د. مجدي عبدالحميد
د. مجدي عبدالحميد

الاقتصاد التعاوني مسار بديل للاقتصاد غير الرسمي

في ظل تعاظم أعباء الدين الخارجي، والشروط الهيكلية والسياسية المجحفة التي تفرضها مؤسسات التمويل الدولية أو الاستثمارات الأجنبية المباشرة، يبرز الاقتصاد التعاوني كنموذج للتمويل الذاتي والتنمية المستدامة النابعة من الداخل.

يُمثّل الاقتصاد التعاوني في هذه الحالة بديلاً هيكليًا بالغ الأهمية، ففي الوقت الذي تعجز فيه الدولة بمواردها المحدودة، ولا تقوي الرأسمالية التقليدية علي استيعاب الفئات الأكثر احتياجًا، يأتي النموذج التعاوني كجسر يدمج التنمية الاجتماعية بالكفاءة الاقتصادية.حيث يمكن لهذا النموذج أن يتحول من مجرد “نشاط أهلي” إلى “محرك اقتصادي كلي” حقيقي.

أهمية الاقتصاد التعاوني للبلدان متوسطة ودون المتوسطة الدخل

في هذه الاقتصادات، غالبًا ما تعاني الأسواق من ثنائية حادة: قطاع رسمي منظم لكنه عاجز عن التوسع الأفقي، وقطاع غير رسمي ضخم يفتقر إلى الحماية والتمويل، ويعد مصطلح “الاقتصاد غير الرسمي” (أو الموازي/غير المنظم) من أضخم التحديات الهيكلية في الاقتصادات النامية ومتوسطة الدخل. فوفقاً لتقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية (ILO)، ينتج القطاع غير الرسمي في المتوسط حوالي 35% من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات النامية، ويستوعب حوالي 70% من إجمالي القوة العاملة.

هذا وتعد مصر والهند ونيجيريا من أبرز النماذج للدول التي يشكل الاقتصاد غير الرسمي/ غير المنظم فيها، مكون رئيسي للاقتصاد الكلي وذلك من حيث:

نسبة استيعاب العمالة: في مصر تتراوح بين ٥٠٪؜ ، ٦٠٪؜، وتصل في الهند ونيجيريا الي حوالي ٨٠٪؜، حجم القطاع غير الرسمي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي: تتراوح بين ٤٠٪؜ حتي ٥٥٪؜ في كل من مصر والهند، وتصل الي حوالي ٦٥٪؜ في نيجيريا.

هذا الحجم الضخم يترك آثاراً مزدوجة وعميقة على المؤشرات الاقتصادية الكلية والسياسات العامة:

  1. الأثر على المالية العامة والدين (العجز الضريبي):

إن بقاء نصف الأنشطة الاقتصادية تقريباً خارج الدائرة الرسمية يحرم الخزانة العامة من إيرادات ضريبية سيادية هائلة. هذا التآكل في الوعاء الضريبي يضطر الحكومات إلى سد العجز عبر خيارين كلاهما مر: إما زيادة العبء الضريبي على القطاع الرسمي الملتزم بالفعل، أو اللجوء إلى الاستدانة وسد العجز بالقروض.

  1. تدني معدلات الإنتاجية وتشتت رأس المال:

المشاريع غير الرسمية غالباً ما تعتمد على التشغيل اليدوي أو أدوات بدائية. ونظراً لخوفها من الملاحقة أو رغبتها في التخفي، فإنها تحجم عن النمو والتوسع، وتظل منشآت قزمية. هذا يمنعها من الاستفادة من وفورات الحجم، ويؤدي في النهاية إلى انخفاض إنتاجية العمل الكلية في الدولة مقارنة بالقطاعات المنظمة.

  1. غياب الأمان الاجتماعي واهتزاز سوق العمل:

العمالة في هذا القطاع تفتقر تماماً إلى مظلات التأمين الصحي، المعاشات، والحد الأدنى للأجور. في أوقات الأزمات الكبرى (مثل الأزمات التضخمية أو الوبائية)، تقع هذه الفئات سريعاً تحت خط الفقر، مما يضع عبئاً إغاثياً مفاجئاً وضخماً على شبكات الحماية الاجتماعية التابعة للدولة.

  1. تشويه مؤشرات التخطيط القومي:

عندما لا تملك الدولة بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج الحقيقي، والاستهلاك الفعلي، ومستويات الدخل في القطاع الموازي، تصبح أوراق السياسات والخطط الاستراتيجية القومية مبنية على قراءات منقوصة، مما يضعف كفاءة السياسات النقدية والمالية التوسعية أو الانكماشية.

وهنا تكمن أهمية الاقتصاد التعاوني حيث:

يوفر إطارًا قانونيًا وتنظيميًا يُمكّن صغار المنتجين كالمزارعين والحرفيين من الانضمام لقنوات التوزيع الرسمية دون تحمل أعباء التأسيس الفردي الباهظة، وهو ما يعرف بدمج القطاع غير الرسمي.

تعمل التعاونيات كدرع جماعي يحمي الأعضاء من احتكار كبار التجار والمستوردين، سواء في شراء مستلزمات الإنتاج أو في تسويق المنتجات النهائية.

العدالة في توزيع الدخل، حيث توزع الأرباح بناءً على المعاملات والجهد المبذول وليس فقط على نسبة تملك رأس المال، وبهذا يحد ذلك النموذج من اتساع الفجوة الطبقية ويدعم القوة الشرائية للطبقات المتوسطة والدنيا.

التشغيل الكفء للأيدي العاملة:

النموذج التقليدي للتوظيف يرتكز على تعظيم أرباح المساهمين، مما يؤدي غالبًا إلى تسريح العمالة أو اللجوء للآلية عند أول أزمة. في المقابل، يعتمد الاقتصاد التعاوني على التشغيل الكثيف والأمين، من خلاله تتم:

مواءمة المهارات مع الاحتياجات المحلية: التعاونيات تنشأ من رحم المجتمعات المحلية، وبالتالي فهي توظف الأفراد بناءً على المهارات المتاحة وتعمل على تطويرها جماعيًا.

تقليل الهدر في الطاقات البشرية: يصبح العمال هم المالكون لوسائل الإنتاج، مما يرفع من إنتاجيتهم وشعورهم بالمسؤولية، ويقضي على البطالة المقنعة عبر التوزيع العادل للمهام والأدوار وتدويرها بكفاءة.

تعويض ضعف المكون الرأسمالي الكبير:

عندما تكون رؤوس الأموال الفردية صغيرة ومشتتة، فإن تجميعها تعاونياً يخلق قوة استثمارية لا يستهان بها، حيث يتم:

تجميع المدخرات الصغيرة: بدلاً من انتظار استثمارات أجنبية ضخمة أو قروض بنكية بشروط مجحفة، يقوم النموذج التعاوني على تجميع الحصص الصغيرة للأعضاء لإنشاء رأس مال تشغيلي معقول.

وفورات الحجم: حتى لو كان المكون الرأسمالي صغيراً، فإن الشراء الجماعي للمواد الخام يمنح التعاونية قدرة تفاوضية للحصول على أسعار مخفضة، كما أن التسويق الجماعي يقلل من تكلفة الشحن والترويج التي يعجز عنها المنتج الفردي.

تعظيم قيمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة:

المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي العمود الفقري لأي اقتصاد نامٍ، لكنها تعاني دائمًا من قصر عمرها الإنتاجي وصعوبة استمرارها، يعظم الاقتصاد التعاوني قيمتها عبر:

التكتلات التعاونية: وهو ما يعني ربط مجموعة من الورش الصغيرة أو المزارع المحدودة في شبكة واحدة تتقاسم التكنولوجيا، ومخازن التبريد، أو خطوط التعبئة والتغليف، مما يحول هذه الكيانات الصغيرة المشتتة إلى قوة إنتاجية منافسة.

التمويل المشترك المخفف للمخاطر: من خلال صناديق الائتمان التعاونية، يستطيع أصحاب المشاريع الصغيرة الحصول على قروض بفوائد رمزية وبشروط سداد مرنة تضمن استمرارية المشروع بدلاً من تعثره.

المساهمة في تطوير الاقتصاد الكلي وزيادة الناتج المحلي الإجمالي:

لا ينبغي النظر للتعاونيات كأداة رعائية، بل كشريك أصيل في حسابات الدخل القومي:

تحفيز الطلب المحلي: توزيع العوائد على نطاق واسع بين الأعضاء يعني توجيه هذه الأموال مباشرة للاستهلاك المحلي (الغذاء، التعليم، الصحة)، مما يحفز الأسواق المحلية ويدفع عجلة الإنتاج.

تخفيف العبء المالي عن الدولة: تساهم التعاونيات في تقديم الخدمات الأساسية (كالإسكان التعاوني، الرعاية الصحية، والتعليم البديل) بكفاءة عالية وأسعار تكلفة، مما يخفف من بنود الإنفاق العام للدولة ويوجه الميزانية العامة نحو مشاريع البنية التحتية الكبرى.

استقرار سلاسل الإمداد: تضمن التعاونيات الزراعية والإنتاجية تدفقاً مستمراً للسلع الأساسية للأسواق، مما يقلل من الصدمات التضخمية الناتجة عن الاحتكار أو نقص المعروض.

توظيف التكنولوجيات الحديثة في المشاريع ضعيفة رأس المال:

في الاقتصاد التقليدي، تعد التكنولوجيات المتقدمة (مثل برمجيات إدارة سلاسل الإمداد، منصات البيع الرقمية، تقنيات الزراعة الذكية، والذكاء الاصطناعي) حكرًا على الشركات الكبرى القادرة على تحمل تكلفتها. الاقتصاد التعاوني يكسر هذا الاحتكار عبر:

الملكية المشتركة للتكنولوجيا: تستطيع التعاونية التي تضم 500 مزارع صغير شراء طائرة بدون طيار (Drone) لمسح الأراضي أو نظام ري ذكي متطور، وهو ما يستحيل على مزارع واحد بمفرده امتلاكه.

منصات التعاون الرقمي: إنشاء منصات رقمية مملوكة تشاركياً (على غرار تطبيقات التوصيل أو التجارة الإلكترونية ولكن بإدارة وتملك العاملين أنفسهم)، مما يتيح لصغار المنتجين الوصول المباشر للمستهلك النهائي دون دفع عمولات باهظة للشركات التقنية الاحتكارية.

زيادة الإنتاجية:

الإنتاجية في النموذج التعاوني لا تزيد فقط بزيادة الآلات، بل بالدوافع الإنسانية والتنظيمية:

الرقابة الذاتية والمسؤولية التضامنية لجميع الشركاء، وهو ما يؤثر علي تقليل الهدر ويؤدي الي ارتفاع جودة المنتج.

التدريب المستمر كمبدأ تعاوني أساسي، وهو ما يؤدي الي رفع المهارات الفنية والإدارية للعمال بشكل مستمر.

تبادل الخبرات ونقل المعرفة والابتكار بين الأعضاء، وينتج عنه تسريع وتيرة التطوير والتعلم الجماعي داخل المؤسسة.

مما سبق، يتضح أن الاقتصاد التعاوني ليس مجرد قطاع ثالث هامشي، بل هو خيار استراتيجي لإعادة هيكلة الاقتصادات النامية ودون المتوسطة، وبناء نموذج تنموي مرن، تشاركي، وقائم على المعرفة والاستخدام الكفء لأقل الموارد المتاحة.