عربي ودولي

نقص صواريخ «باتريوت» يهدد جاهزية واشنطن لمواجهة موسكو وبكين

كشفت وكالة «أسوشيتد برس» عن نقص حاد ومثير للقلق في صواريخ «باتريوت» الاعتراضية المتطورة لدى الجيش الأمريكي وحلفائه في حلف شمال الأطلسي «الناتو» بأوروبا، وهي الصواريخ القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية عالية السرعة.

ويرجع النقص، بشكل رئيسي، إلى الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران، والتي دفعت الولايات المتحدة إلى نقل جزء كبير من مخزون الصواريخ الاعتراضية المتمركز في أوروبا إلى الشرق الأوسط، ما أثار مخاوف بشأن نقاط الضعف التي قد تواجهها دول «الناتو» في حال تعرضت لهجوم روسي محتمل.

وفي حال شنت روسيا هجومًا بصاروخ باليستي على مقر عسكري أو محطة لتوليد الطاقة في أوروبا، على سبيل المثال، فقد يجد «الناتو» نفسه في وضع مشابه لأوكرانيا التي تعاني نقصًا حادًا في صواريخ «باتريوت»، ما قد يجبره على تحمل ضربات متتالية.

ولا يمتلك الجيش الأمريكي، على الأرجح، عددًا كافيًا من صواريخ «باتريوت» للتصدي لهجوم باليستي روسي مستمر، كما قد تكون قدرته على الدفاع ضد ضربة باليستية واحدة أو اعتراض صاروخ روسي طائش ينحرف عن مساره محدودة للغاية.

تداعيات الحرب الإيرانية

تتوالى تداعيات قرار ترامب شن الحرب على إيران، في صراع دخل شهره السادس، بعدما جرى نقل جزء من مخزونات الصواريخ الأمريكية الموجودة في أوروبا إلى الشرق الأوسط.

وأطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج أعدادًا كبيرة من الصواريخ الاعتراضية، من بينها صواريخ «باتريوت»، للتصدي لهجمات الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية، وهو ما أدى إلى استنزاف جزء كبير من المخزون الأمريكي.

كيف تعمل الصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الأمريكية؟

تمثل الصواريخ الباليستية تحديًا كبيرًا لمنظومات الدفاع الجوي، نظرًا إلى سرعتها الفائقة أثناء توجهها إلى أهدافها، إذ يمكن أن تتجاوز سرعتها خمسة أضعاف سرعة الصوت، ما يترك وقتًا محدودًا للغاية أمام أنظمة الدفاع لاعتراضها.

ويعمل نظام «باتريوت» على تتبع الصاروخ وتوقع مساره، ثم إطلاق الصاروخ الاعتراضي خلال دقائق، بالتزامن مع إجراء حسابات معقدة لضمان إصابة الهدف.

وتغطي بطارية «باتريوت» الواحدة نطاقًا محدودًا، إذ يمكنها حماية قاعدة عسكرية صغيرة، لكنها لا تستطيع تأمين مدينة بأكملها.

وتعد صواريخ «باتريوت» و«ثاد» الاعتراضية من أهم وسائل التصدي للهجمات الباليستية التي قد تكون كارثية، في حين تمكن صواريخ «توماهوك» و«ATACMS» و«PrSM» الجيش الأمريكي من توجيه ضربات إلى أهداف بعيدة المدى.

هل النقص في الذخائر حقيقي؟

نعم، النقص في الذخائر حقيقي، لكنه يتركز بشكل أساسي في صواريخ الاعتراض الدفاعية عالية التقنية والأسلحة الهجومية بعيدة المدى.

في المقابل، لا يزال الجيش الأمريكي يحتفظ بمخزونات ضخمة من الأسلحة التقليدية، مثل قذائف الهاون والمدفعية والقنابل غير الموجهة وغيرها، ولم تؤثر الحرب مع إيران بشكل كبير في هذه المخزونات.

وبحسب مارك كانسيان، العقيد المتقاعد في مشاة البحرية الأمريكية وكبير المستشارين حاليًا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، تسلمت أوكرانيا صواريخ «باتريوت» من المخزونات الأمريكية والأوروبية منذ بدء الغزو الروسي عام 2022، فيما زودتها الولايات المتحدة بنحو 600 صاروخ اعتراضي خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

أين ذهب مخزون صواريخ «باتريوت»؟

بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، كان أكبر استنزاف لمخزون الصواريخ الاعتراضية الأمريكية خلال الحرب مع إيران.

واستهلكت الولايات المتحدة نحو 65% من مخزون صواريخ «باتريوت»، أي ما يقرب من 1500 صاروخ من أصل نحو 2330 صاروخًا اعتراضيًا، ما يعني بقاء أقل من 830 صاروخًا في المخزون الأمريكي.

كما أطلقت الولايات المتحدة 452 صاروخًا من منظومة «ثاد»، بما يمثل نحو 40% من مخزونها، ليتبقى أقل من 280 صاروخًا، إلى جانب نحو 150 صاروخًا من طراز «ستاندرد» مخصصًا لاعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ.

كما انخفض مخزون صواريخ «توماهوك» المجنحة من نحو 3000 صاروخ في بداية الحرب إلى نحو 2000 صاروخ حاليًا، بانخفاض يقارب الثلث.

وفي الوقت نفسه، أوشكت مخزونات صواريخ نظام الصواريخ التكتيكية للجيش الأمريكي «ATACMS» وصواريخ الضربات الدقيقة «PrSM» على النفاد.

وبالإضافة إلى صواريخ «باتريوت» الاعتراضية، تراجعت مستويات أسلحة أخرى متمركزة في أوروبا إلى مستويات متدنية للغاية، من بينها الصواريخ دقيقة التوجيه والصواريخ الموجهة.

كما جرى نقل صواريخ «ثاد» المضادة للصواريخ وأنظمة «ميروبس» المضادة للطائرات المسيرة من أوروبا إلى الشرق الأوسط، ما أدى إلى زيادة الضغط على الإمدادات العسكرية الموجودة في القارة الأوروبية.

متى يمكن تعويض صواريخ «باتريوت»؟

قال كانسيان، إنه من المتوقع إنتاج نحو 600 صاروخ «باتريوت» خلال العام الحالي، بما في ذلك الصواريخ المخصصة لأوروبا، مع وجود هدف لرفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 2000 صاروخ سنويًا بحلول عام 2030.

كما أعلن حلف «الناتو»، أنه من المتوقع افتتاح أول منشأة لإنتاج صواريخ «باتريوت» في أوروبا، بألمانيا، خلال سبتمبر، على أن تبدأ عمليات التسليم مطلع العام المقبل.

وقال مسؤول دفاعي أمريكي إن الشحنات الأولى ستُرسل إلى الدول التي سبق أن طلبت هذه الأنظمة، ومن بينها ألمانيا وهولندا ورومانيا وإسبانيا.

ويعني ذلك أن بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، التي أنفقت مليارات الدولارات لشراء أنظمة «باتريوت»، قد تجد نفسها في الوقت الراهن أمام معضلة صعبة، تتمثل في امتلاك أنظمة دفاعية متطورة، من دون امتلاك ما يكفي من الذخائر اللازمة لتشغيلها بكفاءة.

هل يمكن أن تشن موسكو هجومًا بالصواريخ الباليستية؟

بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، لا تتوقع الاستخبارات الأمريكية شن روسيا هجومًا صاروخيًا باليستيًا على دول «الناتو» في المستقبل القريب.

وفي الوقت نفسه، توجه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إلى موسكو هذا الأسبوع لتحذير روسيا من شن هجوم.

وعندما سأل الصحفيون، الخميس، الرئيس ترامب عما إذا كان راتكليف قد نقل هذه الرسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قدم ترامب إجابة مراوغة، قائلًا إنه لا يريد التعليق، لكنه أكد أن موسكو لن تشن هجومًا.

متى يمكن لموسكو أن تشن هجومها؟

يقول مسؤولون في حلف شمال الأطلسي، إن روسيا قد تكون قادرة على مهاجمة دول الحلف بحلول عام 2030.

وبحلول ذلك الوقت، من المتوقع أن تكون مخزونات صواريخ «باتريوت» قد تعافت إلى مستويات أفضل.

وفي غضون ذلك، قد تؤثر الحرب الروسية في أوكرانيا على قدرة موسكو على شن هجوم صاروخي واسع على أوروبا، إذ سيمثل ذلك تحديًا كبيرًا لروسيا في حال اضطرت إلى خوض حرب جوية على جبهتين.

كما كشفت الضربات الأوكرانية الأخيرة داخل الأراضي الروسية عن نقاط ضعف في منظومة الدفاع الجوي الروسية، وهو ما قد يدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى التفكير مليًا قبل شن هجوم انتقامي واسع.

ماذا عن بكين؟.. هل تستطيع غزو تايبيه؟

تواصل بكين تصعيد أنشطتها العسكرية خلال العام الحالي، في أعقاب مناوراتها العسكرية غير المسبوقة حول تايوان في ديسمبر.

كما وسعت الصين بنيتها التحتية العسكرية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وشددت الضغط على تايبيه عبر سلسلة من مناورات خفر السواحل الجديدة بالقرب من الجزيرة.

وفي يوليو، احتفلت بكين بأول تجربة معروفة لصاروخ بحري قادر على حمل رؤوس نووية، ما أثار مخاوف الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا.

وبحسب مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية، أصدر الرئيس الصيني شي جين بينج تعليمات إلى جيش بلاده بأن يكون قادرًا على غزو تايوان بحلول عام 2027، رغم أن التقييمات الأخيرة تشير إلى أن القادة الصينيين لا يملكون حاليًا خططًا وشيكة لتنفيذ الغزو.

لكن هذا الموعد النهائي النظري يسلط الضوء على ما يصفه محللون ومسؤولون بـ«الثغرة الأمنية» في مخزونات الذخيرة الأمريكية.

وتتفوق الدفاعات الجوية الصينية على نظيرتها الإيرانية بمراحل، ما يجعل الهجمات القريبة أكثر خطورة، ويزيد الاعتماد على الصواريخ بعيدة المدى القادرة على ضرب أهداف من مسافات آمنة.

وفي محاكاة أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استهلكت الولايات المتحدة، في السيناريوهات المتعلقة بصراع مع الصين، نحو 5000 صاروخ بعيد المدى خلال أربعة أسابيع فقط.

هل صواريخ «باتريوت» هي وسيلة الحماية الوحيدة لـ«الناتو» وواشنطن؟

الوضع العام للذخائر في أوروبا أقل خطورة من وضع منظومات الدفاع الجوي وحدها، إذ تمتلك بعض الجيوش الأوروبية صواريخ هجومية خاصة بها، مثل صاروخي «توروس» و«ستورم شادو»، وهما صاروخان بعيدا المدى يطلقان من الجو وقادران على اختراق التحصينات.

كما يعاني الجيش الأمريكي في أوروبا نقصًا حادًا في نظام الصواريخ التكتيكية للجيش «ATACMS»، وهو صاروخ باليستي متوسط المدى مصمم لضرب أهداف خلف خطوط العدو.

ومن ثم، فإن ندرة صواريخ «باتريوت» الاعتراضية في أوروبا ستترك خيارات محدودة أمام دول «الناتو» للتصدي للصواريخ الباليستية الروسية الأكثر تطورًا، والتي يمكن أن تترافق مع أسراب من الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة لإرباك منظومات الدفاع الجوي.

وتستخدم أوكرانيا وبعض حلفائها بالفعل أنظمة قادرة على تدمير الطائرات المسيرة البطيئة من دون الحاجة إلى استخدام صواريخ باهظة التكلفة.

هل هناك بدائل لصواريخ «باتريوت»؟

يمكن أن يمثل نظام الدفاع الجوي الفرنسي-الإيطالي «SAMP/T NG» أحد البدائل المحتملة.

وقد وعدت فرنسا بتسريع عمليات تسليم هذا النظام، وهو النسخة المطورة من نظام «SAMP/T» الحالي الذي أُرسل إلى أوكرانيا، والتي يقول المصنع إنها أكثر قدرة على مواجهة الصواريخ الباليستية.

لكن النسخة الجديدة لم تخضع لاختبارات ميدانية حتى الآن، فيما يبلغ مدى النسخة الحالية من «SAMP/T» نطاقًا أقصر من نظام «باتريوت».

تحدي البنتاجون

يجد البنتاجون نفسه أمام معضلة متزايدة، بعدما تغير العالم بوتيرة أسرع من تغير الاستراتيجية العسكرية الأمريكية.

فبعد انتهاء الحرب الباردة، قررت واشنطن التركيز على الجودة أكثر من الكمية، وتطوير أسلحة متقدمة وباهظة التكلفة وصعبة الإنتاج، في ظل عدم وجود منافس حقيقي قادر على تحدي التفوق العسكري الأمريكي.

لكن المعادلة بين الجودة والكمية تغيرت بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة.

وأصبح استخدام صواريخ اعتراضية تبلغ تكلفتها ملايين الدولارات لإسقاط طائرات مسيرة قد لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها عشرات الآلاف من الدولارات خيارًا غير مثالي من الناحية الاقتصادية والعسكرية.

لذلك، يتمثل التحدي الرئيسي أمام البنتاجون، الذي لم يُعرف تاريخيًا بالمرونة والسرعة في التكيف، في إعادة تنشيط القاعدة الصناعية الدفاعية وتسريع إنتاج الأسلحة، بالتوازي مع إعادة النظر في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في عالم قد تصبح فيه الكمية، في بعض ساحات القتال، أكثر أهمية من الجودة وحدها.

زر الذهاب إلى الأعلى