مقالات

التحالف التعليمي

سعيد صديق

وكيل أول وزارة التعليم للإدارة الاستراتيجية سابقاً

لا تكفي الحملات الأمنية ولا قرارات الغلق وحدها للحد من ظاهرة الدروس الخصوصية، ما دامت الأسباب التي تدفع المعلم والطالب وولي الأمر إليها قائمة، فالمعلم يبحث عن دخل إضافي، والأسرة تبحث عن وسيلة أمان لضمان تفوق أبنائها، والطالب يبحث عن شرح مبسط ينقذه من كثافة الفصول وضغط الامتحانات، ومن هنا تبدأ الحاجة إلى فكرة مختلفة، لا تعالج العرض فقط، بل تعالج جذور الطلب على الدروس الخصوصية من داخل المنظومة الرسمية نفسها.

الفكرة المقترحة هي إنشاء منصة تعليمية رسمية يمكن تسميتها «منصة كفاءة» أو «التحالف التعليمي»، وهي لا تقوم على إنشاء تعليم مواز لبث الدروس، بل على بناء منظومة تعليمية متكاملة تُدار على مستوى الإدارة التعليمية، ثم المديرية، ثم الوزارة، وتجمع أطراف العملية التعليمية، أعضاء التحالف التعليمي: الطالب، والمعلم، وولي الأمر، والمنهج الدراسي، والمنصة، والوزارة في إطار واحد، جوهر الابتكار هو الانتقال من فكرة «بديل رقمي للسنتر» إلى فكرة «عقد اجتماعي تعليمي» يضمن أن يشرح أكفأ المعلمين المنهج الرسمي، وأن يُثاب المعلمون ماديًا من صندوق قائم بالفعل، وأن تحصل الأسرة على خدمة تعليمية شبه مجانية، وأن يبقى الطالب مرتبطًا بمنهجه ومدرسته.

تبدأ المنظومة من المنهج الدراسي، فالمنصة لا تقدم شرحًا موازيًا أو ملخصات خارج المنهج، بل تقدم شرحًا للمنهج الرسمي نفسه، مقسمًا إلى وحدات قصيرة مرتبطة بأهداف كل درس في الكتاب المدرسي، بهذا يظل المنهج هو العامل المشترك بين كل الأطراف ، ولا يتحول المحتوى إلى دروس خصوصية مقنّعة.

ثم يأتي المعلم في المدرسة كقلب نابض يبعث الحياة للمنظومة التعليمية، فيتم اختيار أكفأ المعلمين في كل مادة على مستوى الإدارة التعليمية، وليس على مستوى المدرسة الواحدة، وفق معايير موضوعية مثل نتائج الطلاب، وتقييم الموجهين، واختبار أداء مصغر، وهؤلاء المعلمون لا يتركون مدارسهم، بل يصبحون «معلمي المنصة المعتمدين»، وينتجون محتوى أسبوعيًا محددًا، ويحصلون على حافز مالي مجزٍ من صندوق دعم وتمويل المشروعات التعليمية.

أما ولي الأمر في البيت فيتغير دوره جذريًا، فهو لا يدفع «ثمن حصة» ولا يبحث عن مدرس خصوصي، بل يحصل على لوحة متابعة أسبوعية توضح ما درسه الطالب، ونقاط ضعفه، والواجبات المنجزة، ويدفع ولي الأمر رمزًا سنويًا شبه مجاني، أو يكون الاشتراك مجانيًا لمن يثبت انتظام ابنه في المدرسة، ويصبح شريكًا في المتابعة لا مجرد ممول. وبهذا تتخفف الأسرة المصرية من عبء تكلفة الدروس الخصوصية، ومن عبء تبسيط المناهج لأبنائها، لأن المنصة تقدم الشرح المبسط الموثوق المرتبط بالمنهج الرسمي.

وبالنسبة للطالب، فإنه يحصل على وصول كامل لشرح أفضل المعلمين في إدارته، مع إمكانية التفاعل من خلال الأسئلة والاختبارات الفورية والبث المباشر الدوري، دون تحمل أعباء الانتقال أو التكلفة الباهظة للدروس الخصوصية، وهنا تتحقق فكرة التعاون المشترك: المعلم يشرح، والطالب يتعلم، وولي الأمر يتابع، والمنصة تنظم وتضبط الجودة، والمنهج يظل مرجعًا موحدًا.

وتعمل المنصة على مستوى الإدارة التعليمية أو المديرية، وتديرها وحدة مركزية على أعلى مستوي تابعة للإدارة التعليمية، وليس شركة خارجية، ووظيفتها ضبط الجودة، وإدارة الحسابات، وربط المعلمين بالطلاب، وإصدار التقارير لولي الأمر، وضمان ألا يتحول المحتوى إلى دروس خصوصية مقنّعة.

وهنا يظهر دور صندوق دعم وتمويل المشروعات التعليمية كأداة تمويل ذكية، فالصندوق يستمد موارده من رسوم الأنشطة والخدمات الإضافية التي يدفعها الطلاب أصلًا، وبما أن الطالب هو الممول الرئيسي للصندوق، فمن المنطقي أن يعود جزء من هذا التمويل إلى مشروع تعليمي يخدمه مباشرة، ويمكن تخصيص بند داخل الصندوق باسم «مشروع منصة كفاءة»، يُغطى من حصيلة حساب الأنشطة والخدمات الإضافية، دون الحاجة إلى ميزانية جديدة، بل عبر إعادة توجيه جزء من موارد قائمة، ويحصل معلم المنصة على مكافأة شهرية ثابتة من الصندوق، وليس أجرًا بالحصة، تُصرف نظير إنتاج محتوى أسبوعي محدد يشمل فيديوهات واختبارات وساعة بث مباشر، وهذا يضمن للمعلم دخلًا إضافيًا مستقرًا، وقد يكون أعلى من عائد السنتر غير المستقر، مما يجعله يفضّل البقاء داخل المنظومة الرسمية.

ولا تتحقق هذه المنظومة إلا بأدوار واضحة للجهات التعليمية، فالإدارة التعليمية هي المشغّل الفعلي للمنصة: تختار المعلمين الأكفاء، وتدير جدول البث، وتراقب الجودة، وتربط ولي الأمر بالمنصة. والمديرية هي المنسّق والموسّع: تدعم الإدارات تقنيًا، وتوحّد معايير اختيار المعلمين، وتوسع المنصة لتغطي المحافظة، وتقيّم الأثر، والوزارة هي الممكّن والتشريعي: تعتمد المنصة كمشروع رسمي، وتصدر قرارًا بإثابة المعلمين من الصندوق، وتضع ضوابط الاشتراك شبه المجاني، وتمنع أي استغلال تجاري للمنصة.

إن هذه الفكرة تخرج عن الصندوق لأنها لا تعالج عرض الدروس الخصوصية بالمنع والملاحقة فقط، بل تعالج جذور الطلب عليها، فهي تمنح المعلم المحتاج إثابة مستقرة من صندوق موجود بالفعل، دون الحاجة إلى السنتر. وتمنح الأسرة المرهقة شرحًا من أكفأ المعلمين بتكلفة رمزية، مع دور رقابي واضح. وتمنح الطالب بديلًا رسميًا موثوقًا مرتبطًا بمنهجه ومدرسته، وتجعل المنهج الرسمي هو البطل، لا ملخصات السناتر. والتأكيد هنا علي إثابة المعلمين واضحة من الصندوق، وربط اشتراك الأسرة بالانتظام المدرسي، وتحويلها من مبادرة مديرية إلى منظومة حوكمة تعليمية قابلة للتطبيق على مستوى الوزارة.

إن محاربة الدروس الخصوصية لا تكون بمنع المعلم من البحث عن لقمة عيشه، ولا بتحميل الأسرة أعباء إضافية، ولا بترك الطالب بين مدرسة لا تجذب ومراكز تبتز. بل تكون ببناء بديل رسمي عادل ومستدام، يجعل المعلم شريكًا في المنظومة، والأسرة مطمئنة على أبنائها، والطالب متعلقًا بمنهجه ومدرسته. وهنا تصبح «منصة كفاءة» ليست مجرد مشروع تعليمي، بل عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمعلم والأسرة والطالب.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى