عربي ودولي

قصف كييف وتصاعد الضغوط على موسكو.. حرب المسيرات تفتح جبهات جديدة

كثفت موسكو وكييف هجماتهما بعيدة المدى خلال الأشهر الأخيرة، مستهدفتين بصورة خاصة المنشآت اللوجستية ومنشآت الطاقة والنفط والموانئ، في وقت تتسع فيه دائرة الضربات المتبادلة بين الجانبين.

ولقي 37 شخصًا على الأقل مصرعهم إثر غارة جوية روسية بطائرات مسيرة، تسببت في اندلاع حريق هائل وانفجارات داخل مستودع لتخزين الذخيرة والطائرات المسيرة والألغام التابعة للجيش الأوكراني في العاصمة كييف.

مكتب المدعي العام يفتح تحقيقًا

أعلن مكتب المدعي العام الأوكراني بدء تحقيق تمهيدي في احتمال وجود إهمال يتعلق بظروف تخزين المعدات والذخائر داخل المستودع.

وقال رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية في مقاطعة كييف، تيمور تكاتشينكو، إن 42 شخصًا على الأقل، بينهم أربعة أطفال، أصيبوا أيضًا في الهجوم على قرية ميلا، مشيرًا إلى إجلاء نحو 400 شخص من المنطقة.

وأعلن سلاح الجو الأوكراني أن روسيا أطلقت صاروخًا مضادًا للسفن من طراز «أونيكس»، وصاروخًا باليستيًا من طراز «إسكندر»، إضافة إلى 267 طائرة مسيرة على أوكرانيا، موضحًا أن الدفاعات الجوية المحلية أسقطت أو عطلت 233 طائرة مسيرة.

وتعهد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمعاقبة المسؤولين عن انفجار المستودع، الذي أسفر عن واحدة من أعلى حصائل القتلى خلال الأشهر الأخيرة.

ويبدو أن الحادث هو الثاني من نوعه خلال شهرين، بعدما وقع انفجار مماثل في بلدة فيشنيفه إحدى ضواحي كييف، الشهر الماضي، وأسفر عن مقتل 10 أشخاص وتضرر مئات المنازل، إثر غارة جوية تسببت في انفجارات ثانوية.

الطائرات المسيرة النفاثة الروسية.. كابوس جديد لأوكرانيا

تعد الطائرات المسيرة النفاثة إضافة حديثة نسبيًا إلى الترسانة الروسية، إذ رصد استخدامها للمرة الأولى في بداية العام تقريبًا، وسط تحذيرات من خطورتها المتزايدة.

وتصل سرعة هذه الطائرات إلى نحو 500 كيلومتر في الساعة، ما يمنحها قدرة أكبر على تجاوز بعض أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية.

كما أنها أسرع من أن تتمكن فرق الدفاع المتنقلة في كييف من إسقاطها بسهولة، ما يجعل التعامل معها يعتمد بصورة أكبر على صواريخ أرض-جو أو الطائرات المقاتلة، وهما من الوسائل المتاحة لأوكرانيا بكميات محدودة للغاية.

موسكو تسعى إلى بث الخوف في نفوس الأوكرانيين

تتزامن حملة الطائرات المسيرة الأخيرة مع النقص الحاد الذي تعانيه أوكرانيا في صواريخ «باتريوت» الاعتراضية، وهي من أبرز الأسلحة التي تمتلكها البلاد للتصدي للصواريخ الباليستية.

واستغلت روسيا هذا النقص في منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية خلال الأشهر الأخيرة، إذ اتبعت في السابق تكتيكًا يعتمد على إطلاق موجات من طائرات الاستطلاع المسيرة خلال النهار، قبل شن هجمات مشتركة بالطائرات المسيرة والصواريخ ليلًا.

لكن انتشار أسراب من الطائرات المسيرة المسلحة فوق العاصمة بصورة شبه يومية يشير إلى اعتماد تكتيك جديد يهدف إلى زيادة الضغط النفسي وبث الخوف والقلق بين السكان.

كما تستهدف الهجمات الروسية بالطائرات المسيرة والصواريخ شبكة الكهرباء الأوكرانية، في إطار ما يصفه مسؤولون أوكرانيون بأنه حملة سنوية لاستغلال فصل الشتاء كسلاح في الحرب.

وفي منطقة خيرسون جنوبي أوكرانيا، على البحر الأسود، أجبرت قنابل انزلاقية محطة مشتركة لتوليد الكهرباء والتبريد على التوقف عن العمل، وسط توقعات بمواجهة شتاء يشهد انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي، فيما نصح المسؤولون السكان بالانتقال إلى مناطق أخرى إذا كان ذلك ممكنًا.

استهداف المنشآت اللوجستية في روسيا

في المقابل، أفاد مسؤولون محليون في روسيا بمقتل شخصين وإصابة 21 آخرين جراء غارات جوية استهدفت منطقتي بيلغورود وروستوف.

وأعلنت شركة «أوزون» الروسية للتجارة الإلكترونية، أن أحد مراكزها اللوجستية تعرض لهجوم بطائرة مسيرة خلال الليل، مضيفة أنها علقت العمليات في مركز لوجستي آخر وأجلت موظفيها بسبب المخاطر الأمنية في المنطقة.

كما استهدفت مرافق تابعة للشركة في كراسنودار وداغستان وستافروبول وأديجيا في غارات جوية خلال وقت سابق، ما أسفر عن إصابات وأضرار مادية واسعة.

وكثفت روسيا وأوكرانيا هجماتهما المتبادلة خلال الأشهر الأخيرة، مع تركيز كييف بصورة خاصة على أهداف اقتصادية داخل الأراضي الروسية.

وشنت أوكرانيا، على مدى أسابيع، هجمات على مواقع تابعة لشركة «Wildberries»، أكبر شركة للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت في روسيا، ووصفتها بأنها هدف مشروع بدعوى تزويدها الجيش بمكونات، وهو ما تنفيه موسكو.

الأصول الروسية المجمدة.. ورقة ضغط جديدة

وفي تطور آخر، دعت هولندا وبولندا وإسبانيا والسويد الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في استخدام أصول البنك المركزي الروسي المجمدة لتمويل أوكرانيا.

وقالت الدول الأربع في رسالة إلى الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي إن الوقت قد حان لإعادة النظر في كيفية الاستفادة بصورة أكبر من الأصول الروسية المجمدة لصالح أوكرانيا.

ولم يتمكن الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى اتفاق بشأن استخدام ما يقرب من 200 مليار يورو من الأصول الروسية المجمدة، في ظل اعتراضات من بلجيكا، التي تحتفظ بالجزء الأكبر من هذه الأصول، خشية تحملها مسؤولية قانونية، وبدلًا من ذلك، أقرضت دول الاتحاد الأوروبي أوكرانيا نحو 90 مليار يورو.

مخاوف من مواجهة روسية مع الناتو

ثمة خطر آخر يثير مخاوف متزايدة، يتمثل في احتمال شن روسيا هجومًا على إحدى الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، خاصة إذا قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حشد مئات الآلاف من القوات الإضافية.

وتطرح إستونيا ودول البلطيق الأخرى باعتبارها من السيناريوهات الأكثر حساسية، في ظل التوتر المتصاعد بين موسكو والحلف.

وجاءت هذه المخاوف بعد زيارة مفاجئة قام بها جون راتكليف، مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إلى موسكو، والتي قيل إنها هدفت إلى تحذير الكرملين من اختبار حلف الناتو.

وتشترك إستونيا في حدود طويلة مع روسيا، فيما تعكس سياستها الدفاعية حجم المخاوف الأمنية التي تواجهها؛ إذ بلغ إنفاقها الدفاعي 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا لحلف الناتو، وهي نسبة تتجاوز إنفاق بريطانيا البالغ 2.4% والولايات المتحدة البالغ 3.2%.

وبإمكان إستونيا، التي لا يتجاوز عدد سكانها عدد سكان مدينة برمنجهام البريطانية إلا بقليل، نشر نحو 80 ألف جندي احتياطي مدرب خلال أيام في حال وقوع حالة طوارئ.

روسيا تستورد الديزل والبنزين لسد فجوة الوقود

تواجه روسيا ضغوطًا متزايدة على قطاع الوقود، بعدما اضطرت إلى استيراد الديزل والبنزين لتعويض الأضرار التي لحقت بصناعة النفط نتيجة الهجمات الأوكرانية.

وتضررت العديد من مصافي النفط الروسية بدرجة دفعت موسكو إلى إرسال النفط الخام إلى كازاخستان لتكريره وتحويله إلى وقود يعاد شحنه إلى روسيا.

وللمرة الأولى، اشترت روسيا شحنة بنزين من تركيا تقدر بنحو 200 ألف برميل، وهي خامس شحنة مؤكدة من وقود السيارات المنقول بحرًا خلال الصيف، بعد شحنات سابقة من الهند بلغت نحو مليون برميل إجمالًا.

وبعد أن كانت روسيا ثاني أكبر منتج للنفط الخام في العالم، وجدت نفسها خلال فترة قصيرة أمام سباق محموم للبحث عن مصادر للبنزين لسد النقص المتزايد في قدرتها التكريرية.

ووقعت روسيا اتفاقية مع مصفاة كوندنسات النفطية في غرب كازاخستان لتكرير النفط الخام الروسي، على أن يُعاد شحن 70% من الوقود المكرر إلى روسيا عبر السكك الحديدية، وفقًا للتقارير، في ظل عدم وجود خط أنابيب يربط الجانبين.

كما ارتفعت واردات الوقود من بيلاروسيا، حليفة روسيا في الحرب، خلال يونيو الماضي بمقدار 141 ضعفًا مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

شبح التعبئة العامة يلوح في الأفق

وبحسب مركز الاتصالات الحكومية البريطاني «GCHQ»، بلغت خسائر الجيش الروسي نحو 500 ألف قتيل، وهو ما يفرض على بوتين البحث عن وسائل لتعويض الخسائر البشرية في ساحة المعركة، ما قد يضع خيار التعبئة العامة والتجنيد الإجباري أمامه مجددًا.

وطالما أبدى بوتين ترددًا شديدًا في اتخاذ هذه الخطوة، خشية إثارة السخط الشعبي والتداعيات الاقتصادية الناتجة عن سحب أعداد كبيرة من الرجال القادرين على العمل من سوق العمل.

لكن الرئيس الروسي اضطر إلى اللجوء إلى تعبئة جزئية في سبتمبر 2022، عقب نجاح الهجوم المضاد الأوكراني واستعادة قوات كييف مناطق كانت القوات الروسية قد سيطرت عليها.

ومنذ ذلك الحين، تجنب بوتين تكرار هذه الخطوة على نطاق واسع، إلا أن التكهنات تتزايد بشأن إمكانية إصداره أمرًا بتعبئة جديدة، ربما بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية في روسيا.

وتشير التطورات المتزامنة في جبهات القتال والهجمات بعيدة المدى، إلى جانب الضغوط المتزايدة على قطاع الطاقة والوقود، إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الضربات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والاستنزاف البشري، بينما تظل احتمالات اتساع نطاق المواجهة الإقليمية قائمة.

زر الذهاب إلى الأعلى