خبيرة في الشؤون الصينية لـ«ليبرالي»: البحر الأحمر وسد النهضة يكشفان حسابات بكين في أفريقيا
من الموانئ إلى «بريكس».. الصين تبني إمبراطورية نفوذ في أفريقيا

د. نادية حلمي، الخبيرة في الشؤون الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الصيني: البحر الأحمر محور استراتيجي لحماية مصالح بكين وتأمين طرق التجارة وسلاسل الإمداد العالمية
خبيرة الشؤون الصينية: سد النهضة يكشف توازن المصالح الصينية بين مصر وإثيوبيا، ودور بكين كوسيط تنموي وتقني هادئ
لم تعد المنافسة بين القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين تُحسم فقط عبر القوة العسكرية أو التحالفات السياسية التقليدية، بل أصبحت الموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة والتكنولوجيا أدوات جديدة لصناعة النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة الدولية.
وفي قلب هذه المعادلة، تتحرك الصين بخطوات استراتيجية داخل القارة الأفريقية، مستندة إلى توسيع حضورها الاقتصادي واللوجستي من خلال تمويل مشروعات ضخمة للبنية التحتية، وربط الموانئ بخطوط النقل والمناطق الصناعية، بما يحول الاستثمارات الاقتصادية إلى أوراق تأثير سياسي وأمني.
ويمتد النفوذ الصيني إلى مناطق شديدة الحساسية للأمن العالمي، وعلى رأسها البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث ترتبط حركة التجارة الصينية بأوروبا عبر قناة السويس، وصولًا إلى إنشاء أول قاعدة عسكرية صينية خارجية في جيبوتي عام 2017، إلى جانب تعزيز حضورها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
كما تضع بكين بصمتها في ملفات إقليمية معقدة، من بينها أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، حيث تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين مصالحها الاستراتيجية مع الطرفين، في ظل كونها شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا لإثيوبيا ومستثمرًا مؤثرًا في مصر.
وفي الوقت نفسه، يتحول الثقل الاقتصادي الصيني إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي عبر تجمع «بريكس»، وتوسيع التحالفات مع دول أفريقية وعربية، بالتوازي مع تمدد أمني وتكنولوجي يشمل التعاون الدفاعي وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات.
لكن هذا الصعود الصيني لا يخلو من جدل؛ فبينما ترى بكين أن وجودها يساهم في سد فجوة البنية التحتية ودعم التنمية الأفريقية، تحذر قوى غربية من مخاطر ما تسميه «فخ الديون»، واحتمالات تحول بعض الاستثمارات المدنية إلى أدوات نفوذ استراتيجي.
وفي هذا الحوار مع «ليبرالي»، تكشف الدكتورة نادية حلمي، الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشؤون الآسيوية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف، خريطة النفوذ الصيني في أفريقيا، وكيف تتحول الاستثمارات إلى قوة سياسية وأمنية، وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى مصر وملفات البحر الأحمر وسد النهضة ومستقبل التنافس الدولي على القارة.
كيف تستفيد مصر من تنامي النفوذ الصيني في أفريقيا؟ وما انعكاسات الحضور الاقتصادي والاستراتيجي لبكين على ملفات الموانئ والبحر الأحمر وسد النهضة والأمن الإقليمي؟
تستخدم الصين بكثافة أدواتها الاقتصادية وتمويل البنية التحتية لبناء نفوذ استراتيجي عميق في أفريقيا، ويمثل هذا الحضور الاقتصادي واللوجستي للصين وسيلة رئيسية لتوسيع ثقل بكين الجيوسياسي، وتأمين سلاسل الإمداد العالمية ومصادر الطاقة والمواد الخام.
ويتضح انعكاس هذا النفوذ الصيني على الملفات الحيوية المذكورة في عدة محاور.
دور الصين في قطاع الموانئ وبناء القنوات التجارية في أفريقيا
تمتلك الصين مساهمات تمويلية وإدارية وإنشائية في أكثر من 40 ميناءً و78 منشأة بحرية في 32 دولة أفريقية.
وتنتهج الجهات الصينية المعنية عددًا من السياسات داخل أفريقيا، من بينها «ربط السلاسل»، حيث تتبنى بكين استراتيجية «الدمج الرأسي»، بمعنى أنها لا تكتفي ببناء الميناء، وإنما تربطه بخطوط السكك الحديدية ومناطق صناعية تمتد إلى عمق القارة الأفريقية، كما هو الحال في ممر جيبوتي–إثيوبيا، وميناء ليكي في نيجيريا، وميناء مومباسا في كينيا.
وعلى الرغم من الطبيعة التجارية لهذه الموانئ الصينية داخل القارة الأفريقية، فإن القوى الغربية تبدي قلقًا متزايدًا من مخاطر الاستخدام المزدوج، واحتمالية توظيف بعض هذه المنشآت مستقبلًا كمنصات لوجستية ذات استخدام مدني وعسكري لخدمة البحرية الصينية، من خلال تحويل الاستخدام المدني إلى عسكري، خاصة في أوقات الحروب والنزاعات، أو استخدامها كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة بشأن ملف تايوان.
دور الصين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب
يعد البحر الأحمر شريانًا رئيسيًا يربط التجارة الصينية بأوروبا عبر قناة السويس في مصر.
وحفاظًا على الاستثمارات والمصالح الصينية، تُوجت الاستثمارات الصينية في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، ذات الحساسية للمصالح الصينية اللوجستية، بإنشاء جيش التحرير الشعبي الصيني أول قاعدة عسكرية خارجية للصين في جيبوتي عام 2017، بهدف حماية خطوط الملاحة ومكافحة القرصنة.
فضلًا عن ذلك، يوجد حضور صيني كثيف في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث ضخت بكين استثمارات ضخمة في مصر لتعزيز صناعاتها داخل المحور اللوجستي للبحر الأحمر وقناة السويس، وتأمين مسارات الشحن البحري.
دور الصين في ملف سد النهضة بين إثيوبيا ومصر
تتبنى الصين تاريخيًا سياسة «الحياد البراغماتي الحذر» في أزمة سد النهضة، نظرًا إلى امتلاكها مصالح استراتيجية كبرى مع طرفي النزاع الأساسيين، مصر وإثيوبيا.
فمع إثيوبيا، تعد الصين من أكبر المستثمرين والممولين لشبكات نقل الكهرباء والاتصالات في البلاد، كما تمتلك نفوذًا من خلال أوراق الضغط المرتبطة بالديون السيادية الإثيوبية.

أما مع مصر، فترتبط الصين بمصالح حيوية في قناة السويس، كما تعد مصر من الوجهات المهمة والجاذبة للاستثمارات الصينية في المنطقة.
ومع تطور الموقف بين مصر وإثيوبيا، في ظل إصرار أديس أبابا على تشغيل السد والاستمرار في سياساتها المرتبطة بإدارة مياه النيل، دفعت التطورات بكين إلى إظهار قدر أكبر من التوازن، مع التأكيد على أهمية الأمن المائي والغذائي المصري، ودعم الحلول الأفريقية والدبلوماسية، مع إمكانية لعب دور «الوسيط التنموي والتقني الهادئ»، بدلًا من ممارسة ضغوط علنية على أي من طرفي الأزمة.
الملف الأمني وحفظ السلام
تحول النفوذ الاقتصادي الصيني تدريجيًا إلى أدوار أمنية ملموسة، حيث تساهم الصين بشكل متزايد في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أفريقيا.
كما وسعت بكين مبيعاتها العسكرية ومناوراتها المشتركة، بما في ذلك نقل وحدات عسكرية كاملة عبر طائرات شحن استراتيجية وسفن إنزال خلال تدريبات مشتركة مع دول مثل تنزانيا، وذلك بهدف حماية استثماراتها ومواجهة التهديدات الأمنية التي قد تعطل حركة التجارة.
أما عن الآفاق المستقبلية للدور الصيني ومدى إيجابيات نفوذ الصين في أفريقيا، فيمكن رصد اتجاهين متباينين: الاتجاه الصيني المدافع عن تجربته، والاتجاه الأمريكي والغربي المناهض للتجربة الصينية وتوسعها في أفريقيا.
فمن منظور الصين، تتمثل أبرز الإيجابيات والفرص في قدرتها على سد فجوة البنية التحتية في أفريقيا، حيث تساهم الاستثمارات الصينية في بناء الطرق ومشروعات الطاقة والموانئ الحيوية التي تفتقر إليها القارة، بما يسهم في تنشيط التجارة البينية.
وفي المقابل، تبرز المخاوف الغربية والأمريكية بشأن ما يوصف بـ«فخ الديون» داخل بعض البلدان الأفريقية، خاصة مع مواجهة عدد من الدول، مثل كينيا، أعباء مالية وضغوطًا مرتبطة بإعادة جدولة الديون، وهو ما قد يؤثر على السيادة الاقتصادية لبعض الدول الأفريقية.
وفي ما يتعلق بالمشروطية السياسية، تدافع الصين عن تجربتها التنموية في أفريقيا، مؤكدة أنها لا تفرض شروطًا أو إملاءات سياسية أو قيودًا تتعلق بشكل الحكم أو حقوق الإنسان، مقارنة بالمؤسسات الغربية والأمريكية.
في حين تتهم الولايات المتحدة والغرب الصين بإبرام اتفاقيات غير شفافة مع بعض الدول الأفريقية الفقيرة، وبأن بعض عقود الامتياز وإدارة الموانئ تفتقر إلى الشفافية، وتتضمن بنودًا قد تقوض السيطرة المحلية على البيانات والجمارك، وهي اتهامات ترفضها بكين.
ومن حيث التوازن والوساطة التنموية، ترى الصين أنها تستطيع مستقبلًا لعب دور الضامن للاستقرار الإقليمي بين الدول الأفريقية، والوساطة في بعض ملفات الصراع في منطقة القرن الأفريقي، وكذلك في أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، بما يحمي مصالحها الاستراتيجية.
وفي المقابل، تتهم الولايات المتحدة والغرب الصين بتحويل أفريقيا إلى ساحة للصراع الدولي، محذرين من احتمال تحول القارة وموانئها إلى مسرح لتصفية الحسابات والحرب الباردة الجديدة بين واشنطن وبكين.
ومن خلال العرض والتحليل السابق، يمكن القول إن النفوذ الصيني في أفريقيا يحمل إيجابيات ملموسة، أبرزها المساهمة في سد فجوة التنمية والبنية التحتية، لكن تحقيق هذه الإيجابيات يتوقف بدرجة كبيرة على القدرة المؤسسية للدول الأفريقية على التفاوض بشأن شروط متكافئة تحمي سيادتها ومواردها، إلى جانب امتلاك هامش مناورة أكبر في التعامل مع القوى العظمى.
ما دور الأدوات الاقتصادية الصينية في تعزيز النفوذ الصيني داخل أفريقيا؟
تستخدم الصين منصات تمويل بديلة لتعزيز حضورها الاقتصادي في أفريقيا، ومن بينها بنك التنمية الجديد «NDB» التابع لتجمع «بريكس»، لتقديم القروض وتمويل مشروعات البنية التحتية للدول الأفريقية، بعيدًا عن بعض الشروط السياسية والهيكلية الصارمة التي تفرضها مؤسسات التمويل الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
كما تعتمد بكين على الاستثمارات المباشرة واستراتيجية الإقراض والتمويل، فمن خلال ضخ مليارات الدولارات في قطاعات الطاقة والموانئ والسكك الحديدية تحت مظلة مبادرة «الحزام والطريق»، أصبحت الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا للقارة، وهو ما خلق حالة من «الاعتماد المتبادل» عززت مكانة بكين التفاوضية، ومهدت لتحول هذا الثقل الاقتصادي إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي وأمني.
كيف تستخدم الصين نفوذها الاقتصادي لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي عبر تجمع «بريكس»؟
يمثل التحول من الثقل الاقتصادي إلى النفوذ السياسي والدبلوماسي امتدادًا طبيعيًا للقوة الاقتصادية، ويظهر ذلك في عدة مسارات.
أولها توسيع قوة تجمع «بريكس» ككتلة جيوسياسية، حيث قادت الصين بقوة ملف توسيع المجموعة لتضم قوى أفريقية وعربية محورية، مثل مصر وإثيوبيا والإمارات والسعودية وإيران.
ويهدف هذا التوسع إلى بناء كتلة تصويتية وسياسية مؤثرة في المحافل الدولية، يمكن أن تدعم الرؤية الصينية بشأن نظام عالمي متعدد الأقطاب.
كما يشمل ذلك تعزيز الدعم الدبلوماسي المتبادل، بما يضمن للصين قدرًا أكبر من النفوذ والتأييد من الدول الأفريقية داخل الأمم المتحدة في ملفات حساسة، مثل تايوان وحقوق الإنسان وبحر الصين الجنوبي.

هل تحول النفوذ الاقتصادي الصيني في أفريقيا إلى حضور أمني واستراتيجي؟ وما مظاهر هذا التحول؟
نعم، ويمكن وصف التمدد الأمني والاستراتيجي بأنه المرحلة الأكثر حساسية في تطور الحضور الصيني، خاصة أنه بدأ يظهر بصورة أكثر وضوحًا، ويتمثل في عدة مظاهر.
أمن الممرات البحرية والقواعد العسكرية
بدأت بكين في ربط استثماراتها في الموانئ الأفريقية بأبعاد أمنية، وتعد القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، بالقرب من مضيق باب المندب، دليلًا واضحًا على هذا التحول.
المناورات والتعاون الدفاعي
تسعى الصين إلى إضفاء طابع أمني على علاقاتها من خلال أطر التعاون المختلفة، ومن بينها «بريكس»، كما شاركت في مناورات بحرية مشتركة قبالة سواحل جنوب أفريقيا بهدف تأمين خطوط التجارة البحرية، رغم وجود تحفظات لدى بعض أعضاء المجموعة، مثل الهند والبرازيل، اللتين تفضلان الإبقاء على «بريكس» في إطار اقتصادي وتجنب تحويله إلى تحالف أمني.
تصدير التكنولوجيا
لا تقتصر الاستثمارات الصينية على قطاعات المواد الخام والبنية التحتية التقليدية، بل تمتد إلى تأسيس شبكات الاتصالات للجيل الخامس «5G» ومراكز البيانات الحكومية في أفريقيا، بما يمنح الصين نفوذًا تكنولوجيًا واستراتيجيًا بعيد المدى.
ما حدود النفوذ الصيني في أفريقيا وأبرز التحديات التي تواجه استمرار تمدده؟
على الرغم من نجاح الاستراتيجية الصينية في توسيع نفوذها داخل أفريقيا، فإن هناك تحديات جوهرية تحول دون وصول بكين إلى الهيمنة المطلقة على القارة.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات الخلافات الداخلية داخل تجمع «بريكس»، إذ لا يوجد إجماع كامل داخل المجموعة بشأن تحويل التكتل إلى أداة جيوسياسية أو أمنية في مواجهة الغرب.
فالهند والبرازيل، على سبيل المثال، ترفضان تحويل «بريكس» إلى أجندة عسكرية أو أمنية، وتفضلان الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن.
كما تتصاعد المخاوف المحلية داخل أفريقيا بشأن الوقوع في «فخ الديون» الصينية، إلى جانب المطالب بالانتقال من مجرد تصدير المواد الخام إلى توطين الصناعات الحقيقية، بما يضمن تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية أكبر للشعوب الأفريقية.
وتكشف التجربة الصينية في أفريقيا، أن النفوذ في العصر الحديث لم يعد يُبنى فقط عبر القواعد العسكرية، وإنما من خلال الموانئ والديون والطاقة والتكنولوجيا وشبكات التجارة، حيث نجحت بكين في تحويل حضورها الاقتصادي إلى أوراق سياسية واستراتيجية تمتد من أعماق القارة الأفريقية إلى طرق الملاحة العالمية.
ومع استمرار التنافس بين الصين والولايات المتحدة على النفوذ الدولي، تبقى أفريقيا أمام فرصة تاريخية للاستفادة من تعدد الشركاء، بشرط امتلاك القدرة على التفاوض وحماية المصالح الوطنية، حتى لا تتحول القارة من ساحة للاستثمار والتنمية إلى ساحة للصراع بين القوى الكبرى.
أما بالنسبة إلى مصر، فإن موقعها الجغرافي وقناة السويس ودورها الإقليمي يمنحها فرصة لتعظيم الاستفادة من الشراكة الصينية، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة والصناعة، مع الحفاظ على توازن استراتيجي يضمن أمنها المائي والقومي في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي.






