عربي ودولي

الحصار الاقتصادي على إيران.. هل يقود إلى تصعيد الحرب أم يفتح باب الدبلوماسية؟

بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سلاح الحرب الاقتصادية في محاولة لإخضاع طهران، ملوّحًا بما وصفه بـ«يوم النصر الاقتصادي» على إيران.

وأوضح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، أن الاستراتيجية الجديدة تقوم على حملة واسعة من العقوبات تستهدف الدول والمؤسسات المالية التي تواصل التعامل التجاري مع إيران أو تساعدها على الالتفاف على العقوبات الأمريكية.

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على 60 كيانًا وشخصًا وسفينة، بدعوى تمكين إيران من الحصول على تكنولوجيا نووية وصاروخية، أو دعم عمليات إلكترونية، أو المساعدة في بيع النفط الإيراني.

ما الذي تعتمد عليه الاستراتيجية الأمريكية؟

لا تقتصر العقوبات الجديدة على صادرات النفط، بل تتوسع لتشمل الأصول الرقمية والذهب وقطاعات الطيران، وهي قطاعات تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تمويل الاقتصاد الإيراني.

ووصف «بيسنت» هذه الحملة بأنها محاولة لإسقاط «آخر الخيارات المتاحة» أمام إيران، مستخدمًا تشبيهًا لافتًا بمعركة نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية.

ويعتمد نجاح هذه الاستراتيجية بدرجة كبيرة على قدرة الولايات المتحدة على إقناع أبرز الشركاء التجاريين لإيران بتقليص أو قطع علاقاتهم الاقتصادية مع طهران، وهو أمر قد يكون أكثر تعقيدًا في ظل تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية بين إيران وعدد من القوى الدولية.

كما تعكس الاستراتيجية رغبة أمريكية في تجنب الانخراط في حملة عسكرية واسعة النطاق، والتوجه بدلًا من ذلك نحو وضع يمكن وصفه بـ«اللاحرب واللاسلم»، بحيث تسعى مختلف الأطراف إلى الإبقاء على الوضع القائم، ريثما يعيد كل طرف ترتيب أوراقه.

وبذلك تراهن واشنطن على أن يتمكن الضغط الاقتصادي من تحقيق ما لم تتمكن العمليات العسكرية من تحقيقه، لكن هذه المراهنة تظل محفوفة بالمخاطر، خصوصًا إذا أدى الضغط المتزايد إلى دفع طهران نحو خيارات أكثر تصعيدًا.

وتأتي هذه التحركات في وقت تشير فيه استطلاعات رأي متعددة إلى تراجع شعبية ترامب إلى مستويات متدنية، وسط انتقادات متزايدة لسياسته الخارجية، بالتزامن مع حالة من عدم الرضا عن أدائه في الملفات الداخلية.

متى تدخل الاستراتيجية حيز التنفيذ؟

حتى الآن، لا تزال الاستراتيجية في إطار التحذيرات والتهديدات، في انتظار الإعلان الرسمي عن موعد بدء تنفيذها وتفاصيل الإجراءات التي ستتخذها واشنطن.

وبرر «بيسنت» عدم تطبيق العقوبات بصورة فورية بمنح الأطراف المعنية فرصة لتصحيح سلوكها، مشيرًا إلى أن الرئيس ترامب يجري اتصالات سرية مع عدد من قادة العالم لحشد الدعم للضغط على إيران وخنق اقتصادها.

ورفض «بيسنت» الكشف عن أسماء هؤلاء القادة أو تحديد موعد نهائي لبدء التحرك، مكتفيًا بالتأكيد على أن الولايات المتحدة لا تملك «صبرًا لا نهائيًا».

ما قدرة إيران على مواجهة الحصار الاقتصادي؟

تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن إيران تواجه بالفعل ضغوطًا شديدة، إذ أدى الحصار البحري الأمريكي إلى تقييد صادرات النفط، التي تمثل المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد.

وفي الداخل، يواجه المواطنون الإيرانيون ضغوطًا اقتصادية متزايدة، مع تراجع قدرتهم الشرائية وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وبلغ التضخم الغذائي، وفق المعطيات الواردة، 128% على أساس سنوي في يوليو، فيما تراجع استهلاك الأسر من اللحوم وغيرها من السلع الغذائية الأساسية.

كما انخفضت قيمة الحد الأدنى للأجور بالدولار من نحو 105 دولارات إلى 86 دولارًا منذ أواخر مارس، بالتزامن مع تراجع حاد في قيمة الريال الإيراني.

وفي يوم الاثنين، واصلت العملة الإيرانية تراجعها إلى مستوى قياسي جديد، مسجلة نحو 2.02 مليون ريال مقابل الدولار الواحد.

ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الاقتصاد، إذ إن اندلاع جولة جديدة من القتال قد يزيد من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة، التي لا يزال جزء كبير منها يخضع لأعمال إصلاح جراء المواجهات السابقة.

ومن شأن أي تصعيد عسكري جديد أن يعقد جهود إعادة الإعمار، ويزيد الضغوط على المالية العامة، ويعطل حركة الواردات، ويدفع الاقتصاد الإيراني المنهك إلى دورة جديدة من الدمار والخسائر.

ردود الفعل الدولية.. الصين في مواجهة الضغوط الأمريكية

حذرت واشنطن الدول والشركات من مواصلة علاقاتها التجارية مع إيران، ملوّحة بفرض عقوبات ثانوية عليها، إلا أن وزارة الخزانة الأمريكية لم تتخذ حتى الآن إجراءات مماثلة ضد أبرز الشركاء التجاريين لطهران، وعلى رأسهم الصين والهند، نظرًا لما قد يترتب على ذلك من تداعيات على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي.

ولم يقدم «بيسنت» إجابة واضحة بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لتجاوز خطوط حمراء جديدة مع الصين، التي تعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، وذلك قبيل الزيارة الرسمية المقررة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى واشنطن في سبتمبر.

وتشتري الصين نحو 80% من النفط الخام الإيراني المنقول بحرًا، وهو ما يجعل موقفها عنصرًا حاسمًا في مدى نجاح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.

وردت بكين بتحذير واضح من أنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها في حال استهدافها بالعقوبات الأمريكية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة واشنطن على تنفيذ حملة اقتصادية شاملة دون الدخول في مواجهة مع واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم.

وفي المقابل، اتخذت الإمارات العربية المتحدة، التي تمثل بوابة مالية وتجارية تقليدية لإيران، في 19 أغسطس قرارًا بتعليق المعاملات المالية والتجارية مع طهران، وهو إجراء من شأنه أن يضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد الإيراني.

كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على «بنك مصر» بسبب ممارسته أعمالًا تجارية مع طهران، واقترحت قاعدة تقضي بمنع فروع البنك في الإمارات العربية المتحدة من إجراء معاملات بالدولار الأمريكي.

الدبلوماسية.. الخيار الأقل كلفة

في حال خلصت إيران إلى أن الوضع الراهن أصبح غير قابل للاستمرار، فقد تجد نفسها أمام ضغوط لاتخاذ إجراءات تصعيدية تختلف عن تلك التي لجأت إليها سابقًا.

ومن بين الخيارات المحتملة، استئناف الهجمات على القواعد الأمريكية وأنظمة الرادار والمنشآت التي تدعم أنظمة المراقبة البحرية والقيادة والسيطرة، والتي تلعب دورًا في حماية حركة الملاحة وتنسيقها عبر مضيق هرمز.

وحتى الآن، كانت لدى طهران أسباب واضحة لتجنب إلحاق خسائر بشرية كبيرة بالقوات الأمريكية، خشية أن يؤدي ذلك إلى إطلاق حملة عسكرية أمريكية أوسع ضد البنية التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية.

غير أن هذا التحفظ يعتمد على استمرار قناعة القيادة الإيرانية بأن تجنب المواجهة المباشرة يخدم مصالحها ويحسن موقفها الاستراتيجي.

أما إذا خلصت طهران إلى أن استمرار الحصار والضغط الاقتصادي يؤديان إلى إضعاف موقفها بصورة متزايدة، فقد يتراجع استعدادها لتجنب المخاطر، وهو ما يرفع احتمالات التصعيد.

وهنا تحديدًا تبرز الدبلوماسية باعتبارها الخيار الأقل تكلفة بالنسبة إلى الطرفين، فقد تراهن واشنطن على أن يؤدي الوقت والضغط الاقتصادي إلى تحسين موقفها التفاوضي، في حين قد ترى طهران بصورة متزايدة أن استمرار هذه الضغوط يؤدي إلى تضييق هامش المناورة أمامها.

وهذا المزيج يمثل معادلة شديدة الخطورة؛ لأن استمرار الضغط من جانب، وشعور الطرف الآخر بتقلص خياراته من جانب آخر، قد يدفعان نحو قرارات أكثر تصعيدًا.

هل تعود المفاوضات إلى الواجهة؟

رغم أن مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في وقت سابق من النزاع لم تكن كاملة، واتهم كل طرف الآخر بانتهاكها، فإنها لا تزال تمثل إطارًا يمكن البناء عليه لإعادة ترتيب خطوات خفض التصعيد، وتنظيم الترتيبات البحرية، وتخفيف العقوبات، واستئناف المفاوضات، غير أن إحياء هذا الإطار يتطلب تقديم تنازلات متبادلة من واشنطن وطهران، وهو أمر لن يكون سهلًا في ظل انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحصار الاقتصادي قادرًا على إضعاف إيران، بل ما إذا كان هذا الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات والعودة إلى طاولة المفاوضات، أم سيدفعها إلى اتخاذ خطوات أكثر تصعيدًا.

فالبديل عن الدبلوماسية هو السماح لاستراتيجية كل طرف بتعزيز أسوأ افتراضاته تجاه الطرف الآخر، إلى أن يصبح التصعيد أمرًا يبدو حتميًا، لا خيارًا يمكن تجنبه.

ومن هنا، قد تكون الدبلوماسية، رغم صعوبتها، المسار الأقل كلفة لواشنطن وطهران، قبل أن تتحول الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتبادلة إلى شرارة مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

زر الذهاب إلى الأعلى