ورقة باب المندوب.. الحوثيون يقلدون النموذج الإيراني للضغط على السعودية

أعلن الحوثيون استهدافهم عددًا من مواقع إمداد ونقل النفط الخام الحساسة التي تربط شرق المملكة العربية السعودية بمدينة ينبع، مركز تصدير النفط الحيوي على البحر الأحمر، ردًا على اختراق طائرات مسيرة سعودية للمجال الجوي اليمني.

وقال مسئول خليجي، إن هجوم يوم الإثنين، تسبب في أضرار طفيفة لمنشأة بقيق لمعالجة النفط وتثبيته، وهي الأكبر في العالم، وتعالج نحو 7 مليون برميل يوميًا، وأظهرت صور التقطها القمر الصناعي “سنتينل-2” التابع للاتحاد الأوروبي لمراقبة الأرض اشتعال النيران في المنشأة، إلا أن البيان السعودي الرسمي لم يحدد “بقيق” كهدف للهجوم.

ويربط مضيق باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وكما هو الحال مع مضيق هرمز، يعتمد جزء كبير من الاقتصاد العالمي على انسيابية حركة الملاحة البحرية عبره، ويمر عبر البحر الأحمر ما يقارب 30% من حركة الحاويات العالمية، و12 إلى 15% من إجمالي التجارة العالمية.

خلفية الأحداث .. الحوثيين وأنابيب نقل النفط
بدأ التصعيد بعد أن هاجمت السعودية مطار صنعاء الدولي قبل أكثر من أسبوعين، جاء الهجوم عقب قرار الحوثيين إعادة فتح مطار صنعاء أمام الرحلات الجوية المباشرة من إيران، لتكون أولى الرحلات من هذا النوع منذ عام 2015، والتي تعتبرها الرياض خطاً أحمر، ودلالة على تنامي النفوذ الإيراني، بما في ذلك احتمال نقل الأسلحة مباشرة، ولكن كما كانت الرحلات الجوية المباشرة بين صنعاء وإيران خطاً أحمر بالنسبة للرياض والحكومة اليمنية المتحالفة معها، كان الهجوم على مطار صنعاء الدولي خطاً أحمر بالنسبة للحوثيين.

ما جعل الحوثيون يصعدون من تهديدهم لطريق تصدير النفط الحيوي الذي تستخدمه السعودية للالتفاف حول مضيق هرمز، وتمنح جغرافية اليمن من يسيطر على غرب البلاد نفوذًا كبيرًا على حركة الملاحة عبر باب المندب.

ويسمح خط الأنابيب بنقل النفط غربًا عبر السعودية إلى ميناء على البحر الأحمر للرياض بالحفاظ على حجم صادراتها خلال الحرب، ومن هنا تبحر ناقلات النفط عبر مضيق باب المندب وصولًا إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية المتعطشة للنفط.

وفي الأسبوع الماضي، أعلن الحوثيون عزمهم فرض حصار بحري على السعودية، ونفذوا عدة هجمات على سفن سعودية في الأيام الأخيرة، وأجبر الحصار والهجمات المزيد من النفط السعودي على سلوك مسار أطول وأكثر تكلفة وأكثر تعقيدًا من الناحية التقنية عبر قناة السويس المصرية وحول أفريقيا.

وفقًا لمنصة التحليلات “كيبلر” يوم الاثنين، أن هجمات الحوثيين على مستودعات النفط السعودية على طول البحر الأحمر يوم الأحد، أدت إلى انخفاض حركة السفن عبر مضيق باب المندب، وبحسب بيانات “كيبلر” شهد المضيق مرور 11 سفينة شحن فقط، وهو أدنى عدد من السفن يعبره منذ أشهر.

كما شن الحوثيون هجمات على أهداف نفطية سعودية خلال الحرب مع إيران، كما فعلوا في فترات التوتر السابقة، وفي عام 2019 أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم على بقيق، وهو هجوم أدى إلى خفض إنتاج المملكة من النفط إلى النصف.

وحذر الرئيس ترامب من هجمات الحوثيين، قائلاً إنه سيحمل إيران المسؤولية عنها، وقد أوقفت الولايات المتحدة وإيران تبادل إطلاق النار بعد نحو أسبوعين من الضربات الأمريكية على البنية التحتية الإيرانية.

انهيار الهدنة
يهدد التصعيد بإعادة الصراع إلى اليمن، حيث أودت الحرب بحياة مئات الآلاف من الأشخاص بعد اقتحام الحوثيين العاصمة صنعاء عام 2014، ما دفع السعودية للتدخل على رأس تحالف عربي، وتم التوصل إلى هدنة عام 2022، إلا أنها انهارت جراء إطلاق النار عبر الحدود مؤخرا، ويرى مسؤولون سعوديون، ودبلوماسيون غربيون، ومسؤولون يمنيون، أن العودة إلى حرب شاملة باتت الآن أكثر ترجيحا من أي وقت مضى، ويمثل هذا التصعيد الأخير بين السعودية والحوثيين أول اشتباكات بين الطرفين منذ سنوات.

قناة السويس .. الحل الآمن الوحيد
يأتي تهديد الحوثيين لصادرات النفط السعودية في وقت لا تزال فيه اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين تعاني من تداعيات إغلاق مضيق هرمز، وتسعى الحكومات الآسيوية جاهدة لتجنب ثاني أزمة طاقة كبرى في غضون ستة أشهر، حيث يواجه مضيق باب المندب حصارًا عنيفًا، مما يجعل قناة السويس الممر الوحيد المفتوح تمامًا أمام حركة النفط الخليجية.

وتفيد التقارير أن بعض مصافي النفط اليابانية والكورية الجنوبية تسعى للالتفاف على تهديد الحوثيين بتحويل مسار الشحنات شمالًا عبر قناة السويس، إلى البحر الأبيض المتوسط ​​وحولأفريقيا، إلا أن هذاالمسارالطويل ينطوي على تكاليف باهظة.

فناقلة النفط العملاقة (VLCC) وهي أكبر ناقلات النفط حجمًا، أكبر من أن تعبر قناة السويس وهي محملة بالكامل، ما يعني أن الشحنات ستضطر إلى تفريغ ما يصل إلى نصف حمولتها من النفط في البحر الأحمر، ثم نقلها عبر خط أنابيب سوميد المصري إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث سيعاد تحميلها بعد عبور القناة، ما يزيد من التكاليف والتعقيدات اللوجستية للرحلة.

كما أن تحويل مسار النفط عبر البحر الأبيض المتوسط ​وحول رأس الرجاء الصالح سيضاعف مدة الرحلة لأكثر من الضعف بالنسبة لمعظم المستوردين الآسيويين، ما يزيد من تكاليف الشحن والوقود.

إلا أنه في الوقت الراهن قد يكون الكثيرون على استعداد لتحمل هذه التكلفة، فقد استهدف الحوثيون ناقلتي نفط سعوديتين على الأقل أثناء خروجهما من البحر الأحمر الأسبوع الماضي، وشنوا هجمات على البنية التحتية النفطية السعودية هذا الأسبوع، وانخفض عدد السفن العابرة لمضيق باب المندب إلى أدنى مستوى له منذ أشهر، حيث يبدو أن حركة الشحن الدولية قد شلت بسبب تهديد الحوثيين، ما يعني أن شركات نقل النفط أخذت التهديدات على محمل الجد.

وقد استجابت شركات التأمين بالمثل، حيث أفادت التقارير أن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب التي تدفعها ناقلات النفط قد تضاعفت خلال الأسبوع الماضي، مما قد يضيف مئات الآلاف من الدولارات إلى تكلفة الرحلة.

روسيا المستفيدة من الأزمة
في ظل غياب حلول قصيرة الأجل، تشير التقارير إلى أن المستوردين الآسيويين يتجهون إلى مصادر خارجية للإمدادات، ومن المرجح أن تستفيد روسيا مرة أخرى من الفوضى في الشرق الأوسط.

ففي وقت سابق من هذا العام، أفادت التقارير أن اليابان وكوريا الجنوبية اشترتا النفط الروسي لأول مرة منذ غزو موسكو لأوكرانيا عام 2022، وفي الأسبوع الماضي، ذكرت وكالة رويترز أن مصفاة صينية زادت من مشترياتها من النفط الخام الروسي الخاضع للعقوبات لمواجهة الاضطرابات الأخيرة.

يشير هذا الاضطراب والفوضى إلى حقيقة تجاهلتها الحكومات في آسيا لفترة طويلة وهي أن أنظمة الطاقة لديها لا تزال هشة للغاية، ولم تتوقف حركة الملاحة عبر باب المندب تمامًا، إذ لا تزال بعض ناقلات النفط الخام المتجهة إلى آسيا تعبر الممر المائي.

أن أي تعطيل مستمر لمضيق باب المندب سيضع نقطة اختناق نفطية رئيسية ثانية تحت ضغط كبير بعد إغلاق مضيق هرمز، كما أن السعودية مارست ضبطًا كبيرًا للنفس في المنطقة المجاورة، ورفضت الاستفزازات الإيرانية غير المبررة، كما أن الرياض لا ترغب في اندلاع حرب، إلا أن الوضع الآن خطير، فاستمرار هجمات الحوثيين قد يصعب عليها الحفاظ على هذا الضبط.

إن التهديد الحوثي الجديد للشحن السعودي عبر باب المندب يتماشى بوضوح مع الهدف الإيراني الأوسع نطاقاً المتمثل في تعطيل الشحن وأسواق الطاقة العالمية للحفاظ على الضغط على الولايات المتحدة، حتى وإن لم يكن الحوثيون يتلقون الأوامر من طهران فحسب.

فالهدف من هذا التهديد ليس إغلاق باب المندب، بل إظهار قدرة الحوثيين على رفع التكلفة الاقتصادية على الرياض متى شاؤوا هو أمر بالغ الأهمية، كما أن للحوثيين مكاسب جمة من تصعيد محدود ومحكم مع السعودية، وهي القدرة على تهديد ما تبقى للسعودية من طريق إلى أسواق النفط العالمية.