
في أحدث تطور للأحداث، انهارت اتفاقية وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مع تصاعد حدة الصراع بين الجانبين خلال الأسبوع الماضي، وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” يوم السبت الماضي، عن مقتل جنديين أمريكيين يوم الجمعة، أثناء تصديهما لهجوم صاروخي باليستي وطائرات مسيرة إيرانية في الأردن، وفقدان جندي آخر، وأوضحت القيادة المركزية أن الجنود قتلوا أثناء رد القوات الأمريكية وقوات الحلفاء على الهجوم، ولم تحدد القيادة موقع الهجوم في الأردن أو تقدم تفاصيل إضافية حول ملابساته.
وأفادت “سنتكوم” أنه تم إجلاء أربعة جنود أمريكيين آخرين إلى مستشفيات في الأردن لتلقي العلاج ثم غادروها لاحقًا، كما عاد أفراد آخرون خضعوا لفحوصات طبية لإصابات طفيفة إلى الخدم، وأعلنت “سنتكوم” أنها ستتحفظ على الكشف عن هوية الجنديين القتيلين لمدة 24 ساعة بعد إبلاغ عائلتيهما.
وصف الرئيس دونالد ترامب هذه الخسائر، وهي أول خسائر في صفوف الجيش الأمريكي جراء نيران إيرانية منذ مارس، بأنها أمر محزن للغاية.

خلفية الأحداث
أعلنت “سنتكوم” في بيان لها أنها شنت غارات جوية انتقامية على إيران في تمام الساعة السادسة مساء، بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب، بهدف معاقبة القوات الإيرانية سريعًا على الهجوم، وانتهت الغارات في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف مساء، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية لاحقًا، أن الضربات تهدف أيضًا إلى إضعاف قدرة إيران على تهديد الملاحة التجارية في مضيق هرمز، في أحدث خطوة من جانب الولايات المتحدة للضغط على طهران للتخلي عن سيطرتها على هذا الممر التجاري الحيوي، وفي وقت متأخر من مساء السبت، أفادت القيادة المركزية بأن القوات الأمريكية أكملت الليلة الثامنة على التوالي من إطلاق الذخائر على إيران، بما في ذلك قوات الحرس الثوري الإسلامي التي يعتقد أنها استهدفت جنودًا أمريكيين في الأردن يوم الجمعة.
وقالت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية شبه الرسمية، عبر تطبيق تيليجرام ليلًا، إن القوات شنت هجمات مكثفة بطائرات مسيرة على مواقع عسكرية أمريكية رئيسية في الكويت، وأن هذه الهجمات ستؤثر على عمليات الدعم العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا الهجوم، الذي أسفر عن مقتل جنود أمريكيين، في ظل تصاعد حدة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران عقب انهيار وقف إطلاق النار المؤقت.

هل سيحدث غزو بري؟
على الرغم من تصاعد حدة القتال بين الولايات المتحدة وإيران، فإن واشنطن لا ترغب في غزو بري شامل على غرار أفغانستان وإيران، ذلك لأن واشنطن تتجنب الخسائر البشرية منذ بداية حملتها على طهران، لأنه لو حدث غزو بري فستكون الحملة دموية للغاية، كما أن الحديث عن إنزال جوي للقوات الخاصة على غرار فنزويلا صعب، لأنه سيلتزم من الولايات المتحدة نقل أسلحتها وقواتها ومعداتها إلى إيران، والذي من شأنه أن يمنح طهران الفرصة للهجوم الاستباقي والاستعداد.
لذا فمن الممكن أن يكون الغزو للجزر الجنوبية والاستيلاء عليها في سيناريو يشبه الحرب الروسية الأوكرانية، لذا اكتفت الولايات المتحدة بالحملة الجوية في طريقة مدروسة للغاية، ذلك لأن الرئيس ترامب لا يملك الرصيد السياسي أو العزيمة والصبر الكافي لاستخدام القوات البرية.

ما بين صراع البقاء والخيارات السياسية وفخ التصعيد
بينما تخوض الولايات المتحدة الحرب على إيران من أجل خيارات سياسية متنوعة، تخوض إيران حربها من أجل البقاء، لذا فإن إيران لن تتراجع لأنها إذا تراجعت يعني ذلك نهاية الجمهورية الإسلامية، كما أن الحرب في الداخل الأمريكي غير شعبية ومكلفة بشكل متزايد، وهو ما يزيد الضغط على واشنطن للانسحاب أو الخروج منها بأقل خسائر، وذلك وسط تصاعد حدة التوترات والانتقادات ليس فقط من الحزب الديمقراطي وبل أيضاً من اليمين السياسي.
كما أن الولايات المتحدة وقعت في فخ التصعيد أمام إيران، فهو مصمم على تحقيق الأضرار بإيران دون تحقيق الأهداف الأوسع، فترامب دخل الحرب بمنطق استراتيجي خاطئ، فهو يستخدم الوسائل العسكرية دون تحقيق النتائج السياسية المرجوة منها، فإذا كانت النتيجة المرجوة هي إجبار إيران على الاستسلام والتخلي عن النفوذ الذي بنى على مدار عقود، فذلك لن ينجح، فهو عالق بين شقى الرحى، فإذا صعد الموقف ردًا على الوفيات في الأردن فسيلحق ضرر بطهران ولكن لن يغير من موقفها، وإذا خفض التصعيد سينظر إليه على أنه ضعيف ومستسلم لضغوط الإيرانيين، ما يعني افتقار ترامب إلى القدرة الاستراتيجية التي تستخدم عادة للخروج من ذلك المأزق.

ما مفهوم النصر من وجهة نظر الجانب الأمريكي؟
إذا ما حدث وغزت الولايات المتحدة الشريط الساحلى لإيران وسيطرت على مضيق هرمز، فهو لايزال نجاح عملياتي قصير الأمد، وسيترك الجنود الأمريكيين في دولة معادية، وهو لن ينعش الاقتصاد العالمي بأي صورة، لأن انتعاش الاقتصاد العالمي سيعتمد على شركات الشحن والتأمين العالمية، التي قد لا يطمئن مالكوها بتصريحات ترامب أو خطابات هيغسيث الرنانة بعد أي عملية برية أمريكية واسعة النطاق.
كما أن ترامب لا يدرك أن إيران لديها قدرة أكبر على تحمل الألم من أمريكا، فمقتل جنديين آخرين ليس، كما يصفه ترامب، مجرد “أمر محزن للغاية” بالنسبة للداخل الأمريكي، فمن وجهة نظرهم لقد زج الرئيس بأمريكا في حرب مسلحة واسعة النطاق، يقتل ويصاب فيها جنود أمريكيون دون أدنى سبب.

ترسخ نمط من الضربات
ترسخ نمط من الضربات والهجمات المضادة، مع تعقيد إضافي يتمثل في تصاعد التوتر بين السعودية والحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن، والذين يصرون على كسر الحصار المفروض عليهم.
كما أن المسار الدبلوماسي متوقف في الوقت الراهن، فقد تراجعت وتيرة زيارات الوفود الباكستانية والقطرية المكثفة لإيران في محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار، ليحل محلها تشاؤم بين الدبلوماسيين الإقليميين، وذلك تزامنًا مع تعرض قطر نفسها لهجومين في التصعيد الأخير.
كما استهدفت طائرات إيرانية مسيرة سلطنة عمان، بعد أيام من مفاوضات بين الدولتين حول خطة لإدارة مضيق هرمز، وشن الحرس الثوري الإيراني هجمات على سفن تبحر بالقرب من السواحل العمانية، وانخفضت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى حد كبير.
ولم تقدم إيران أي معلومات شاملة عن خسائرها في الحملة الأمريكية، التي دخلت يومها الثامن، في ظل تنافس البلدين على السيطرة على مضيق هرمز.
لايزال يصرح الرئيس ترامب أن الهدف الرئيسي من الحرب على إيران هو عدم السماح لطهران بامتلاك سلاج نووي، لكن إيران لا تملك سلاح نووي، ولم تكن قريبة حتى من امتلاكه، وأن إدعاء ترامب أن طهران كانت على بعد أسبوعين من صنع القنبلة النووية، وهو إدعاء لم يحظي بتأييد أى وكالة استخبارات أمريكية أو أي وكالات أخرى.
فكل تصعيد أمريكي يقابله تصعيد إيراني، حيث يسعى كل طرف إلى وضع عتبات ردع جديدة مع كل تبادل للاتهامات، وبدلا من إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، يعد تصاعد الصراع ذهاب إلى ما هو أبعد من نوايا أي من الطرفين، وتحوله إلى حرب إقليمية أوسع نطاقًا مع تضاؤل فرص استعادة الدبلوماسية.






