في اليوم الدولي للسلام.. الأمن الإقليمي يفرض أولوياته على أجندة القاهرة
تزامن اليوم الدولي للسلام مع تحركات مصرية في الأمم المتحدة بشأن غزة والسودان ونزع السلاح النووي، في وقت تتزايد فيه انعكاسات الأزمات الإقليمية على الأمن والاستقرار

في عالم تتسع فيه بؤر الصراع وتتداخل تداعياتها عبر الحدود، يأتي 21 سبتمبر من كل عام ليحمل عنوانًا دوليًا واضحًا، اليوم الدولي للسلام، حيث اختارت الأمم المتحدة شعار “استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم”، في رسالة تربط السلام ليس فقط بوقف القتال، وإنما ببناء مجتمعات أكثر أمنًا واستقرارًا، وتعزيز الحوار والتعاون.
لكن الاحتفال هذا العام يأتي بالتزامن مع ملفات إقليمية تمس الأمن العربي والمصري بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من بينها الحرب في غزة، والأزمة السودانية، وأمن البحر الأحمر.
السلام.. أكثر من مجرد وقف إطلاق النار
تؤكد الأمم المتحدة أن السلام لا يعني مجرد غياب الحرب، وإنما يرتبط بالأمن والكرامة والفرص والتعاون، كما أن الجمعية العامة اعتمدت في عام 2001 يوم 21 سبتمبر باعتباره يومًا سنويًا لوقف العنف ووقف إطلاق النار.
وهنا تتجاوز المناسبة إطارها الرمزي إلى سؤال عملي: ماذا يحدث عندما تنتقل تداعيات الصراعات من ساحات القتال إلى الحدود والاقتصاد وحركة التجارة والأمن الإقليمي؟
مصر.. بين الداخل والخارج
بالنسبة إلى مصر، لا تنفصل الملفات الإقليمية عن حسابات الأمن والاستقرار، ففي الأمس الأحد الموافق 20 سبتمبر، التقى وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج بدر عبد العاطي، وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، على هامش أعمال الشق رفيع المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة في نيويورك.
وبحسب وزارة الخارجية المصرية، تناول اللقاء الأوضاع الإنسانية في غزة والسودان، مع التأكيد على ضمان وصول المساعدات إلى غزة، وحماية المدنيين، ودعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إلى جانب ضمان وصول المساعدات إلى الشعب السوداني دون عوائق وحماية المدنيين.
هذه الملفات تكشف كيف يتداخل الخارج مع الداخل: فالصراعات القريبة لا تبقى بالضرورة داخل حدود الدول التي تشهدها، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى الأمن الإقليمي، وحركة السكان، والمساعدات، والتجارة، والممرات البحرية.
من يوم السلام إلى أسبوع الأمم المتحدة
تكتسب مناسبة 21 سبتمبر أهمية إضافية هذا العام لأنها تأتي في قلب أسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن بالنسبة إلى مصر، لا يبدو ملف السلام منفصلًا عن ملف الأمن الإقليمي ونزع السلاح.
ففي 18 سبتمبر الجاري، اعتمد المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية القرار السنوي الذي تطرحه مصر بشأن تطبيق ضمانات الوكالة على جميع المنشآت النووية في الشرق الأوسط، وحصل القرار على تأييد 112 دولة دون تصويت أي دولة ضده، وفق الهيئة العامة للاستعلامات.
يطرح الموقف المصري ضمن هذا المسار الدعوة إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، إلى جانب الدفع نحو عالمية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
تأتي أهمية التحرك المصري قبل أيام قليلة من 26 سبتمبر، اليوم الدولي للإزالة الكاملة للأسلحة النووية، الذي تعتبره الأمم المتحدة مناسبة لتجديد الجهود الدولية نحو القضاء على الأسلحة النووية، وتصف نزع السلاح النووي بأنه من أعلى أولوياتها في مجال نزع السلاح.
تضع الأمم المتحدة تعريفًا أوسع للسلام من مجرد توقف إطلاق النار، إذ تربطه بالأمان والكرامة والفرص والتعاون، وتؤكد في مناسبة 21 سبتمبر أن بناء السلام عملية طويلة لا تقتصر على قاعات المؤتمرات.
وتعكس الرؤى اتفاقًا بين عدد من الخبراء العسكريين والاستراتيجيين على أن الصراعات الدائرة في غزة والبحر الأحمر والقرن الأفريقي لم تعد أزمات خارجية منفصلة، بل أصبحت ملفات تتداخل مع حسابات الأمن القومي المصري، بما يفرض على القاهرة الجمع بين التحرك السياسي والدبلوماسي والأمني للحفاظ على الاستقرار الإقليمي ودعم فرص السلام.
يرى اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن الأمن القومي المصري مرتبط بالدول المحيطة وبأمنها واستقرارها وهناك دوائر مرتبطة بمصر من غزة إلى السودان ومضيق باب المندب والبحر الأحمر إلى الجنوب الإفريقي استقارا تلك الدول ينعكس على استقرار مصر.
وفي نفس السياق، صرح اللواء محمد الغباري مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، أن التحركات المصرية بشان محاولات التهدئة والاستقرار في مصر تعتمد على جهود خفض التوترات وعدم اتساع الأزمة لما له من تأثيرات على الأمن الإقليمي.
يبقى تحقيق الاستقرار مرهونًا بقدرة المجتمع الدولي على تحويل المبادرات إلى خطوات عملية تعالج جذور الصراعات، بل بجهود سياسية ودبلوماسية وإنسانية مستدامة تحول دون اتساع رقعة الصراعات وتداعياتها، وتحمي المدنيين، وتعزز الأمن الإقليمي والدولي.






