على خلفية وفاة ثلاثة أطفال توائم.. هل اختفت حقنة الرئة من حضانات المبتسرين؟
السرفاكتانت.. دواء مهم للمبتسرين وغياب بيانات التوريد يفتح ملف شفافية الأرقام وتوفير الأدوية الحرجة بوحدات حديثي الولادة

أعادت واقعة وفاة ثلاثة أطفال توائم بعد ولادتهم المبكرة الجدل حول منظومة رعاية الأطفال المبتسرين في مصر، خاصة مع تداول أحد أفراد أسرة الأطفال أن المستشفى لم يكن متوافرًا بها ما يعرف بـ”حقنة الرئة”، وهو ما يفتح ملفًا أوسع: هل المشكلة في نقص دواء معين؟ أم في قدرة منظومة الحضانات على استقبال الحالات الحرجة ورعايتهم، أم أن الأمر يرتبط بمعايير استخدامها وتقييم الحالة الطبية لكل طفل؟

ميدانيًا، انتقلت “ليبرالي” إلى مستشفى أبو الريش للأطفال، أحد أكبر المراكز المتخصصة في علاج الأطفال وحديثي الولادة في مصر، لرصد واقع رعاية الأطفال المبتسرين داخل الحضانات.
وبين ممرات المستشفى، تروي فاطمة جمال وهي جدة الحفيد المنتظر رحلة البحث عن حضانة لإبن بنتها بعد ولادته مباشرة، بسبب صغر حجمه وعدم اكتمال نموه، في سباق مع الوقت للحصول على الرعاية الطبية اللازمة.
تقول فاطمة” كنا قلقانيين جدا لأن صعب تلاقي مكان، غير أننا اشترينا حقنة الرئة قدرنا نوفرها من برا عن طريق حد قريبي بيشتغل تمرجي في مستشفى ودفعنا 7 آلاف جنيه، وباقي جرعات العلاج الباقي المستشفى وفرتها لينا الحمد لله”.

وفي الممر نفسه، التقت محررة “ليبرالي” سيدة تحمل طفلة حديثة الولادة، بينما كانت علامات القلق واضحة على وجهها، والطفلة تعاني من صعوبة في التنفس. قالت خالة الطفلة بصوت متوتر: “إحنا مش لاقيين حضانة.. البنت هتموت مننا، يارب نلاقي حضانة فاضية بسرعة”.
وبينما كانت تشرح معاناتها، قطع الحديث صوت شخص ينادي عليها: “تعالي بالبنت بسرعة”. في لحظات، تركت المكان وهرولت حاملة طفلتها، بحثًا عن فرصة لإنقاذها داخل إحدى الحضانات.
مشهد لا يعكس فقط خوف أسرة على طفلتها، لكنه يختصر معاناة كثير من أسر الأطفال المبتسرين الذين يدخلون سباقًا مع الوقت بحثًا عن سرير مجهز ورعاية متخصصة في اللحظات الأولى من حياة أطفالهم، والبحث عن حقنة الرئة لإنقاذ حياتهم.
تستقبل مصر نحو 5.3 آلاف مولود يوميًا، أي ما يقارب 224 مولودًا كل ساعة، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024، ما يجعل الحاجة إلى وحدات رعاية حديثي الولادة أمرًا مستمرًا.
وتشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع عدد حضانات الأطفال المبتسرين إلى نحو 3825 حضانة عام 2025 مقارنة بـ2850 عام 2014، مع استمرار التوسع في خدمات حديثي الولادة.
وفي القطاع الخاص وحده بلغ عدد المستشفيات التي تضم حضانات مبتسرين 1153 مستشفى عام 2023 بإجمالي 4364 حضانة، مع تفاوت كبير بين المحافظات، ما يطرح تحدي توزيع الخدمة وليس عددها فقط. وتبقى المشكلة الأساسية في الحالات الحرجة هي توافر الحضانة المجهزة، وأجهزة التنفس، والكوادر الطبية المتخصصة في الوقت المناسب، و يبقى التحدي في توزيعها بين المحافظات، وتوافر الحضانات المجهزة للحالات الحرجة، وأجهزة التنفس والكوادر المتخصصة، خاصة مع غياب خريطة وطنية منشورة توضح الطاقة الاستيعابية لكل محافظة.

السرفاكتانت حقنة الرئة
ومن بين العناصر التي ترتبط برعاية بعض الأطفال المبتسرين يأتي السرفاكتانت Surfactant، المعروف إعلاميًا بـ”حقنة الرئة”، وهو علاج لا يُعطى لكل طفل يولد قبل موعده، لكنه قد يمثل عاملًا حاسمًا في بعض الحالات التي تعاني من صعوبة التنفس بسبب عدم اكتمال نمو الرئة.
تواصلت ليبرالي مع وزارة الصحة والسكان وإدارة المستشفى للرد على تساؤلات حول توافر السرفاكتانت داخل وحدات حديثي الولادة، وآليات توريد الدواء، وعدد الحضانات المتاحة، وما إذا كانت هناك شكاوى من نقصه، وفي انتظار الرد.
ويقول الدكتور أحمد مراد، أخصائي طب الأطفال، إن قرار استخدام السرفاكتانت لا يرتبط بمجرد الولادة المبكرة، وإنما يعتمد على تقييم طبي دقيق لحالة كل طفل، موضحًا أن الأطباء يحددون الحاجة إليه وفق عدة عوامل، من بينها عمر الحمل، ووزن المولود، ودرجة صعوبة التنفس، ومدى احتياجه إلى دعم تنفسي. وأضاف أن استخدام الدواء يتم وفق بروتوكولات طبية محددة لمساعدة الأطفال الذين لا تزال رئاتهم غير مكتملة على تحسين قدرتهم على التنفس.
توفير الدواء والحضانة للأطفال المبتسرين
ويقول الدكتور حسين فراج، استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة، إن أزمة الأطفال المبتسرين لا تختزل في توافر دواء واحد، وإنما ترتبط بمنظومة رعاية متكاملة تبدأ من لحظة الولادة، وتشمل سرعة تقييم حالة الطفل، ونقله إلى حضانة مجهزة، وتوافر أجهزة دعم التنفس، ووجود فريق طبي مدرب على التعامل مع الحالات الحرجة. ويوضح أن الطفل المبتسر هو من يولد قبل الأسبوع الـ37 من الحمل، وقد تكون بعض أعضائه، وعلى رأسها الرئتان، غير مكتملة النمو، ما يجعله بحاجة إلى بيئة حرارية مستقرة، ومتابعة دقيقة لمستويات الأكسجين والوزن، واستخدام الأدوية مثل السرفاكتانت وفقًا للحالة الطبية وليس لمجرد حدوث الولادة المبكرة.
كم عدد جرعات السرفاكتانت التي يتم توريدها سنويًا للمستشفيات؟
بالبحث في بيانات المصادر المفتوحة، لم نجد أي بيانات منشورة رسميًا توضح إجمالي عدد جرعات السرفاكتانت “حقنة الرئة” التي يتم توريدها سنويًا لكل مستشفيات مصر، سواء التابعة لوزارة الصحة أو المستشفيات الجامعية.
لكن الدواء يخضع لمنظومة توريد الأدوية والمستلزمات الطبية عبر الجهات المسؤولة عن الشراء والتوريد، وتعلن الجهات الصحية عن متابعة احتياجات المستشفيات من المستلزمات والأدوية الحيوية، يأتي ذلك في غياب الرقم معلن عن توفير الجرعات مما يطرح سؤالًا حول شفافية بيانات ومدى توفر الأدوية الحرجة داخل وحدات حديثي الولادة.
قصة الأطفال المبتسرين فتحت الباب عن أهمية توافر دواء مثل السرفاكتانت، كما أكدت على ضرورة اختبار أوسع لمنظومة الرعاية الصحية، فبالنسبة لطفل يولد قبل موعده، لا تكون المسألة مجرد توافر علاج أو سرير، بل سباقًا مع الزمن و قدرة المنظومة كاملة على توفير الرعاية المناسبة في الوقت المناسب تبدأ فيه فرص النجاة من اللحظة الأولى.



