
تزايد التنافس الدولي على الأسواق الأفريقية
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها القارة الأفريقية، وتزايد التنافس الدولي على أسواقها ومواردها، تواصل مصر إعادة صياغة حضورها داخل القارة من خلال سياسة تقوم على الشراكة والتنمية والتكامل الاقتصادي، بعيدًا عن الأنماط التقليدية للعلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، جاءت الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جمهورية تنزانيا المتحدة، لتؤكد أن أفريقيا أصبحت إحدى الركائز الرئيسية في التحرك الخارجي المصري.
ولم تقتصر الزيارة على المباحثات السياسية بين الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيسة سامية صلوحو حسن، وإنما شهدت انعقاد منتدى الأعمال المصري-التنزاني بمشاركة واسعة من رجال الأعمال والمستثمرين، بما يعكس توجهًا نحو توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، والبناء على النجاحات التي تحققت خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري لتوليد الطاقة الكهرومائية.

ولقراءة أبعاد هذه الزيارة، ورسائلها السياسية والاقتصادية، ومستقبل العلاقات “المصرية – التنزانية”، أجرت “ ليبرالي ” حوارًا مع الكاتب والمحلل السياسي الإريتري سليمان آدم، وإلى نص الحوار
في البداية .. كيف تنظرون إلى أهمية زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لتنزانيا؟
الزيارة تحمل دلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي المعتاد، فهي تأتي ضمن سياسة مصرية متكاملة تستهدف تعزيز الحضور داخل القارة الأفريقية عبر أدوات التنمية والاستثمار والتعاون الاقتصادي.
كما أنها تؤكد أن القاهرة تنظر إلى أفريقيا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا، وأن العلاقات مع دولها لم تعد تقتصر على التنسيق السياسي، بل أصبحت تمتد إلى تنفيذ مشروعات تنموية وبناء شراكات طويلة الأمد.

لماذا تمثل تنزانيا أهمية خاصة في التحرك المصري؟
تنزانيا من أهم دول شرق أفريقيا، وتمتلك مؤقتًا استراتيجيًا على المحيط الهندي، كما أنها عضو مؤثر في مجموعة شرق أفريقيا ومن دول حوض النيل، وإلى جانب ذلك، تمتلك موارد طبيعية كبيرة وسوقًا واعدة للاستثمار، وهو ما يجعلها شريكًا مهمًا لمصر في إطار رؤيتها لتعزيز التعاون مع دول القارة وتحقيق التكامل الاقتصادي.
هل جاءت الزيارة لتدشين مرحلة جديدة أم لاستكمال مسار قائم بالفعل؟
العلاقات بين البلدين ليست جديدة، وإنما امتد لعقود طويلة اتسمت بالاحترام والتعاون، لكن ما يميز المرحلة الحالية هو الانتقال من العلاقات التقليدية إلى شراكات عملية تقوم على تنفيذ مشروعات كبرى وتوسيع التعاون الاقتصادي، وهو ما يجعل الزيارة امتدادًا لمسار بدأ بالفعل ويشهد تطورًا متسارعًا.

مشروع جوليوس نيريري أصبح رمزًا للعلاقات “المصرية ـ التنزانية”.. كيف تقيمون هذا المشروع؟
مشروعات الطاقة الكهرومائية في أفريقيا
يعد المشروع أحد أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، ونفذه تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة في الكفاءات المصرية، ولا يمثل المشروع مجرد إنجاز هندسي، بل نموذجًا للتعاون الأفريقي القائم على تبادل الخبرات وتحقيق التنمية المشتركة، ويؤكد أن الشركات المصرية قادرة على تنفيذ مشروعات استراتيجية وفق أعلى المعايير الفنية.
هل يقتصر تأثير المشروع على الجانب الاقتصادي؟
بالتأكيد لا؛ فالمشروع يحمل أبعادًا تنموية وسياسية أيضًا، حيث يسهم في زيادة إنتاج الكهرباء داخل تنزانيا، ويدعم خطط التنمية الصناعية والزراعية، كما يعكس قدرة الدولة الأفريقية على التعاون فيما بينها بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الشركاء من خارج القارة.

كيف تقرأون تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟
هناك تطور ملحوظ، فحجم التبادل التجاري ارتفع من نحو 37.7 مليون دولار عام 2020 إلى 51.4 مليون دولار في عام 2021، ثم إلى نحو 78 مليون دولار خلال عام 2023، وهذه الأرقام تؤكد أن العلاقات الاقتصادية تسير في الاتجاه الصحيح، لكنها في الوقت ذاته تكشف أن هناك إمكانات أكبر بكثير لم تُستغل بعد، سواء في التجارة أو الاستثمار أو إقامة المشروعات المشتركة.
وما أهمية منتدى الأعمال المصري ـ التنزاني الذي عُقد خلال الزيارة؟
المنتدى يمثل خطوة مهمة لأنه يترجم الإرادة السياسية إلى تعاون اقتصادي عملي، ويجمع المستثمرين ورجال الأعمال من البلدين لبحث الفرص المتاحة، وتأسيس شراكات جديدة، وإزالة العقبات التي قد تواجه الاستثمار، وهو ما يمنح القطاع الخاص دورًا أكبر في دفع العلاقات الثنائية.
هل يمكن أن يصبح القطاع الخاص قاطرة للعلاقات “المصريةـ الأفريقية”؟
بالتأكيد، فالقطاع الخاص يمتلك القدرة على التحرك السريع وخلق فرص عمل ونقل التكنولوجيا والخبرات، وعندما يحظى بدعم سياسي وإطار تشريعي مناسب، يصبح أحد أهم أدوات تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الدول، وهو ما تدركه الدولة المصرية في تحركاتها الحالية داخل أفريقيا.
أهمية التواجد المصري في القارة الأفريقية
كيف تنعكس هذه الزيارة على مكانة مصر داخل القارة الأفريقية؟
تعزز الزيارة صورة مصر كشريك يعتمد على التنمية وليس فقط على الخطاب السياسي، بالقاهرة أصبحت تقدم نموذجًا قائمًا على تنفيذ المشروعات، وتبادل الخبرات ودعم التنمية، وهو ما يمنحها مصداقية كبيرة لدى العديد من الدول الأفريقية التي تبحث عن شراكات تحقق نتائج ملموسة.
هل يمكن اعتبار هذه الزيارة جزءًا من استراتيجية مصرية أوسع تجاه أفريقيا؟
بالتأكيد، فمنذ سنوات تتبني مصر سياسة تقوم على تعميق علاقاتها مع مختلف الأقاليم الأفريقية، سواء في الشرق أو الغرب أو الوسط أو الجنوب، انطلاقًا من قناعة بأن الأمن القومي المصري يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار القارة، وأن التعاون الاقتصادي يمثل أحد أهم أدوات تعزيز هذا الاستقرار.
ما أبرز المجالات المرشحة للتعاون خلال المرحلة المقبلة؟
هناك فرص كبيرة في قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والنقل والزراعة والصناعات الغذائية والدواء والتعليم والتدريب والتحول الرقمي، كما أن الخبرات المصرية في مجالات المقاولات والإسكان والمرافق يمكن أن تسهم في تنفيذ العديد من المشروعات داخل تنزانيا.
كيف ترون الرسائل السياسية التي حملتها الزيارة؟
الرسالة الأهم هي أن مصر مستمرة في دعم التعاون الأفريقي من خلال التنمية والشراكة، وأنها حريصة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف دول القارة تقوم على الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة، بعيدًا عن أي سياسات تقوم على الهيمنة أو فرض النفوذ.
وما انعكاس ذلك على مستقبل العلاقات “المصرية ـ التنزانية”؟
أتوقع أن تشهد العلاقات مزيًدا من التطور خلال السنوات المقبلة، سواء من خلال زيادة حجم التجارة، أو إطلاق مشروعات جديدة، أو توسيع الاستثمارات المصرية داخل تنزانيا، خاصة مع وجود إرادة سياسية واضحة لدى قادتي البلدين لتعزيز هذا التعاون.
أخيرًا .. كيف يمكن تلخيص أهمية هذه الزيارة؟
يمكن القول إن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا تمثل محطة مهمة في مسار العلاقات بين البلدين، وتجسد رؤية مصرية حديثة تجاه أفريقيا تقوم على التنمية والتكامل الاقتصادي وتبادل الخبرات .
كمان أنها تؤكد أن القاهرة تسعى إلى بناء شراكات مستدامة تحقق مصالح جميع الأطراف، وتسهم في دعم الاستقرار والازدهار داخل القارة، وهو ما يجعل العلاقات “المصرية–التنزانية” نموذجًا يمكن البناء عليه في تعزيز التعاون الأفريقي خلال المرحلة المقبلة.








