السياحة الفلكية في مصر.. فرصة ذهبية قبل كسوف الأقصر 2027
خبراء: مصر تمتلك مقومات عالمية.. والإجراءات ومعدات الرصد أبرز التحديات
تستعد مصر لاستقبال أحد أبرز الأحداث الفلكية المرتقبة عالميًا في أغسطس 2027، والمتمثل في كسوف كلي للشمس يعد الأطول خلال القرن الحالي، حيث تصل مدة الكسوف الكلي في ذروته فوق مدينة الأقصر إلى أكثر من 6 دقائق.
ومع اقتراب موعد الحدث، تشهد الفنادق والمقاصد السياحية في صعيد مصر إقبالًا كبيرًا من الزائرين، وسط توقعات بتوافد أعداد ضخمة من السياح من مختلف أنحاء العالم لمتابعة الظاهرة الفلكية النادرة.
ويعيد هذا الحدث العالمي تسليط الضوء على ملف السياحة الفلكية في مصر، وضرورة العمل على تطويرها والاستفادة من المقومات الطبيعية والجغرافية والتاريخية التي تتمتع بها البلاد، إلى جانب بحث سبل التغلب على التحديات التي تواجه هذا النوع من السياحة.
وتتمتع مصر بتاريخ فلكي عريق، إذ كان المصري القديم من أوائل الحضارات التي اهتمت برصد الظواهر الفلكية وتسجيلها، كما تزخر المعابد والمواقع الأثرية بنقوش ورسوم مرتبطة بعلم الفلك وحركة الأجرام السماوية، ومن أبرز الظواهر التي تجذب الاهتمام تعامد الشمس على عدد من المعابد والمواقع الأثرية في مصر.
موقع جغرافي وسماء مناسبة للرصد
قال المهندس عصام جودة، المدير التنفيذي ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لعلوم الفلك، وعضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك، إن المصري القديم كان من أوائل الشعوب التي عرفت علم الفلك ووثقت معارفها الفلكية، مشيرًا إلى أن حركة النجوم والكواكب حظيت باهتمام كبير، وسُجلت العديد من هذه المعارف والنقوش على جدران المعابد.
وأضاف «جودة»، أن مصر تتمتع بموقع جغرافي وفلكي مميز يجعلها مؤهلة لتكون إحدى الوجهات المهمة عالميًا في مجال رصد النجوم والأجرام السماوية.
وأوضح أن من أبرز المقومات الفلكية لمصر مرور مدار السرطان بالجزء الجنوبي من البلاد عند دائرة عرض تبلغ نحو 23.26 درجة، وهو ما يمنح بعض المناطق المصرية خصوصية في عدد من الظواهر المرتبطة بالشروق والتعامد.
وأشار إلى أن مصر تتمتع كذلك بارتفاع معدلات صفاء السماء خلال فترات طويلة من العام، وانخفاض معدلات السحب في مناطق عديدة، فضلًا عن انخفاض مستويات التلوث الضوئي في المناطق الصحراوية والمفتوحة، وهو ما يوفر ظروفًا مناسبة لرصد الأجرام السماوية بالعين المجردة أو باستخدام التلسكوبات.
إجراءات التصاريح ومعدات الرصد
وحول أبرز المعوقات التي تواجه هواة ومحبي الفلك والسائحين الراغبين في ممارسة الرصد الفلكي، أوضح «جودة» أن هناك عددًا من القيود والإجراءات الإدارية والأمنية التي قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى صعوبة إدخال التلسكوبات الفلكية عبر المطارات والمنافذ الجمركية.
وأشار إلى أن المشكلة لا تتمثل بالضرورة في وجود حظر مطلق على هذه المعدات، وإنما في تعقيد الإجراءات والاشتراطات التي قد يواجهها المسافرون قبل إدخالها إلى البلاد.
ودعا «جودة» إلى نشر المزيد من المعرفة العلمية الدقيقة للتمييز بين التلسكوبات الفلكية المخصصة لرصد النجوم والكواكب والأجرام السماوية، وبين أجهزة الرصد البصري والمراقبة الميدانية التي قد ترتبط باستخدامات أخرى ذات طبيعة أمنية، بما يسهم في وضع إجراءات واضحة ومنظمة للتعامل مع معدات الرصد الفلكي.
3 تحديات أمام السياحة الفلكية
من جانبه، قال محمود السعيد، رئيس مجلس إدارة شركة StarGate المتخصصة في مجال الرصد والسياحة الفلكية، إن هناك ثلاثة تحديات رئيسية تواجه نمو السياحة الفلكية في مصر، رغم امتلاك البلاد مقومات تؤهلها للمنافسة في هذا المجال على المستوى العالمي.
وأوضح «السعيد»، أن التحدي الأول يتمثل في صعوبة إتاحة تجارب السياحة الفلكية للسائحين الأجانب بالشكل المطلوب، موضحًا أن الرصد الفلكي الاحترافي يتطلب الوصول إلى الصحاري والمناطق النائية، بعيدًا عن المدن ومصادر التلوث الضوئي.
وأشار إلى أن الحصول على التصاريح اللازمة للتخييم في بعض هذه المناطق يمثل تحديًا أمام منظمي الرحلات، وهو ما قد يحرم مصر من الاستفادة من عوائد سياحية واقتصادية كبيرة يمكن أن يوفرها هذا النشاط.
أما التحدي الثاني، بحسب «السعيد»، فيتمثل في عدم وجود مناطق معلنة رسميًا في مصر باعتبارها مناطق «سماء مظلمة» مخصصة للرصد الفلكي.
وأوضح أن عددًا من دول العالم اتجه إلى إنشاء وإعلان مناطق بهذا التصنيف، مع وضع ضوابط وأكواد خاصة بالإضاءة والأنشطة داخلها، للحد من التلوث الضوئي والحفاظ على جودة السماء الليلية، بما يسمح بممارسة الرصد والتصوير الفلكي بصورة احترافية.
وأضاف أن التحدي الثالث يرتبط بمعدات الرصد والتصوير الفلكي، لافتًا إلى أن التلسكوبات ومعدات التصوير الاحترافي للأجرام السماوية، ومن بينها أجهزة Star Tracker المستخدمة في تتبع الحركة الظاهرية للأجرام السماوية أثناء التصوير، تواجه إجراءات وقيودًا قد تمثل عائقًا أمام هواة الفلك والسائحين والمهتمين بهذا المجال.
وأشار إلى أن مثل هذه المعدات أصبحت متاحة بصورة أكثر مرونة في عدد من الدول العربية والإقليمية، داعيًا إلى دراسة آليات أكثر وضوحًا وتنظيمًا للتعامل معها في مصر.
فرصة استثنائية مع كسوف 2027
وأكد «السعيد»، أن مصر أمام فرصة استثنائية مع اقتراب كسوف الشمس في أغسطس 2027، خاصة مع تمركز الاهتمام العالمي بمدينة الأقصر، مطالبًا بفتح ملف السياحة الفلكية بصورة عاجلة، ووضع رؤية متكاملة لاستثمار الحدث في الترويج لمصر باعتبارها وجهة للرصد الفلكي.
وطالب بدراسة السماح بإدخال معدات الرصد والتصوير الفلكي برسوم جمركية منخفضة وإجراءات واضحة وميسرة، بما يشجع المصريين على ممارسة هذا النشاط، ويسهم في جذب السائحين المهتمين بالفلك والتصوير الفلكي، ويعزز قدرة شركات السياحة المصرية على تقديم برامج متخصصة في هذا المجال.
من حدث عالمي إلى صناعة سياحية مستدامة
وفي ختام حديثه، أكد المهندس عصام جودة أهمية أن تولي شركات السياحة المصرية اهتمامًا أكبر بملف سياحة الرصد الفلكي، التي تشهد نموًا في عدد من دول العالم خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن هذا النوع من السياحة يجذب شريحة واسعة من الشباب والجيل الجديد، الراغبين في الابتعاد مؤقتًا عن ضغوط الحياة الرقمية وزحام وسائل التواصل الاجتماعي، والعودة إلى الطبيعة والمناطق المفتوحة للاستمتاع بمشاهدة السماء والنجوم والظواهر الفلكية.
ومع استعداد الأقصر لاستقبال الزائرين من مختلف أنحاء العالم لمتابعة الكسوف الكلي للشمس في عام 2027، يرى المتخصصون أن أهمية الحدث لا تقتصر على استضافة الظاهرة الفلكية، وإنما تمتد إلى إمكانية تحويلها إلى نقطة انطلاق لصناعة سياحة فلكية مصرية مستدامة، تستفيد من الموقع الجغرافي المميز، والتاريخ الفلكي للحضارة المصرية، والطبيعة الصحراوية، لتضيف منتجًا سياحيًا جديدًا إلى قائمة المقومات التي تتمتع بها مصر.






