مقالات

صناعة التوهان.. سنوات مدبولي في البحث عن الحل

كلما تحدث أحد عن مشكلة في مصر، يأتي السؤال سريعًا: طيب والحل إيه؟ حتى تسربت الفكرة إلى الخطاب الحكومي نفسه: «اللي عنده حل يقوله»، عبارة تبدو منفتحة، لكنها تكشف تحولًا أخطر: السلطة التنفيذية، المكلفة بإيجاد البدائل واتخاذ القرار وتنفيذه، أصبحت تسأل المجتمع عن الحل، والمجتمع بدوره اقتنع بأن أزمته هي أنه لم يعثر عليه بعد.

هذه في تقديري واحدة من أكبر أزمات الوعي الجمعي في مصر اليوم. فالمشكلة في كثير من الملفات ليست غياب الحل، وإنما غياب الاعتراف بالمشكلة أولًا، ثم غياب الانضباط في تنفيذ ما تقرر بشأنها، وبين الاثنين نشأت حالة يمكن تسميتها «صناعة التوهان».

عندما يصبح الانتباه موردًا نادرًا

صناعة التوهان ليست مؤامرة، بل نتيجة يمكن تفسيرها بأفكار مستقرة في علوم الإدارة وصناعة القرار. هربرت سايمون، أحد أهم من درسوا القرار داخل المؤسسات، أسس مفهوم «العقلانية المحدودة»: فالفرد والمؤسسة لا يستطيعان استيعاب عدد لا نهائي من المعلومات والبدائل، ومن ثم يصبح الانتباه نفسه موردًا نادرًا.

وهنا يمكن فهم التوهان. عندما يصبح أمام المجتمع سيل مستمر من الاستراتيجيات والمبادرات واللجان والمستهدفات والتصريحات، فإن زيادة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة، بل قد تعني تراجع القدرة على تثبيت الانتباه على السؤال الأهم: ماذا تحقق فعلًا؟، فتصبح المؤسسة شديدة النشاط، لكنها محدودة الإنجاز، ويصبح النشاط نفسه دليلًا بديلًا عن النتيجة.

وفي نظرية التنظيم، قدم مايكل كوهين وجيمس مارش ويوهان أولسن «نموذج سلة المهملات» لصناعة القرار، فالمؤسسات المعقدة لا تتحرك دائمًا بالترتيب الذي نتخيله: مشكلة، ثم تحليل، ثم حل، ثم تنفيذ. أحيانًا تتحرك المشكلات والحلول في مسارات منفصلة، وقد توجد حلول تبحث أصلًا عن مشكلات تناسبها.

ويبدو الوصف مألوفًا لدينا: رؤية مصر 2030، وبرامج الإصلاح الاقتصادي والهيكلي، ووثيقة سياسة ملكية الدولة، ومؤتمرات اقتصادية، وحوار وطني، ثم السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، واستراتيجيات قطاعية ولجان وتوصيات. فإذا تعثر التنفيذ، لا نسأل دائمًا لماذا لم ننفذ؛ بل ننتج أحيانًا وثيقة جديدة، أو نحدّث استراتيجية، أو نعقد حوارًا آخر.

وهكذا نعالج أزمة التنفيذ بمزيد من إنتاج الحلول. هذه هي صناعة التوهان: أن تتحول كثافة النشاط إلى بديل عن وضوح الاتجاه.

المشكلة التي لا نعترف بها لا يمكن حلها

قبل ذلك توجد عقبة أكثر بدائية: الاعتراف بالمشكلة، كارل بوبر وضع اكتشاف الخطأ وتصحيحه في قلب رؤيته للتقدم المعرفي. فلا تقدم حقيقيًا إذا كانت المؤسسة مشغولة بإثبات أنها كانت على حق أكثر من انشغالها باكتشاف أين أخطأت.

فإذا كان التراجع مؤقتًا دائمًا، والاختلال ناتجًا عن الظروف الخارجية دائمًا، والمستهدف الذي لم يتحقق يُستبدل بمستهدف أحدث، فإننا لا نصل أصلًا إلى مرحلة العلاج. لا تستطيع إصلاح مؤسسة تعتبر كل نقد لها سوء فهم.

ولذلك فإن السؤال الذي يسبق «ما الحل؟» هو: هل اعترفنا أصلًا بما هي المشكلة؟.

النائب ليس وزيرًا بديلًا

حين يسأل النائب وزيرًا عن مشكلة، فهو لا يتقدم لشغل وظيفته. وظيفته أن يسأل: ماذا حدث؟ لماذا؟ من المسؤول؟ ما الخطة؟ متى التنفيذ؟ وكيف نقيس النتيجة؟ هذه أسئلة، لا سيرة ذاتية لوظيفة يتقدم لها.

أما أن يُطلب من النائب أن يكتشف المشكلة، ويضع الحل، ويصمم البرنامج، ويحدد التمويل، ثم يقنع الحكومة بتنفيذه، فهذا لم يعد رقابة، بل وزارة موازية بلا مكتب ولا ميزانية ولا سلطة توقيع. وعندها يحق لنا أن نسأل: لماذا نسميها سلطة تنفيذية إن كان المطلوب من غيرها أن يقوم بوظيفتها؟

بالطبع يقدم النواب والأحزاب والخبراء بدائل. لكن تحويل كل نقد إلى سؤال «وأنت عندك حل؟» يقلب منطق المساءلة: من كشف المشكلة يصبح مطالبًا بالدفاع عن نفسه، بينما المسؤول عن إدارتها يتحول إلى حكم على حلول الآخرين.

الوعي الجمعي الباحث عن الحل

وهنا الخطر الأكبر.

لقد ترسخت في وعينا الجمعي فكرة أن مصر تنتظر «الحل»، وكأن هناك قطعة مفقودة في أحجية ضخمة. لكن ماذا لو كان الحل قد قيل بالفعل؟ وماذا لو كانت المشكلة أن المجتمع لا يحتفظ بذاكرته الرقابية طويلًا بما يكفي ليسأل: ماذا حدث للحل السابق؟

كل أزمة تفتح نقاشًا، وكل نقاش ينتج مقترحات، ثم تأتي أزمة أخرى فينتقل الانتباه إليها قبل إغلاق حساب سابقتها. وهنا تعمل «صناعة التوهان» بكفاءة: ليس بإخفاء المعلومات، وإنما بإغراق الانتباه.

فنتحول إلى باحثين دائمين عن الحل، بدلًا من مراقبين دائمين للتنفيذ. نسأل ماذا ينبغي أن نفعل غدًا، قبل أن نسأل ماذا فعل المسؤول بما وعد به بالأمس. ويشعر المجتمع بأنه يناقش السياسة العامة طوال الوقت، بينما تتراجع أبسط قواعدها: تحديد المسؤولية، وقياس النتيجة، ثم المحاسبة.

قصة نجاح مصطفى مدبولي

ومن هنا يمكن قراءة سنوات الدكتور مصطفى مدبولي.

إذا كان هناك مؤشر أداء واضح في تجربته، فهو الاستمرارية. فعلى مدار سنوات رئاسته للحكومة، مر على حكوماته قرابة 90 وزيرًا بين تعيين وتغيير وخروج. مرت أزمات في العملة والدين والطاقة والأسعار والاستثمار، وتغير الوزراء والمسؤولون، وأُعلنت برامج وانطوت ومستهدفات عديدة لم تحقق واستراتيجيات عديدة، بينما بقي رئيس الوزراء.

تغير الوزراء، وتغيرت الأولويات، وتغيرت الوعود والمستهدفات، وبقي مدبولي. وهذه، بمعيار البقاء السياسي، قصة نجاح استثنائية.

لكن المفارقة الأكثر إثارة أن سنوات استمراره في رئاسة الحكومة تزامنت مع بقاء الوعي الجمعي نفسه منشغلًا بالسؤال: أين الحل؟ وتزامنت مع زيادة للفجوة الطبقية إلى حد بدت معه الحكومة وكأنها تستحي ان تعلن عن ارقام الفقر.

لا تحتاج الإدارة في هذا النموذج إلى إقناع الناس بأن كل شيء بخير؛ يكفي أن يبقى الجميع مختلفين حول ما ينبغي فعله، فبينما يتجادل المجتمع حول المستقبل، يتراجع السؤال عن الماضي: ماذا وعدتم؟ ماذا نفذتم؟ ولماذا لم يتحقق ما أعلنتموه؟.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في سنوات مدبولي: أن يتغير كل شيء تقريبًا، بينما يبقى المسؤول الأول عن الحكومة، ويبقى السؤال نفسه: أين الحل؟

الحل ليس في الحل

مصر ليست فقيرة في الأفكار. لدينا خبراء ودراسات وتجارب، وداخل أجهزة الدولة نفسها معرفة متراكمة وحلول مكتوبة منذ سنوات.

ما نفتقده أكثر بساطة وأكثر قسوة: الاعتراف بالمشكلة، والانضباط في اختيار مسار وتنفيذه، ثم المحاسبة على النتيجة.

لذلك ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال «الحل إيه؟»، ولنسأل بدلًا منه: ماذا حدث للحل السابق؟ من كان مسؤولًا عنه؟ ماذا نُفذ منه؟ لماذا لم ينفذ الباقي؟ ومن حوسب؟

أما عبارة “اللي عنده حل يقوله”، فقد آن الأوان لقلبها:

الحلول قيلت بما يكفي، الذي عنده سلطة التنفيذ، فليقل لنا ماذا نفذ.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى