كندا تصعّد ضد ترامب.. رسوم جمركية على السلع الأمريكية تصل إلى 50%
تصاعد الحرب التجارية الأمريكية-الكندية.. الرسوم تهدد حركة التجارة عبر الحدود
دخلت الرسوم الجمركية الكندية الانتقامية على السلع الأمريكية، البالغة قيمتها 20 مليار دولار، حيز التنفيذ بعد منتصف ليل الثلاثاء، ما أدى إلى تصعيد الحرب التجارية بين البلدين.
وكانت الحكومة الكندية قد أعلنت عن الرسوم الجمركية المزمع تطبيقها قبل أسبوعين، وذلك بعد انهيار المفاوضات التجارية وتنفيذ إدارة الرئيس ترامب تهديدها بفرض رسوم بنسبة 50% على سلع كندية بقيمة 20 مليار دولار، وتعهد المسؤولون الكنديون بمضاهاة الرسوم الأمريكية «دولارًا مقابل دولار».
سلسلة تطورات الأحداث
هدد الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية باهظة على البضائع الكندية والمكسيكية بعد عودته إلى منصبه العام الماضي، ردًا على ما اعتبره إجراءات غير كافية لمنع تهريب المخدرات ودخول المهاجرين إلى الولايات المتحدة.
وردت كندا بإجراءات مماثلة، شملت فرض رسوم جمركية على البضائع الأمريكية ومقاطعة المشروبات الكحولية الأمريكية في بعض المقاطعات.
وأطلق الجانبان لاحقًا محادثات تجارية، وألغيا بعضًا من أشد إجراءاتهما صرامة، لكن التوترات ظلت قائمة، كما اختار الرئيس ترامب عدم تجديد اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التي وقعها خلال ولايته الأولى، لما بعد عام 2036.
ونشب أيضًا خلاف بين البلدين حول حلف شمال الأطلسي «الناتو»، إلى جانب تصريحات الرئيس ترامب بشأن ضم كندا لتصبح الولاية الأمريكية الحادية والخمسين.
وهددت إدارة الرئيس ترامب خلال الصيف بفرض رسوم جمركية على سلع كندية بقيمة 20 مليار دولار، متهمة كندا بالتمييز ضد المنتجات الأمريكية والرد المفرط على الإجراءات التجارية التي اتخذها ترامب في عام 2025.
وتم تأجيل فرض الرسوم الجمركية الشهر الماضي لفترة وجيزة، مع اقتراب المفاوضين الأمريكيين والكنديين من التوصل إلى اتفاق، لكنهما لم يتمكنا في نهاية المطاف من إبرام اتفاق، وتبادل الجانبان الاتهامات بتخريب المفاوضات من خلال إضافة مطالب في اللحظات الأخيرة.
وبعد الانسحاب من المحادثات، زعم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن إدارة الرئيس ترامب طلبت الكثير وقدمت القليل جدًا، وضغطت من أجل السيطرة على اتفاقيات كندا التجارية مع الدول الأخرى، وهو ترتيب وصفه بأنه تهديد لسيادة البلاد.
كما قال إن توقيع الولايات المتحدة كان مكتوبًا بقلم رصاص على الاتفاقيات السابقة، واتهم الرئيس ترامب كندا بممارسات تجارية غير عادلة، زاعمًا أنها تريد مزايا كونها دولة دون أن تكون كذلك.
ما سبب فرض تلك الرسوم الجمركية؟
فرضت كندا الرسوم الجمركية ردًا على الرسوم الأمريكية المفروضة على الحليب والعسل وعصي الهوكي والمشروبات الكحولية والخشب الرقائقي والريش والمجوهرات وغيرها من السلع الكندية.
ومن المتوقع أن تلحق الرسوم الجمركية الكندية ضررًا بالغًا بالمصنعين في ولايات الغرب الأوسط الأمريكي، مثل ميشيجان وإنديانا، فضلًا عن منتجي الألبان في ويسكونسن وفيرمونت.
ويضع الرئيس ترامب ومساعدوه اللمسات الأخيرة على قائمة جديدة من التعريفات الجمركية تستهدف عشرات الدول الإضافية التي تتهمها الإدارة الأمريكية بممارسات تجارية غير عادلة.
ومن المتوقع أن تكشف الجولة الأخيرة من التعريفات عن الدول الأخرى التي تنتج كميات زائدة من سلع معينة، وفقًا لما وصفته الإدارة الأمريكية بـ«الطاقة الإنتاجية الفائضة»، ما أدى إلى عجز تجاري أمريكي كبير ومستمر مع تلك الدول.
وتهدف هذه الضرائب، التي قد تُفرض هذا الأسبوع، إلى استبدال بعض الرسوم التي ألغتها المحكمة العليا في فبراير.
ومما يزيد من حدة التوترات، أن الرئيس ترامب هدد بحظر جميع أشكال التجارة مع الدول التي تصدر إلى الولايات المتحدة أكثر مما تستورد منها.
وتعاني الولايات المتحدة حاليًا من عجز تجاري هائل في السلع والخدمات مع عشرات الشركاء التجاريين، بما في ذلك العديد من الشركاء في أوروبا وآسيا.
ما السلع الأمريكية التي ستخضع للرسوم التجارية الكندية؟
ستتراوح الرسوم الجمركية الكندية بين 15% و50%، وستُفرض على سلع أمريكية، مثل الحليب والعطور وأجهزة ألعاب الفيديو ومضارب الجولف وقصبات الصيد والصلب والألومنيوم والسترات والقمصان، رسوم جمركية بنسبة 50%.
أما الجبن والسجاد وبعض الأجهزة المنزلية، مثل المواقد ومكيفات الهواء، فستخضع لرسوم جمركية بنسبة 25%، بينما ستخضع الرافعات الشوكية والقوالب الصناعية لرسوم بنسبة 15%.
وتُضاف هذه الرسوم إلى الضرائب الانتقامية الحالية التي فرضتها كندا على السيارات والشاحنات الأمريكية الجاهزة التي لا يشملها اتفاق التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، والمعروفة باسم «USMCA» في الولايات المتحدة و«CUSMA» في كندا.
ما المنتجات التي استثنتها كندا من الرسوم الجمركية؟
كان رد فعل قطاع مصايد الأسماك كافيًا لدفع كندا إلى تعديل تعريفاتها الجمركية المضادة، من خلال إزالة عشرات الأصناف من المأكولات البحرية لتجنب أي تداعيات غير مقصودة على اقتصادها.
ويعتمد قطاع جراد البحر في كل من كندا والولايات المتحدة اعتمادًا كبيرًا على الآخر، حيث يُرسل جراد البحر الأمريكي غالبًا إلى كندا للمعالجة قبل شحنه مرة أخرى إلى الولايات المتحدة وبيعه هناك.
هل ستؤثر الرسوم الجمركية على حركة السلع العابرة للحدود بين البلدين؟
تؤثر هذه الرسوم المتبادلة على نسبة ضئيلة من السلع التي تعبر الحدود الأمريكية-الكندية، والتي بلغت قيمتها 900 مليار دولار العام الماضي، وفقًا لإحصاءات الحكومة الأمريكية، إلا أنها تمثل تصعيدًا في نزاع تجاري متصاعد بين الحليفين.
وعلى صعيد الصادرات الكندية المتجهة إلى الولايات المتحدة، انخفضت حصتها إلى 66% في يوليو، مقارنة بمتوسط بلغ 75% قبل بدء الحرب التجارية، وفقًا للأرقام التجارية لشهر يوليو.
كيف يمكن لكندا مواجهة قرارات الولايات المتحدة الأحادية؟
يمكن لكندا أن تتجه إلى آسيا، حيث بلغت وجهة الصادرات الكندية إلى الاتحاد الأوروبي والصين نحو 5% في النصف الأول من عام 2026، وقد وضعت البلاد أسسًا لهذا التعاون.
وتعد اليابان وكوريا الجنوبية من الأولويات العاجلة، لما تتمتعان به من قوة شرائية وسيادة قانونية راسخة، إلى جانب العلاقات القوية التي تربطهما بكندا.
كما أن معظم التجارة بين كندا واليابان، وبين كندا وكوريا الجنوبية، معفاة حاليًا من الرسوم الجمركية أو ستصبح كذلك قريبًا.
وتقدم كندا لكوريا الجنوبية واليابان منتجات الطاقة والمنتجات الزراعية، بينما تزود اليابان وكوريا كندا بالبطاريات وأشباه الموصلات والآلات، بالإضافة إلى تعزيز قدرات بناء السفن.
وتقدم تايوان أيضًا مزايا مماثلة، إذ ينتظر إطار التعاون التجاري بين تايوان وكندا التوقيع.
ومن القطاعات الأخرى التي يمكن أن تستفيد من التحول نحو آسيا الصناعات الغذائية والزراعية، ومنتجات الغابات، والألومنيوم، والآلات، والخدمات الرقمية.
وتعد منطقة جنوب شرق آسيا منطقة نمو مهمة لهذه القطاعات، وتعتبر فيتنام وماليزيا وسنغافورة جميعها شركاء في اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ «CPTPP».
وتوفر فيتنام فرصًا للنمو والطلب على التصنيع، بينما تتيح ماليزيا فرصًا في الصناعات الغذائية المصنعة، وتتمتع سنغافورة بأهمية باعتبارها قاعدة إقليمية، فضلًا عن كونها سوقًا نهائية متطورة، لا سيما بالنسبة إلى المنتجات الزراعية والغذائية والتكنولوجية المتخصصة.
أما الصين فستبقى سوقًا انتقائية بالنسبة إلى كندا، سواء من حيث التوريد أو التصدير، نظرًا إلى حساسية الوضع الأمني القومي ووجود فائض في الطاقة الإنتاجية.
وبعيدًا عن النفط، من المرجح أن يتركز التبادل التجاري بين كندا والصين على مجالات أقل حساسية، كالورق واللب والمواد الصناعية والسلع الاستهلاكية الفاخرة.
الحرب التجارية وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية
تشكل الحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وكندا ضغطًا سياسيًا إضافيًا على الجمهوريين الساعين إلى الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.
وأثار تهديد الرئيس ترامب بحظر بيع طائرات «بومباردييه» الكندية ما لم تُصنع في الولايات المتحدة، ردود فعل معارضة من الجانب الجمهوري.
وفي بيانها، لم تتطرق «بومباردييه» مباشرة إلى تصريحات الرئيس ترامب، حيث قالت الشركة إن لديها مواقع في تسع ولايات أمريكية وواشنطن العاصمة، وأشارت إلى أنها تصنع أجنحة طائراتها في مصنعها بولاية تكساس، ومكونات التحكم في الطيران في كاليفورنيا.
وأضافت الشركة أنها تعمل مع نحو 2800 شركة أمريكية في 47 ولاية، وأنها تقدر شراكتها المميزة مع الشركات الأمريكية وموظفيها في الولايات المتحدة.
وقال السيناتور الجمهوري جيري موران، من ولاية كانساس، في منشور على موقع «X»، إن موقع «بومباردييه» في ويتشيتا يوظف أكثر من ألف شخص، وإنه تواصل مع إدارة الرئيس ترامب للتأكد من إدراك الرئيس للمساهمات الكبيرة التي تقدمها «بومباردييه» لولاية كانساس وأهمية وجودها في ويتشيتا.
وتعتبر ولاية كانساس هدفًا صعب المنال بالنسبة إلى الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، الذين يأملون في إزاحة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.
كما تتأثر ولايات أخرى متنافسة، مثل ميشيجان ومين، بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة وجارتها الشمالية، ما يضيف تعقيدات جديدة أمام المرشحين الجمهوريين الساعين للعودة إلى واشنطن العام المقبل.
استطلاعات الرأي بين القبول والرفض
تظهر استطلاعات الرأي أن «كارني» يحظى بتأييد واسع من الكنديين، لكن هذا التأييد قد يتلاشى في غضون أشهر مع تزايد تداعيات الحرب التجارية.
وأظهر استطلاع رأي أجرته «رويترز/إيبسوس» أن 20% فقط من الأمريكيين يؤيدون الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على البضائع الكندية.






