ما لم يقله الوزير الأسبق أسامة كمال
استمعت إلى مداخلة المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، مع الإعلامي أحمد موسى، تعليقًا على السؤال البرلماني الذي تقدمت به إلى الحكومة بشأن المفاوضات المتعلقة بانتقال عدد من أصول «بي بي» في مصر إلى شركة «إنرجيان».
عدت بعد المداخلة إلى سؤالي لأبحث عن إجابات لما طرحته، فلم أجدها.
السؤال لم يقل إن بيع الأصول أمر غير معتاد في صناعة البترول، ولم يحكم مسبقًا على «إنرجيان»، ولم يطالب بمنع الصفقة. كان محددًا: قبل موافقة الحكومة على انتقال أصول من شركة بحجم «بي بي» إلى شركة أصغر، هل قيّمت الملاءة المالية والفنية للمشتري؟ وما أثر الانتقال على خطط الحفر والتنمية والإنتاج؟ وما الالتزامات الاستثمارية المستقبلية؟ وهل ستكون محددة وملزمة؟ وما دلالة تخارج شركة بحجم «بي بي» أصلًا؟
بدلًا من الإجابة، أخذتنا المداخلة إلى أن الأمر «دورة طبيعية» في صناعة البترول، وإلى حديث عن «ناس مسؤولة المفروض تكون عارفة»، و«إثارة البلبلة»، وأن مجلس النواب ينبغي أن يعلّم الناس قراءة الاتفاقيات، وأن على الإعلام مسؤولية في شرحها. وهنا أصبحت المشكلة أكبر من مجرد اختلاف فني.
دورة طبيعية.. ولكن بأي نتيجة؟
نعم، الشركات العالمية تبيع وتشتري الأصول وتعيد ترتيب محافظها. لكن هذه الحقيقة لا تجيب عن السؤال.
السؤال هو: من يخرج؟ ومن يدخل؟ وما الفارق بين قدراتهما؟
خروج شركة بحجم وخبرة وإمكانات «بي بي»، وحلول مستثمر أصغر محلها، يستوجب تقييم أثر ذلك على خطط التنمية والإنتاج والاستثمار.
هل يستطيع المستثمر الجديد تمويل البرامج المطلوبة؟ هل يمتلك القدرات الفنية المناسبة؟ هل سيلتزم بخطط التنمية القائمة؟ وما حجم استثماراته المستقبلية؟
هذه ليست اعتراضات على الصفقة، وإنما أسئلة عناية واجبة قبل الموافقة عليها.
والقول إن العقود تحفظ حقوق الدولة لا يحسمها. العقود لا تحفر آبارًا، ولا تمول برامج التنمية، ولا تضمن أن مستثمرين مختلفين في الحجم والقدرات سيحققان النتيجة نفسها.
وهنا وقع الرد، في تقديري، في صورة قريبة من مغالطة «رجل القش»: الإجابة عن سؤال لم يُطرح أصلًا. لم نسأل هل بيع الأصول يحدث في صناعة البترول، بل سألنا عن قدرة المشتري وآثار الانتقال. قد تكون الإجابة صحيحة، لكنها إجابة عن سؤال آخر.
اعترافات لا دفاع
المفارقة أن المهندس أسامة، وهو يدافع عن النموذج القائم، قدم بنفسه جزءًا من تشخيص مشكلاته.
تحدث عن أن دورة البحث والتنقيب في ظل نماذج اتفاقيات اقتسام الإنتاج قد تمتد من خمس إلى سبع سنوات. إذا كان ذلك صحيحًا، فهذه ليست حجة للاطمئنان، وإنما مشكلة تستحق الإصلاح.
فحين تعاني الدولة من تراجع الإنتاج وتحتاج إلى زيادة إمدادات الغاز، يصبح السؤال: لماذا تستغرق دورة الاستثمار كل هذا الوقت؟
النموذج التعاقدي ليس نصًا مقدسًا. وإذا كان يبطئ الاستثمار أو يؤخر تحويل الاكتشافات إلى إنتاج، فالمطلوب تطويره، لا استخدام بطئه لتبرير النتائج.
وتحدث أيضًا عن أعباء بعض الشركات المشتركة وتضخم العمالة والوظائف الإدارية وما تمثله من تكلفة على المستثمر.
فإذا كانت دورة الاستثمار طويلة، وهياكل التشغيل مثقلة بالتكاليف، واقتصاديات المستثمر تتعرض للضغط، فلماذا نستغرب أن تعيد الشركات تقييم استثماراتها؟
ما قُدم باعتباره دفاعًا بدا، في أجزاء منه، أقرب إلى اعتراف بأسباب المشكلة.
ومن يراقب من؟
ثم قال المهندس أسامة إن الأمر سيُعرض على البرلمان.
وهنا وقع خلط جوهري بين الاختصاص التنفيذي والدور الرقابي.
السؤال الذي تقدمت به لم يطلب من مجلس النواب اختيار المشتري أو الحلول محل الحكومة في تقييم الصفقة. بل سأل الحكومة عن كيفية ممارستها لاختصاصها التنفيذي في فحص المشتري والموافقة على انتقال الأصول.
انتقال الأصول في إطار الاتفاقيات القائمة، ما لم يستلزم تعديلًا تشريعيًا أو اتفاقية جديدة، لا يحتاج في ذاته إلى موافقة البرلمان لمجرد انتقال الملكية. الفحص والموافقة وفق الشروط المنظمة للامتيازات مسؤولية الجهات التنفيذية المختصة.
أما البرلمان فيراقب كيفية ممارسة الحكومة لهذه السلطة.
الحكومة تفحص وتقرر، والبرلمان يسألها: ماذا فحصتم؟ وبأي معايير؟ وإلى أي نتيجة وصلتم؟
هذا تحديدًا ما فعله السؤال البرلماني.
فإذا كان المهندس أسامة يثق في قدرة الأجهزة التنفيذية على فحص الصفقة، فهذا حقه. لكن هذه القدرة تخضع للرقابة البرلمانية. ومن الغريب الدفاع عن حق الحكومة في ممارسة اختصاصها، ثم استكثار ممارسة النائب لاختصاصه في مراقبتها.
هذا اسمه رقابة برلمانية.
ثلاث إشارات كان الأولى ألا تقال
المشكلة السياسية في المداخلة بدأت عندما انتقل الحديث من مناقشة السؤال إلى التعريض بمن يطرحه.
مرة هناك «ناس مسؤولة المفروض تكون عارفة»، ومرة حديث عن «إثارة البلبلة»، ثم دعوة لأن يعلم مجلس النواب الناس قراءة الاتفاقيات، مع تحميل الإعلام مسؤولية تفسيرها.
إذا كان السؤال عن الملاءة المالية للمشتري خطأ، فليقل لنا أين الخطأ. وإذا كان تقييم قدرته الفنية غير ضروري، فليشرح لماذا. وإذا كان طلب معرفة التزاماته بالحفر والتنمية يثير البلبلة، فليبين كيف.
أما الإيحاء بأن من يسأل «مفروض يكون فاهم»، فليس إجابة. الخبرة لا تمنح أحدًا حق توزيع شهادات الفهم؛ بل تلزمه بتقديم إجابة أفضل.
وكذلك «إثارة البلبلة» ليست ردًا فنيًا. المعلومة الخاطئة تُصحح، والتحليل الضعيف يُفند بالأرقام. أما نقل النقاش من مضمون السؤال إلى فهم السائل أو دوافعه فلا يخدم موضوعية الحوار.
البرلمان ليس جهة تطمين
أما فكرة أن مجلس النواب عليه تعليم الناس كيف يقرأون الاتفاقيات، ففيها قلب للأدوار.
نعم، نشر المعرفة مهم، وللإعلام دور في التفسير. لكن الوظيفة الأولى للبرلمان ليست تعليم المواطنين كيف يقتنعون بالعقد؛ وظيفته مراقبة الحكومة التي أبرمته وتنفذه.
والإعلام ليس مطالبًا بجعل الرواية التنفيذية أكثر إقناعًا. مهمته السؤال والتحقق وعرض المعلومات.
لا يمكن أن تصبح المعادلة: الحكومة تقرر، والبرلمان يطمئن، والإعلام يشرح، ومن يستمر في السؤال فهو إما لا يفهم أو يثير البلبلة.
ومن حق المهندس أسامة أن يرى أنني مخطئ، وأن يدافع عن الحكومة. لكن الكياسة التي يفرضها موقعه وخبرته تقتضي سلوكًا مختلفًا.
فكما توجد مهارة لقراءة العقود والتقارير، توجد مهارة لا تقل أهمية في العمل العام: أن تختلف مع الرأي دون التندر على صاحبه، وأن تجيب عن السؤال دون الطعن في السائل.
والمفارقة أن الحديث عن مسؤولية النواب والإعلام في موضوعية النقاش انتهى بأن أصبحت هذه الإشارات نفسها عبئًا على موضوعية النقاش.
القضية ليست خلافًا مع المهندس أسامة كمال، فله كل التقدير، ولا حكمًا مسبقًا على «إنرجيان». القضية هي وضوح الأدوار: حكومة تملك سلطة الفحص والموافقة، وبرلمان من واجبه مراقبتها، وإعلام من حقه أن يسأل ويفحص.
الحكومة تقرر وتتحمل مسؤولية قرارها، والبرلمان يراقب ويسأل، والإعلام يفحص ويشرح.
ومن يستكثر على الرقيب أن يسأل السلطة التنفيذية كيف ستتخذ قرارها، فالمشكلة ليست في السؤال.
المشكلة في فهم وظيفة الرقابة نفسها.



