثيوبيا ليست دولة بعيدة عن الصراع السوداني، فهي دولة حدودية ذات مصالح مباشرة في السودان، وفي الوقت نفسه تحيط بها اتهامات متكررة بالانحياز إلى الدعم السريع، وفي فبراير 2026، نشرت رويترز تحقيقًا تحدث عن استضافة إثيوبيا معسكرًا لتدريب مقاتلين مرتبطين بالدعم السريع، مستندة إلى صورة أقمار صناعية ومصادر ووثائق، بينما نفت أطراف معنية بعض الاتهامات.
لكن اختزال المشهد في أن إثيوبيا تدعم الدعم السريع، وبالتالي فإن كل اجتماع مدني في أديس أبابا يخدم الدعم السريع، سيكون استناجًا سياسيًا متسرعًا، المسألة أكثر تعقيدًا.
أديس أبابا.. منصة أم طرف؟
أديس أبابا أصبحت خلال 2026 واحدة من أهم منصات المشاورات المتعلقة بمستقبل السودان، فالآلية الخماسية، التي تضم الاتحاد الإفريقي وإيجاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، عقدت فيها مشاورات مع القوى السياسية والمدنية السودانية، بهدف نحو عملية سياسية سودانية شاملة، وهذا يفسر جزئيًا استمرار القوى المدنية في اختيار العاصمة الإثيوبية.
فوجودها هناك لا يعني بالضرورة ثقة كاملة في الموقف الإثيوبي، وإنما قد يعكس حسابًا عمليًا، أديس أبابا هي المكان الذي من خلاله الوصول إلى الوسطاء والمؤسسات الإفريقية والدولية، وبناء حضور سياسي خارج مناطق سيطرة الجيش والدعم السريع، لكن المشكلة أن الدولة المضيفة ليست مجرد قاعة اجتماعات.
إثيوبيا لديها مصالحها الخاصة في السودان، من أمن الحدود إلى اللاجئين والنيل الأزرق والعلاقة مع مصر وتوازنات القرن الإفريقي، ومن ثم فإن استضافة الاجتماعات تمنحها أيضًا فرصة للحفاظ على قنوات اتصال واسعة مع القوى التي قد يكون لها تأثير في مرحلة ما بعد الحرب.
وهنا تظهر المفارقة، القوى المدنية تحتاج إلى أديس أبابا للوصول إلى الوسطاء، وإثيوبيا تحتاج إلى بقاء قنواتها مفتوحة مع القوى السودانية.
لماذا تستمر التحالفات المدنية في الاجتماع؟
لأن الصراع السوداني لم يعد عسكريًا فقط، مع استمرار الحرب، بدأ صراع موازٍ على سؤال: من يمثل السودان سياسيًا عندما تبدأ التسوية؟
القوى المناهضة للحرب لا تملك جيوشاً أو مناطق سيطرة واسعة، ولذلك فإن مصدر قوتها الأساسي هو التنظيم السياسي والاعتراف الدولي والقدرة على تقديم نفسها كبديل مدني عن طرفي الحرب، ولهذا تتكرر الاجتماعات.
كل اجتماع يهدف إلى بناء موقف مشترك، وتوسيع شبكة العلاقات، وتثبيت أسماء وقوى باعتبارها أطرافاً محتملة في عملية السلام.
وبالتالي فإن ما يحدث في أديس أبابا يمكن فهمه باعتباره سباقاً مبكراً على طاولة ما بعد الحرب.
وهنا تظهر مشكلة “تأسيس”
المشكلة الأكثر حساسية ليست في صمود وحدها، وإنما في التدخل بين القوى المدنية المختلفة.
فالساحة السودانية تضم قوى تقول إنها مستقلة عن الجيش والدعم السريع، وأخرى تقف مع الجيش، وقوى مرتبطة سياسيًا بالدعم السريع، بينها تحالف تأسيس.
ولهذا يصبح السؤال: هل يؤدي جمع هذه المكونات في عملية سياسية واحدة إلى إنتاج سلام شامل، أم يمنح أحد طرفي الحرب منفذًا سياسيًا غير مباشر؟
لا توجد أدلة كافية من اجتماع 23 أغسطس وحده للقول إن “صمود” أو القوى المناهضة للحرب تمثل غطاءً للدعم السريع، لكن المخاوف السياسية من هذا الاحتمال ليست بلا أساس.
فالطرف العسكري لا يحتاج دائماً إلى الجلوس بنفسه على كل طاولة؛ يمكن أن يستفيد من قوى سياسية حليفة أو متقاطعة معه في المواقف.
ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست من حضر الاجتماع فقط، وإنما مدى استقلال كل مكوّن عن طرفي الحرب.
المشكلة في “من يمثل المدنيين”
هذه ربما تكون أهم معركة سياسية في المرحلة المقبلة، إذا توسعت العملية السياسية لتشمل الجميع، فقد تدخل إليها قوى مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بأطراف الحرب، وإذا جرى استبعادها، فقد تتحول العملية إلى منصة تمثل جزءاً من السودان فقط.
وهكذا يجد الوسطاء أنفسهم أمام معادلة صعبة، الشموالية قد تمنح أطراف الحرب نفوذًا سياسيًا، والاستبعاد قد يفقد العملية شرعيتها، وهذه ليست مشكلة سودانية داخلية فقط؛ إنها أيضًا مشكلة للوسطاء الدوليين والإقليميين الذين يحاولون تشكيل عملية سلام قابلة للحياة.
ماذا تريد القوى المناهضة للحرب؟
وثيقة “عملية السلام التي نريد” الصادرة عن اجتماع أديس أبابا تكشف أن القوى المشاركة لا تريد أن تكون مجرد طرف ثالث بين الجيش والدعم السريع، هي تريد أن تكون صاحبة دور رئيسي في تحديد شكل الدولة بعد الحرب.
ولهذا ترفض أن يبدأ الحوار من واقع السيطرة العسكرية، وتطرح ثلاثة مسارات متزامنة: إنساني، ووقف إطلاق النار، وسياسي.
كما تطالب بأن يكون المسار السياسي مدنياً، وأن تقتصر مشاركة الجيش والدعم السريع على القضايا العسكرية والإنسانية.
هذه الرؤية تحمل منطقاً سياسياً واضحاً: منع تحويل الانتصارات أو السيطرة العسكرية إلى شرعية سياسية.






