
سياسيون وأكاديميون لـ«ليبرالي»: أزمة الغرفة الثانية في «تدريب الكوادر وتفعيل المتاح» وليس في «تعديل الصلاحيات»
يتجدد الجدل داخل الأوساط البرلمانية حول ضرورة توسيع صلاحيات مجلس الشيوخ، إلا أن خبراء في الشأن السياسي يرون أن الأزمة لا تكمن في النصوص الدستورية أو اللائحة الداخلية، بل في مدى تفعيل الأدوات التي يمنحها القانون بالفعل، وعلى رأسها المادة (98) الخاصة بتشكيل اللجان الخاصة.
وتتزامن هذه المواجهة الفكرية والسياسية مع قراءة للممارسة البرلمانية داخل المجلس، والتي تشير إلى وجود عدد من المواد والآليات اللائحية الاستثنائية التي لم تشهد تفعيلًا واسعًا في التطبيق العملي منذ صدور اللائحة الداخلية بالقانون رقم (2) لسنة 2021.
المادة 98.. سلاح تشريعي خارج الخدمة
تأتي المادة (98) من اللائحة الداخلية في صدارة النصوص التي تمنح مجلس الشيوخ صلاحية تشكيل لجان خاصة لدراسة مشروع قانون أو موضوع أو مسألة محددة وإعداد تقرير بشأنها، إذ تنص على:
“للمجلس أن يقرر، بناءً على ما يعرضه رئيسه أو بناءً على طلب الحكومة، الموافقة على مبدأ تشكيل لجنة خاصة لدراسة مشروع قانون أو موضوع أو مسألة محددة، أو بحثها، وإعداد تقرير في شأنها للمجلس، ويختار رئيس المجلس رئيس اللجنة الخاصة وأعضاءها، ويُخطر المجلس بأسمائهم في أول جلسة، وتستمر اللجنة الخاصة حتى يصدر قرار من المجلس في شأن الموضوع الذي شُكِّلت من أجله، أو بانتهاء عملها.”
ورغم أن هذه المادة صُممت لتكون مسارًا إجرائيًا سريعًا يتيح تشكيل لجان خاصة تضم خبرات متخصصة لدراسة الملفات ذات الطبيعة الاستثنائية، فإن مراجعة الممارسة البرلمانية والبيانات الرسمية المنشورة تُظهر اعتمادًا أساسيًا على اللجان النوعية الأربع عشرة واللجان المشتركة، دون رصد استخدام معلن للمادة (98) خلال دور الانعقاد محل الدراسة.
ولم يقتصر الأمر على المادة (98)، بل يمتد إلى عدد من الآليات والإجراءات اللائحية التي لم تشهد حضورًا واسعًا في التطبيق العملي، من بينها بعض الإجراءات الخاصة بلجان التأديب، إلى جانب عدد من الأدوات التنظيمية الأخرى التي تضمنتها اللائحة.
«الصلاحيات كافية.. والأزمة في الأداء»
في مقابل أصوات بعض النواب المطالبة بزيادة مساحة الحركة التشريعية والرقابية لمجلس الشيوخ عبر تعديلات دستورية أو لائحية جديدة، يرى خبراء الشأن السياسي أن هذا الطرح يحيد عن جوهر المشكلة البرلمانية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور مختار الغباشي، الخبير السياسي والأمين العام لمركز الفارابي للدراسات الاستراتيجية، أن الصلاحيات والآليات الممنوحة حاليًا لمجلسي النواب والشيوخ بموجب الدستور والقانون هي «صلاحيات كافية جدًا» لأداء دورهما التشريعي والرقابي والاستشاري، مشددًا على أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في المطالبة بتوسيع الصلاحيات أو إجراء تعديلات دستورية، بل في مدى القدرة على تفعيل واستغلال الأدوات المتاحة بالفعل.

وأوضح الغباشي، في تصريحات لـ«ليبرالي»، أن المقاربة السياسية لا ينبغي أن تنحصر في توسيع الصلاحيات، وإنما في كيفية توظيف الأدوات التشريعية والرقابية بما يخدم المصلحة العامة.
وأضاف: «مجلس الشيوخ في أصله الدستوري والمتبع عالميًا هو مجلس استشاري ورأي، تُعرض عليه دراسة القوانين والموضوعات، بينما يختص مجلس النواب بالأدوار الرقابية والتشريعية. والإشكالية الراهنة لا تعود إلى نقص الأدوات، بل إلى الحاجة لرفع كفاءة الأداء البرلماني وتدريب الأعضاء على الاستخدام الأمثل لهذه الأدوات».
وأشار إلى أن المقياس الحقيقي لنجاح أي مجلس برلماني يتمثل في قدرة أعضائه على خدمة المواطنين ومتابعة السياسات العامة، مستبعدًا الحاجة إلى أي تعديلات دستورية أو توسيع للصلاحيات في الوقت الراهن.
قال المهندس أحمد القناوي، عضو مجلس الشيوخ السابق، إن الوقت قد حان لتفعيل المادة (98) من اللائحة الداخلية لمجلس الشيوخ، بما تتيحه من إمكانية تشكيل لجان خاصة لبحث القضايا الوطنية الكبرى وإدارة حوار مجتمعي جاد حولها، بدلاً من الاكتفاء بمناقشات تقليدية لا تستوعب تعقيدات هذه الملفات.
وأشار في تصريحات لـ ليبرالي، إلى أن مجلس الشيوخ كان من الممكن يكون له دور أكبر في احتضان حوار وطني واسع حول أهم القضايا التي تتعلق بالشأن الاقتصادي والاجتماعي، بحيث تتشكل لجان تضم الخبراء وأصحاب المصلحة ومؤسسات المجتمع، وصولًا إلى توصيات متوازنة تدعم متخذ القرار، خاصة أن السنوات الماضية قد شهدت قضايا شديدة الحساسية والتأثير، مثل قانون الأحوال الشخصية، وقانون الإيجار القديم، وغيرها من الملفات التي تمس ملايين المصريين.

وأضاف القناوي، أن مجلس الشيوخ ليس مجرد غرفة تشريعية، بل هو بيت للخبرة والحوار، وتفعيل الأدوات التي منحتها له اللائحة، وفي مقدمتها المادة (98)، سيعزز من دوره الدستوري، ويجعل المجلس أكثر حضورًا وتأثيرًا في مناقشة القضايا التي تشغل الرأي العام وتهم مستقبل الوطن، مؤكدًا أن من الأفضل تفعيل الأدوات بدلاً من البحث عن تعديل الصلاحيات وتوسيعها.
بلا جدوى
من جانبه، رفض عدد من الأكاديميين فكرة إعادة هيكلة الصلاحيات، معتبرين أن الفلسفة التي قام عليها مجلس الشيوخ بوصفه «بيت خبرة وعقلًا مفكرًا» هي الصيغة الأنسب لمنع التضارب بين الغرفتين البرلمانيتين.
وأكد الأستاذ الدكتور عبد الجليل الهويدي، بكلية العلوم جامعة الأزهر، أنه لا يوجد مبرر منطقي لتوسيع صلاحيات المجلس في الوقت الحالي، مشددًا على أن المجلس يؤدي دوره الاستشاري وفق الاختصاصات المقررة له.
وأوضح، في تصريحات لـ«ليبرالي»، أن مجلس الشيوخ يضم قامات علمية وفكرية ومتخصصين في مختلف المجالات، بما يجعله منصة مناسبة للحوار المجتمعي ودراسة التشريعات قبل إحالتها إلى مجلس النواب.

وأشار إلى أن المطالبات بتوسيع الصلاحيات غير ذات جدوى، لأن المجلس يمتلك بالفعل آليات تمكنه من الاستعانة بالخبراء والجامعات والمؤسسات المختلفة لدراسة الملفات المعروضة عليه، مؤكدًا أن الصلاحيات الحالية كافية لضمان التكامل بين المجلسين.
بين النص والتطبيق
يقف مجلس الشيوخ اليوم عند مفترق طرق بين النص اللائحي والممارسة البرلمانية، فبينما يرى بعض النواب أن توسيع الصلاحيات قد يمنح المجلس حضورًا أكبر في المشهد السياسي، يرى خبراء أن الأولوية يجب أن تنصرف إلى تفعيل الأدوات التي يتيحها القانون بالفعل، وعلى رأسها المادة (98)، إلى جانب عدد من الآليات اللائحية التي لم تشهد استخدامًا واسعًا، قبل الدخول في أي نقاش يتعلق بتعديل الصلاحيات أو النصوص الدستورية.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل تتجه الدورات المقبلة إلى تفعيل الأدوات التي تتيحها اللائحة الداخلية بصورة أوسع، أم يستمر الجدل حول توسيع الصلاحيات قبل استنفاد الإمكانات التي يوفرها الإطار التشريعي القائم؟







