من القصف إلى إعادة تشكيل موازين الضغط.. ماذا يكشف التصعيد الأخير في تيجراي عن مستقبل الصراع الإثيوبي ؟


لم يكن القصف الذي استهدف منطقة سويا “نيدرتا” في إقليم تيجراي، مجرد حادث أمني جديد يضاف إلى سجل الصراع الإثيوبي، بل يمثل مؤشرًا على تحول في طبيعة إدارة الأزمة داخل البلاد، فبدلاً من العودة إلى حرب شاملة كما جرى بين عامي 2020-2022، تبدو الأطراف اليوم أكثر ميلاً إلى استخداد عمليات عسكرية محدودة ورسائل سياسية وإعلامية متبادلة بهدف إعادة رسم موازين الضغط، سواء على المستوى الداخلي أو أمام المجتمع الدولي.
ويأتي هذا التطور بعد أشهر من تراجع الاهتمام الدولي بملف تيجراي، وفي وقت تواجه فيه الحكومة الإثيوبية تحديات أمنية متزامنة في أقاليم أمهرة وأوروميا، إلى جانب استمرار التعثر في تنفيذ عدد من بنود اتفاق بريتوريا، ومن ثم فإن قراءة الحادث بمعزل عن هذا السياق قد تؤدي إلى استناجات غير مكتملة.
التصعيد ليس إعلانًا لعودة الحرب
منذ توقيع اتفاق بريتوريا، لم تختفِ أسباب الصراع التي قادت إلى الحرب، بل جرى احتواؤها مؤقتًا، فلا تزال ملفات مثل إعادة انتشار القوات، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، وعودة النازحين، وإعادة بناء مؤسسات الحكم المحلي، تمثل نقاط خلاف بين الحكومة الفيدرالية والقوى السياسية في تيجراي.
ومن هذا المنطلق، فإن القصف الأخير لا يعني بالضرورة انهيار اتفاق السلام، لكنه يكشف أن الاتفاق لم يتحول بعد إلى تسوية سياسية مستقرة، فالسلام في إثيوبيا لا يزال قائمًا على توازانات هشة، وأي تطور ميداني قادر على إعادة التوتر إلى الواجهة.
إعادة تشكيل أوراق التفاوض
قد يكون من المبكر الحديث عن عودة حرب واسعة، لكن الحادث يعكس سعي الأطراف إلى تحسين مواقعها التفاوضية، ففي العديد من النزاعات، تُستخدم العمليات العسكرية المحدودة لإرسال رسائل سياسية أكثر من تحقيق مكاسب ميدانية.
وبالنسبة للقوى المرتبطة بتجيراي، فإن إبراز الحادث باعتباره دليلاً على استمرار التهديدات الأمنية يعزز المطالبة بزيادة الضمانات الدولية لتنفيذ اتفاق بريتوريا، أما الحكومة الفيدرالية، فهي معنية بالحفاظ على صورة الدولة القادرة على فرض الاستقرار، في ظل تحديات أمنية واقتصادية متشابكة.
وبالتالي؛ فإن التصعيد قد يكون جزءًا من صراع على شروط المرحلة المقبلة، وليس مقدمة حتمية لاستئناف الحر ب الشاملة.
الحرب تنتقل إلى معركة الرواية
من أبرز ملامح التطور الأخير أن الجدل لم يتركز على حجم الخسائر، بل على طبيعة الرواية المصاحبة للحادث، فقد تضمن البيان اتهامات باستخدام طائرة مدنية في تنفيذ القصف، ووصف ما جرى بأنه “جريمة حرب”.
وحتى الآن، لا توجد أدلة مستقلة تؤكد هذه المزاعم أو تنفيها بشكل قاطع، ما يجعل من الضروري الفصل بين الراوية السياسية والوقائع المثبتة، ومع ذلك فإن مجرد طرح هذه الاتهامات يعكس انتقال المنافسة من ساحات القتال إلى ساحات التأثير الإعلامي والقانوني، حيث يسعى كل طرف إلى كسب الشرعية أمام الرأي العام الدولي.
لماذا يحدث التصعيد الآن؟
لا يمكن فصل التوقيت عن المشهد الإثيوبي الأوسع، فالحكومة لا تزال تواجه تحديات أمنية في أمهرة وأوروميا، وتسعى في الوقت نفسه إلى المضي في إصلاحات اقتصادية تتطلب الحفاظ على قدر من الاستقرار السياسي.
وفي المقابل، تشهد منطقة القرن الأفريقي تحولات متسارعة، تشمل استمرار الحرب في السودان، والتنافس على النفوذ في البحر الأحمر، وتوتر العلاقات بين بعض القوى الإقليمية، وفي مثل هذه البيئة يصبح أي تطور داخل تيجراي ذا أبعاد تتجاوز الإقليم نفسه.
كما أن تراجع الاهتمام الدولي بالملف الإثيوبي قد يدفع بعض الأطراف إلى استخدام الأحداث الميدانية لإعادة جذب انتباه الفاعلين الدوليين، وإعادة إدراج الأزمة ضمن أولوياتهم.
هل تغيرت طبيعة الصراع؟
ربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الحرب ستعود، بل كيف تغيرت طبيعتها، فالمؤشرات الحالية توحى بأن إثيوبيا دخلت مرحلة من الصراع منخفض الحدة، حيث تتراجع المواجهات الواسعة، لكن تستمر الضغوط العسكرية المحدودة، والحملات الإعلامية والتحركات السياسية، بهدف التأثير في موازين القوى دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
هذا النمط من الصراعات غالبًا ما يكون طويل الأمد، ويصعب إنهاؤه بمجرد توقيع اتفاقات سلام، لأنه يرتبط بأزمات الثقة وتضارب المصالح أكثر من ارتباطه بالعمليات العسكرية وحدها.
التداعيات المحتملة
إذا تكررت مثل هذه الحوادث، فقد تواجه إثيوبيا ثلاث نتائج رئيسية:-
- أولاً، تآكل الثقة في قدرة اتفاق بريتوريا على تحقيق استقرار دائم.
- ثانيًا، زيادة الضغوط الدولية للمطالبة بآليات رقابة أو تحقيقات مستقلة بشأن الانتهاكات المزعومة.
- ثالثًا، تعقيد جهود الحكومة في استقطاب الاستثمارات وتعزيز صورة الاستقرار، في ظل استمرار الحديث عن توترات أمنية داخلية.
لكن في المقابل، فإن حادثًا واحدًا لا يكفي للقول إن البلاد تتجه حتمًا إلى حرب جديدة، إذ سيظل المساء مرتبطًا بكيفية تعامل الأطراف مع التصعيج خلال الفترة المقبلة.
في النهاية
لا يمثل قصف سوبا نيدرتا مجرد تطوير ميداني، بل يعكس مرحلة جديدة من الصراع الإُيوبي، تقوم على إعادة توزيع أوراق الضغط أكثر من السعى إلي حسم عسكري شامل.
وبينما تبقى الاتهامات المتعلقة باستخدام طائرة مدنية بحاجة إلى تحقيق مستقل ومحايد، فإن الحدث يكشف أن الأزمة الإثيوبية لا تزال بعيدة عن التسوية النهائية.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد : هل تعود الحرب؟ بل أصبح: هل تتحول إثيوبيا إلى نموذج لصراع منخفض الحدة طويل الأمد، تُستخدم فيه العمليات المحدودة والرسائل السياسية لإدارة التوازنات بدلاً من حسمها؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تكو مفتاح فهم المرحلة المقبلة في القرن الأفريقي بأكمله.








