اعتداءات على موظفي الدولة.. وصمت الحكومة
عندما سمعت خبرًا عن بدء حملات للإدارات البيطرية على مستوى الجمهورية للتعامل مع مشكلة كلاب الشوارع، شعرت بشيء من الأمل والتفاؤل، وتمنيت أن تكون هذه المرة بداية لتحرك جاد يشعر معه المواطن بأن حياته وسلامته لهما قيمة، وأن شكواه لا تحتاج إلى سقوط ضحايا جدد حتى تجد من يستمع إليها ويتحرك لحلها.
ووفقًا للمعلومات التي وصلتني من مصادر بأخبار الطب البيطري بوزارة الزراعة، فمن المنتظر الإعلان رسميًا عن هذه الحملات، وهو ما ننتظر تأكيده من الجهات المختصة.
لكن هذا الخبر أعاد إلى ذهني موقفًا حدث معي منذ يومين، عندما كنت أجلس مع مديرة المركز التكنولوجي بأحد أحياء الإسكندرية، لمتابعة مصالح المواطنين وإنهاء بعض الإجراءات الخاصة بهم.
وخلال الحديث، خطر ببالي أن أفتح معها موضوع كلاب الشوارع، باعتبار أن التعامل مع هذه المشكلة يتطلب تعاون الجهات المعنية، حفاظًا على سلامة المواطنين.
وهنا فوجئت بردها!
قالت، إن رئيس الحي قررت وقف حملات جمع الكلاب من الشوارع، بسبب ما يتعرض له الموظفون أثناء عملهم من اعتداءات لفظية وسباب وشتائم من أشخاص يعترضون على نقل الكلاب، وقد نجح هؤلاء في منع الموظفين من أداء مهامهم.
توقفت أمام هذا الكلام، وبدأت أسأل نفسي: هل وصل بنا الأمر إلى أن يعجز الموظف عن أداء واجبه خوفًا من الاعتداء عليه؟ وهل أصبح تنفيذ قرار إداري أو القيام بمهمة رسمية مرهونًا بموافقة أشخاص يفرضون إرادتهم بالقوة أو بالإساءة؟!
لكن السؤال الأهم الذي يشغلني هو: من يحمي المواطن إذا شعر بالخطر في الشارع؟ ومن يحمي الموظف الحكومي إذا تعرض للتهديد أو الاعتداء أثناء تأدية عمله؟
إذا كان موظف الدولة لا يستطيع تنفيذ مهامه بسبب ضغوط أو تجاوزات من بعض الأفراد، فمن الذي يضمن استمرار تقديم الخدمات للمواطنين؟ وإذا كان المواطن يخشى السير في بعض الشوارع، فمن المسؤول عن معالجة المشكلة ومحاسبة المقصرين؟
إن هيبة الدولة لا تعني القسوة، ولا تعني تجاهل حقوق الناس أو حقوق الحيوان، وإنما تعني أن القانون يُطبق على الجميع، وأن الخلافات تُحل بالطرق المشروعة، وأن الموظف يؤدي عمله دون تهديد، وأن المواطن يجد من يحمي سلامته دون أن يضطر إلى انتظار وقوع مأساة جديدة.
لسنا ضد الرحمة بالحيوان، ولسنا مع الاعتداء عليه أو تعذيبه، لكننا أيضًا لسنا مع ترك المواطنين يواجهون مخاطر الشوارع، أو ترك الموظفين وحدهم في مواجهة الاعتداءات والضغوط.
إن الدولة القوية هي التي تستطيع حماية الجميع، وتضع حلولًا عملية للمشكلات بدلًا من تركها تتفاقم، وتواجه أي مخالفة للقانون بالإجراءات القانونية، دون انتقائية أو استثناءات.
رسالتي إلى الجهات المعنية، لا تنتظروا سقوط ضحايا جدد حتى تتحركوا، ولا تسمحوا بأن تتحول أي مشكلة عامة إلى صراع بين المواطنين والموظفين والمدافعين عن الحيوانات.
نريد حملات جادة ومعلنة، وتنسيقًا واضحًا بين الأحياء والطب البيطري والجهات الأمنية عند الحاجة، وآليات آمنة للتعامل مع كلاب الشوارع، مع توفير الحماية اللازمة للعاملين أثناء أداء مهامهم.
فالمواطن يريد أن يشعر بالأمان، والموظف يريد أن يؤدي واجبه دون خوف، والحيوان له حق في المعاملة الرحيمة.
فهل تتحول هذه المرة الوعود إلى خطوات حقيقية على أرض الواقع؟ وهل نستعيد مفهوم الدولة التي تحمي الحقوق وتفرض القانون على الجميع؟
هذا ما ننتظره، وهذا ما يستحقه المواطن المصري.



