عربي ودولي

طالبان بعد 5 سنوات.. تحركات دبلوماسية لكسر العزلة واقتصاد يواجه الانهيار

تخوفات من استمرار نهج الحركة في التعدي على حقوق النساء والحريات العامة

حركة طالبان

 

تزامنا مع مرور 5 سنوات على عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، ازدادت عدد الدول التي تجدد أو تكثف اتصالاتها الدبلوماسية مع الحركة الحاكمة التي استولت على السلطة في كابول عام 2021 بعد عشرين عامًا من حرب العصاباتوالمواجهات مع الحكومة الموالية للولايات المتحدة؛ حيث أطلقت حركة طالبان في أفغانستان جهودها الدبلوماسية لإنهاء عزلتها، في ظل استعداد القوى الإقليمية والدولية الكبرى للانخراط بشكل أوثق مع النظام القمعي رغم انتهاكاته الممنهجة لحقوق الإنسان.

الدول الأوروبية لا تعترف بإدارة طالبان سلطة شرعية

ويخشى الناشطون أن يؤدي تعميق الاتصالات الدبلوماسية إلى تقويض المطالب بتحسين أوضاع حقوق الإنسان مقابل أي تنازلات دبلوماسية، لذلك وصفت الأمم المتحدة مؤخرًا سلسلة من المراسيم والقوانين الطالبانية التي حظرت على النساء الالتحاق بالجامعات ومعظم الوظائف، وحرمت الفتيات المراهقات من التعليم، وفرضت قواعد لباس صارمة، وتعريض الأقليات للاضطهاد، بينما يواجه النشطاء والصحفيون القمع، وصفت الأمم المتحدة أفغانستان في مارس بأنها “مقبرة لحقوق الإنسان”.

لا تعترف أي دولة أوروبية بإدارة طالبان كسلطة شرعية في أفغانستان، ولا تزال الحكومة منبوذة ومستبعدة من الهيئات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي.

الولايات المتحدة جمدت مليارات الدولارات من البنك المركزي الأفغاني

يواجه زعيم طالبان المتشدد الشيخ هيبة الله أخوند زاده، مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية لاضطهاد النساء والفتيات الأفغانيات، وقد جمدت الولايات المتحدة مليارات الدولارات من البنك المركزي الأفغاني، إلا أن الهند وقطر والصين وإيران والعديد من دول آسيا الوسطى مؤخرًا، رحبت بمسؤولين من حركة طالبان، أو فتحت قنوات اتصال جديدة معهم.

زعيم حركة طالبان
زعيم حركة طالبان

كما وقعت روسيا التي اعترفت بحكومة طالبان في كابول قبل ما يزيد قليلاً عن عام، اتفاقية تعاون عسكري الشهر الماضي، وفي يونيو أجرى الاتحاد الأوروبي محادثات مع مسؤولي طالبان في بروكسل بشأن إعادة طالبي اللجوء المرفوضين إلى أفغانستان، كما عززت دول أوروبية منفردة اتصالاتها مع كابول.

وبدأت سياسة العزلة الصارمة التي فرضت بعد استيلاء طالبان على السلطة عام 2021، والتي كانت تهدف إلى الاعتراف غير الرسمي أو بحكم الأمر الواقع في التلاشى، وقد اقترح بعض المعلقين الغربيين أن تعترف دول أخرى بالنظام، بينما دعا آخرون إلى تكثيف التواصل عبر قنوات غير رسمية.

وتنبع هذه الاتصالات الجديدة من مزيج من المخاوف الأمنية الإقليمية، والضغوط الغربية للحد من الهجرة غير الشرعية، والإدراك العام بأن طالبان من غير المرجح أن تجبر على التخلي عن السلطة في المستقبل المنظور.

وقللت المفوضية الأوروبية من شأن مناقشاتها في بروكسل مع وفد من طالبان، وهو أول لقاء رسمي من نوعه منذ عام 2021، واصفة إياها بأنها فنية بحتة وتركز على عمليات الإعادة، بينما زعم متحدث باسم طالبان أنها زيارة تاريخية تعد خطوة نحو تنظيم العلاقات القنصلية مع دول الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا العام زار مسؤولون من طاجيكستان وتركمانستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وكازاخستان كابول أو مدن أفغانية أخرى، ساعين إلى إيجاد طرق تجارية وعقد اتفاقيات خطوط أنابيب تمكن بلدانهم غير الساحلية من الوصول إلى الموانئ البحرية أو دول أخرى.

كما سعت الهند إلى تعزيز العلاقات التي توترت بعد سقوط كابول في يد طالبان عام 2021، جزئيًا لاستغلال التوترات الجديدة بين الحركة وداعميها التاريخيين باكستان.

طالبان تراهن على الدبلوماسية والمشروعات العابرة للحدود

تضمنت الاستراتيجية الدبلوماسية للسلطات الأفغانية استضافة مبعوثين في كابول، من بينهم مبعوثون من الصين واليابان وتركيا والسعودية، وفي العام الماضي زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وقام بأول زيارة لوزير خارجية إيراني إلى كابول منذ ما يقرب من عقد.

كما سعى مسؤولو طالبان أيضاً إلى بناء مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود لتعزيز اقتصاد البلاد الهش ودبلوماسيتها؛ حيث تعد الموارد الطبيعية عامل جذب آخر للقوى الخارجية، وقد وسعت كابول قطاع التعدين، ما جذب شركات من الصين المجاورة وغيرها.

خلافات داخلية لا تمنع طالبان من تعزيز حضورها الخارجي

وعلى الرغم من كل ذلك تشهد حركة طالبان انقسامات، مع وجود خلافات عميقة حول حظر تعليم المرأة، من بين قضايا أخرى، إلا أنها لا تزال خاضعة لسيطرة الفصائل الأكثر محافظة.

طالبان تدعو واشنطن لاستئناف العلاقات وعودة السفارة

بعد خمس سنوات من طرد الولايات المتحدة من أفغانستان، تدعوها طالبان للعودة، بدبلوماسيين وأموال، ولكن دون أي دعم عسكري.

وفي مقابلة صحفية مع صحيفة نيويورك تايمز في كابول دعا وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي، الولايات المتحدة إلى إعادة فتح سفارتها والاستثمار في البلاد، وهو أمر يعد شبه مستحيل في الوقت الراهن.

تعد هذه المبادرة العلنية الأولى من نوعها من مسؤول رفيع المستوى في حركة طالبان منذ سنوات، أحدث مساعي الحكومة الأفغانية في إطار جهودها الحثيثة لإخراج البلاد من عزلتها، والتي أسفرت عن نتائج متفاوتة.

ترى الحكومة أن تجديد التعاون مع إدارة ترامب، بنزعتها نحو الدبلوماسية التجارية وتجاهلها لحقوق الإنسان، هو الإنجاز الأبرز لجهودها الدبلوماسية، وتزعم طالبان أنها أرست النظام والأمن في جميع أنحاء أفغانستان، وطهرت إدارتها من الفساد، وهيأت بيئة مواتية للاستثمار الأجنبيـ إلا أن جهود التواصل مع الولايات المتحدة قد تعثرت.

وقد زادت إدارة الرئيس ترامب من ابتعادها عن طالبان خلال العام الماضي، وتقاربت مع باكستان إحدى جيران أفغانستان، التي شنت عشرات الغارات الجوية على أفغانستان في وقت سابق من هذا العام، كما أنها متورطة في صراع مع جارتها الأخرى إيران، إحدى الشركاء القلائل الثابتين لطالبان، كما صنفت طالبان أيضاً كدولة راعية للاحتجاز غير القانوني، وأوقفت إصدار تأشيرات الدخول للأفغان، ومنعتهم من السفر إلى الولايات المتحدة.

كما رفضت طالبان مطالب الرئيس ترامب القليلة التي طالب بها علناً، بما في ذلك استعادة السيطرة على قاعدة باغرام الجوية التي احتلتها القوات الأمريكية لمدة 20 عاماً؛ وإعادة الأسلحة الأمريكية المتروكة في أفغانستان؛ والإفراج عن سجين أمريكي تنفي طالبان احتجازه.

وفي بيان منسوب إلى وزارة الخارجية الأمريكية قالت أن طالبان فشلت في جعل أفغانستان أكثر استقرارًا والوفاء بالتزاماتها في مكافحة الإرهاب، بل سمحت للجماعات الإرهابية باستخدام أفغانستان كقاعدة انطلاق لشن هجماتها.

المعادن الأفغانية تفتح بابًا جديدًا أمام المصالح الأمريكية

أضافت الوزارة أن الولايات المتحدة لا تتواصل مع طالبان إلا عندما يكون ذلك في مصلحة الشعب الأمريكي، إلا أن أمام الرئيس ترامب فرصة لتحقيق ما لم يستطع الرئيس بايدن تحقيقه، وهي أن تجاوز حالة الشلل الحالية قد يتيح فرصًا جديدة للوصول إلى المعادن، ويعزز العلاقات مع جيران أفغانستان في آسيا الوسطى، ويواجه الصين وروسيا اللتين تربطهما علاقات تجارية ودبلوماسية مع أفغانستان.

ويمكن الانطلاق من ملف المعادن وهو الخيار الأمثل لإدارة الرئيس ترامب. حيث تمتلك أفغانستان احتياطيات هائلة غير مستغلة من الليثيوم والنحاس وخام الحديد، بالإضافة إلى عناصر أرضية نادرة مدرجة على قائمة هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية للمعادن الحيوية.

أنفقت الولايات المتحدة ما يقارب مليار دولار بين عامي 2004 و2021 لتطوير الصناعات الاستخراجية في أفغانستان، لكنها فشلت في تحقيق أي تقدم ملموس، وفقًا لتقرير صدر عام 2023 عن المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) وهي وكالة الرقابة الحكومية الأمريكية السابقة المعنية بأفغانستان. وتعقد إدارة طالبان حاليًا اتفاقيات استثمار في قطاع التعدين مع شركات من الصين وإيران وقطر وغيرها.

اقتصاد أفغانستان على شفا الانهيار

لا يزال الاقتصاد الأفغاني أصغر بكثير وأكثر عزلة مما كان عليه قبل عودة طالبان إلى السلطة؛ حيث تراجعت التجارة الخارجية بشكل حاد، وتجاوزت الواردات الصادرات بشكل متزايد منذ عام 2021، مما أدى إلى اتساع العجز التجاري للبلاد.

وتقلصت المالية العامة بشكل ملحوظ، وبلغ إجمالي ميزانية طالبان الأخيرة المنشورة للسنة المالية 2023، 2.44 مليار دولار، أي أقل من نصف ميزانية الحكومة السابقة البالغة حوالي 6 مليارات دولار في عام 2021.

وفي عام 2024، ألغت السلطات أيضًا نظام المعاشات التقاعدية العامة في أفغانستان في محاولة منها لمواجهة الأزمة المالية للبلاد، وقد زاد التضخم من هذه الضغوط، فبعد أن بلغ متوسطه 3.6% في عام 2025، ارتفع إلى 7.6% بحلول مارس 2026 مدفوعًا بارتفاع أسعار المواد الغذائية. تؤدي اضطرابات الإمداد وارتفاع الطلب إلى مزيد من تآكل القدرة الشرائية للأسر.

ووفقًا للأمم المتحدة تضاعفت البطالة تقريبًا منذ عام 2021؛ حيث فقد أكثر من نصف مليون وظيفة، وأدى خفض المساعدات الدولية إلى تقليص الإنفاق العام، في حين أدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى زيادة الضغط على ميزانيات الأسر.

ويحتاج نصف سكان أفغانستان، البالغ عددهم نحو 45 مليون نسمة، إلى مساعدات إنسانية، بعد أن تضاءلت هذه المساعدات نتيجة لخفض المساعدات الأمريكية العام الماضي، ووفقًا للأمم المتحدة عاد نحو أربعة ملايين أفغاني من باكستان وإيران المجاورتين منذ مطلع عام 2025، في واحدة من أكبر موجات الهجرة العكسية منذ عقود.
ومع إعادة الحكومات فتح القنوات الدبلوماسية، يخشى العديد من الأفغان أن العالم يتعلم التعايش مع نظام لا مفر منه.

زر الذهاب إلى الأعلى