من الطاقة إلى النفوذ .. مشروع جوليوس نيريري وتحولات القوة في شرق أفريقيا
جوليوس نيريري.. حين تتحول الطاقة إلى نفوذ


لم يكن افتتاح مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا، اليوم 22 أغسطس 2026، مجرد لحظة احتفالية بانتهاء واحد من أكبر مشروعات البنية التحتية في البلاد، فالمشروع الذي تبلغ قدرته الإنتاجية 2,115 ميغاواط، يدخل مع بدء تشغيله الرسمي مرحلة أكثر أهمية سياسيًا: هل تستطيع تنزانيا أن تحول فائض الطاقة إلى قوة اقتصادية ونفوذ إقليمي؟
هذا السؤال هو الأهم في قراءة المشروع
والاختفاء التنزاني لا يرتبط فقط بزيادة إنتاج الكهرباء، وإنما بمشروع أوسع لإعادة بناء الاقتصاد حول الطاقة والبنية التحتية والتصنيع والاستثمار، وفي المقابل، ترى القاهرة في المشروع نموذجًا يتجاوز حدود العلاقة الثنائية، إذ شاركت شركتا المقاولون العرب والسويدي إليكتريك في تنفيذه، بينما شارك رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مراسم الافتتاح ممثلًا للرئيس عبد الفتاح السيسي.
وبذلك يصبح مشروع جوليوس نيريري نقطة تقاطع بين ثلاثة مسارات: طموح تنزانيا الاقتصادى وإعادة تشكيل أسواق الطاقة في شرق أفريقيا، ومحاولة مصر تحويل الحضور الهندسي إلى نفوذ اقتصادي وسياسي مستدام في القارة.
من مشروع كهرباء إلى مشروع قوة
المعادلة التنزانية الجديدة تبدو واضحة: زيادة إنتاج الكهرباء لا تستهدف فقط سد احتياجات المنازل، وإنما توفير قاعدة طاقة تسمح بتوسيع الصناعة والاستثمار.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها من حقيقة أن المحطة تضم تسع وحدات توليد بقدرة إجمالية تبلغ 2,115 ميغاواط، فيما أصبحت تنزانيا تمتلك فائضًا يسمح لها بالنظر إلى التصدير وربط سوق الكهرباء المحلية بالأسواق الإقليمية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن المحطة باتت جزءًا من تحول تنزانيا إلى دولة مصدرة للكهرباء، مع وجود طموحات لتزويد دول مجاورة بالطاقة.
لكن الفارق بين «إنتاج الكهرباء» و«امتلاك قوة الطاقة » يكمن في قدرة الدولة على استخدام هذه الكهرباء اقتصاديًا.
إذا أصبحت الطاقة أكثر استقرارًا وأقل تكلفة، تستطيع تنزانيا جذب مصانع جديدة، وتوسيع الصناعات القائمة، وتطوير المناطق الاقتصادية، ثم استخدام شبكة النقل والموانئ لتصدير المنتجات.
وهنا تبدأ الطاقة في التحول من قطاع خدمي إلى أداة من أدوات السياسة الاقتصادية الخارجية.
المعركة الحقيقية ليست داخل السد
ربما تكون أهم نقطة في تقييم المشروع هي أن نجاحه لا يقاس بعدد التوربينات التي تعمل، وإنما بقدرة الشبكة التنزانية على نقل الكهرباء إلى أماكن الاستهلاك.
وهذه مسألة كشفت عنها التغطية التنزانية نفسها خلال مراحل التشغيل، فقد واجه المشروع تحديات تتعلق بقدرة شبكة النقل على استيعاب كامل الإنتاج، وهو ما جعل استكمال خطوط النقل جزءًا أساسيًا من تحقيق القيمة الاقتصادية الكاملة للمشروع.
ولهذا فإن اكتمال البنية المرتبطة بنقل الكهرباء ليس تفصيلاً تقنيًا؛ بل هو شرط سياسي لنجاح الاستراتيجية التنزانية.
فإذا أنتجت الدولة الكهرباء ولم تستطيع نقلها إلى المصانع والمناطق السكانية أو تصديرها إلى الدول المجاورة، فلن يتحول المشروع إلى قوة اقتصادية بالسرعة التي تراهن عليها دار السلام.
أما إذا نجحت في بناء شبكة نقل متماسكة، فإن المعادلة تتغير بصورة جذرية.
وتصبح تنزانيا أمام إمكانية الانتقال من دولة تعاني من اختناقات الطاقة إلى دولة تمتلك فائضًا يمكن توظيفه داخليًا وإقليميًا.
شرق أفريقيا أمام سوق كهرباء جديدة
القيمة الجيوسياسية للمشروع تظهر بصورة أوضح عند وضعه في سياق شرق أفريقيا، فالمنطقة لا تعاني فقط من نقص الموارد؛ وإنما من تفاوت كبير في توزيعها، دول تمتلك إمكانات مائية أو غازية، وأخرى تحتاج إلى الطاقة من أجل النمو الصناعي.
ومن هنا يصبح الربط الكهربائي الإقليمي أداة لتقليل هذا التفاوت، إذا استطاعت تنزانيا بيع فائض الكهرباء إلى جيرانها، فإنها لن تبيع «ميغاواطات» فقط، بل ستتشئ علاقات اعتماد متبادل، وهذا هو جوهر النفوذ الاقتصادي الحديث.
فالدولة التي ترتبط بها دولة أخرى في قطاع حيوي مثل الطاقة تصبح طرفًا لا يمكن تجاهله في الحسابات الاقتصادية والسياسية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المشروع بات مرتبطًا بطموح أوسع لجعل تنزانيا لاعبًا في تجارة الكهرباء الإقليمية، مع حديث عن إمكانية إمداد دول مثل كينيا وأوغندا وزامبيا بالطاقة، لكن ذلك لا يعني أن تنزانيا ستتحول تلقائيًا إلى «قوة طاقة» في شرق أفريقيا.
فالنجاح يتوقف على ثلاثة شروط:- استقرار الإنتاج، كفاءة شبكة النقل، ووجود اتفاقات إقليمية تسمح بتجارة الكهرباء على نطاق واسع.
لماذا يمثل المشروع تحولاً في السياسة التنزانية؟
يجب النظر إلى جوليوس نيريري باعتباره امتدادًا لفلسفة تنموية تنزانيا، ترى في مشروعات البنية التحتية الكبرى وسيلة لبناء اقتصاد أكثر استقلالاً، لكن إدارة الرئيسة سامية صلوحو حسن أعادا وضع هذه الفلسفة داخل إطار أكثر ارتباطًا بالاستثمار والتصنيع والتجارة الإقليمية وهنا تتغير وظيفة المشروع، في مرحلة سابقة، كان الهدف الأساسي هو توفير الكهرباء.
ماذا يمكن أن تفعل الكهرباء بالاقتصاد؟
وهذه النقلة من «أمن الطاقة» إلى «اقتصاد الطاقة» هي جوهر التحول السياسي.
فإذا نجحت دار السلام في ربط الكهرباء بالمصانع والطرق والسكك الحديدية والموانئ، فإن المشروع يمكن أن يصبح أحد أعمدة إعادة تموضع تنزانيا اقتصاديًا داخل شرق أفريقيا.
مصر .. من تنفيذ المشروع إلى بناء النفوذ
بالنسبة إلى مصر، فإن أهمية جوليوس نيريري تتجاوز نجاح المقاولون العرب والسويدي إليكتريك في تنفيذ مشروع ضخم.
المشروع يقدم للقاهرة نموذجًا عمليًا لما يمكن أن يسمى الدبلوماسية الاقتصادية عبر البنية التحتية، فبدل أن يكون الحضور المصري في أفريقيا قائمًا فقط على العلاقات السياسية أو المساعدات أو المنح، يمكن أن يقوم على مشروعات تخلق مصالح اقتصادية طويلة الأمد.
وهذا ما يجعل مشاركة مدبولي في الافتتاح ذات دلالة سياسية؛ فقد أكدت القاهرة أن المشروع يعكس تنامي التعاون المصري ـ التنزاني، وأنه نموذج لقدرة الشركات المصرية على تنفيذ مشروعات استراتيجية كبرى في القارة.
الأهم أن المشروع ممول من الجانب التنزاني، بينما تولى التحالف المصري عملية التنفيذ، وهذه صيغة مختلفة عن العلاقة التقليدية التي تقدم فيها دولة مانحة التمويل والمشروع معًا، القيمة هنا أن تنزانيا طلبت الخبرة ومصر قدمت القدرة التنفيذية، وهذا يخلق نموذجًا أكثر قابلية للتكرار في دول أفريقية أخرى.
سد جوليوس نيريري وسد النهضة.. المقارنة الصحيحة
لا يمكن قراءة الافتتاح بعيدًا عن ملف سد النهضة، خصوصًا مع حضور رئيس الوزراء المصري وتصريحات القاهرة التي ركزت على أن المشروع يمثل دليلاً على دعم مصر للتنمية في دول حوض النيل.
لكن من الضروري سياسيًا عدم تقديم جوليوس نيريري باعتباره منافسًا مباشرًا لسد النهضة.
فالمشروع التنزاني يقع على نهر روفيجي وليس على النيل الأزرق، وبالتالي لا توجد علاقة هيدرولوجية مباشرة بين إنتاجه للكهرباء وبين تدفقات النيل التي تعتمد عليها مصر والسودان، المقارنة الحقيقية تقع في مستوى آخر؛ كيف تنظر دول حوض النيل إلى حقها في التنمية، وكيف يمكن إدارة المشروعات المائية الكبرى دون تحويلها إلى مصدر لصراع إقليمي؟
وهنا تحاول القاهرة استخدام تجربة جوليوس نيريري سياسيًا لإظهار أن مصر ليست ضد التنمية في دول الحوض، وقد صرح رئيس الوزراء مصطفي مدبولي، بالفعل بأن المشروع يدحض الادعاءات بأن القاهرة تعارض التنمية في دول حوض النيل، مع تأكيده في الوقت نفسه أن قضية مياه النيل ذات أهمية وجودية لمصر.
هذه الرسالة تحمل بعدًا دبلوماسيا مهمًا، القاهرة تريد الفصل بين اعتراضها على النهج الإثيوبي في إدارة سد النهضة وبين رفضها للتنمية الأفريقية بصورة عامة.
هل تستطيع تنزانيا تحويل الكهرباء إلى نفوذ:فمفزلزفجاز
هنا تبدأ المرحلة الأصعب، امتلاك 2,115 ميجاواط لا يضمن وحده تحولًا اقتصاديا. في الطاقة الرخيصة تحتاج إلى مصانع.
والمصانع تحتاج إلى أسواق. والأسواق تحتاج إلى طرق وموانئ. والتجارة الإقليمية تحتاج إلى شبكات نقل واتفاقات سياسية.
لذلك فإن جوليوس نيريري لا ينبغي أن يقاس كمشروع منفرد، وإنما كجزء من سلسلة بنية تحتية متكاملة، إذا نجحت هذه السلسلة، يمكن أن تصبح دار السلام مركزا اقتصاديا أكثر تأثيرا في شرق أفريقيا، أما إذا ظل إنتاج الكهرباء منفصلاً عن التصنيع والاستثمار والنقل، فقد يظل المشروع إنجازًا هندسيا كبيرًا دون أن يتحول إلى نقطة تحول جيوسياسية، وهذا هو الاختبار الحقيقي للرئيسة سامية.
وتملك تنزانيا بالفعل موارد كبيرة من الغاز الطبيعي، كما أن خططها المستقبلية تشمل توسيع قطاعات الطاقة المختلفة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن البلاد تتحرك بالتوازي في ملف الغاز الطبيعي المسال، ما يعكس توجهًا نحو بناء منظومة طاقة متعددة المصادر، وهذا مهم لأن قوة تنزانيا المستقبلية قد لا تأتي من جوليوس نيريري وحده، وإنما من قدرتها على دمج المياه والغاز وشبكات النقل والتصنيع في استراتيجية واحدة.
مكاسب مصرية
بالنسبة إلى القاهرة، يمكن تقسيم المكاسب إلى ثلاثة مستويات.
الأول اقتصادي:
فتح المجال أمام الشركات المصرية للدخول في مشروعات أفريقية كبرى، واكتساب خبرات وسجل أعمال يعزز قدرتها على المنافسة في أسواق جديدة.
الثاني سياسي:
تحويل النجاح التنفيذي إلى رصيد في العلاقات المصرية ـ التنزانية.
الثالث استراتيجي:
اظهار نموذج للتعاون مع دولة من دول حوض النيل يقوم على التنمية المشتركة بدل الصراع حول الموارد، وهذه النقطة الأخيرة هي الأهم.
فالقاهرة لا تحتاج فقط إلى التأكيد أنها ترفض الإضرار بحقوقها المائية؛ بل تحتاج أيضًا إلى إثبات أن لديها تصورًا إيجابيًا للتنمية في أفريقيا.
وجوليوس نيريري يوفر لها مثالًا عمليًا يمكن الاستناد إليه.
من السد إلى النفوذ.. ماذا بعد 2026؟
المفارقة أن أهمية افتتاح جوليوس نيريري تبدأ بعد انتهاء مراسم الافتتاح، فخلال السنوات المقبلة سيكون على تنزانيا أن تثبت أن المشروع يستطيع أن ينتج ثلاثة أنواع من العوائد في وقت واحد:-
عوائد داخلية: كهرباء أكثر استقرارًا ونمو صناعي.
عوائد اقتصادية: استثمارات وصادرات وتوسع في النشاط الإنتاجي.
عوائد إقليمية: تصدير الكهرباء وتعزيز موقع تنزانيا داخل شرق أفريقيا.
وإذا تحققت المستويات الثلاثة، فإن المشروع سيصبح أكثر من محطة كهرباء.
سيصبح أحد أدوات إعادة تعريف موقع تنزانيا في الإقليم.







