عربي ودولي

من واشنطن.. إريتريا تدافع عن سيادة أراضيها في مواجهة المطامع الإثيوبية في البحر الأحمر

في توقيت تتزايد فيه حدة التوترات الجيوسياسية في القرن الأفريقي، اختارت إريتريا رفع سقف خطابها السياسي تجاه إثيوبيا، عبر بيان صادر عن سفارتها في واشنطن.

أكدت السفارة في بيانها اليوم الإثنين، أن سيادتها وسلامة أراضيها «ليستا ورقة للمساومة الجيوسياسية»، ولا يبدو تناولت الدور الإريتري، بل يحمل رسائل سياسية تتجاوز وسائل الإعلام إلى جوهر التنافس المتصاعد حول البحر الأحمر ومستقبل التوازنات في القرن الأفريقي.

اللافت أن أسمرا ركزت بصورة مباشرة على مفهوم «الوصول السيادي» الذي تكرر في الخطاب الإثيوبي خلال السنوات الأخيرة، وتحاول إريتريا الفصل بين حق إثيوبيا كدولة حبيسة في الوصول التجاري إلى الموانئ وبين أي محاولة لتحويل هذا الاحتجاج الاقتصادي إلى حق سياسي أو إقليمي، ووفق الرؤية الإريترية، فإن استخدام الموانئ يمكن أن يتم عبر اتفاقات تجارية وترتيبات ثنائية، لكنه لا يمنح الدولة الحبيبة حقًا في السيادة على أراضي أو سواحل دولة أخرى.

هذه النقطة تكشف جوهر الخلاف بين أسمرا وأديس أبابا، فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالميناء الذي يمكن أن تستخدمها إثيوبيا لتأمين تجارتها الخارجية، وإنما بطبيعة الترتيب الذي تريده أديس أبابا مع الدول الساحلية، وكلما ارتفع الحديث الإثيوبي عن «الوصول السيادي»، ازدادت مخاوف إريتريا من أن يتحول الملف البحري إلى قضية جيوسياسية تمس حدودها ومكانتها الإقليمية.

التاريخ كساحة للصراع السياسي 

خصص البيان مساحة واسعة لإعادة تقديم التاريخ الإريتري، في مواجهة ما تعتبره أسمرا سرديات تقلل من شرعية استقلالها، وتستند الرسالة الإريترية إلى أن استقلال البلاد لم يكن مجرد انفصال عن إثيوبيا، وإنما نتيجة مسار تاريخي وسياسي طويل انتهى باستفتاء عام 1993، الذي أيد فيه الإريتريون الاستقلال بأغلبية ساحقة، قبل انضمام الدولة إلى الأمم المتحدة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية سياسية في ظل عودة البحر الأحمر إلى صدارة الحسابات الإثيوبية، فإثيوبيا فقدت منفذها البحري المباشر بعد استقلال إريتريا، وأصبحت تعتمد على الموانئ المجاورة، وعلى رأسها ميناء جيبوتي، لتأمين القسم الأكبر من تجارتها الخارجية ومع النمو الاقتصادي والسكاني الإثيوبي، أصبح تأمين منفذ بحري أكثر تنوعًا عنصرًا متزايد الأهمية في حسابات أديس أبابا.

لكن أسمرا تنظر إلى هذه الحاجة من زاوية مختلفة؛ فالمشكلة في تصورها، تبدأ عندما تتحول الحاجة الاقتصادية إلى خطاب يمكن أن يُفهم باعتباره مطالبة بحقوق سيادية أو إعادة ترتيب للحدود القائمة.

الحدود.. عقدة الصراع الأكثر حساسية

استدعاء إريتريا لاتفاق الجزائر وقرار لجنة الحدود الإريتريةـ الإثيوبية ليس تفصيلاً قانونيًا عابرًا، وإنما يمثل محاولة لتثبيت الإطار الذي تريد أسمرا أن يُدار داخله أي نقاش مستقبلي .

فبعد الحرب الحدودية بين البلدين في الفترة من 1998 – 2000، أحيل النزاع إلى آلية تحكيم دولية، وأصدرت لجنة الحدود الإريتريةـ الإثيوبية قرارها عام 2002 بشأن ترسيم الحدود، وتؤكد أسمرا أن هذا القرار نهائي وملزمة، وبالتالي فإن إعادة فتح النقاش حول الحدود أو ربطه بالاحتياجات البحرية الإثيوبية يمثل من وجهة نظرها، تجاوزًا للإطار القانوني الذي حُسمت من خلاله القضية.

وهنا تتحول الحدود من مجرد خط جغرافي إلى أداة سياسية، فإريتريا تريد منع أي ربط بين ملف البحر الأحمر وملف الحدود، بينما قد ترى إثيوبيا أن التحولات الإقليمية الجديدة تستدعي ترتيبات أمثر مرونة للوصول إلى البحر.

أسمرا وإعادة بناء شبكة النفوذ

جانب آخر مهم في البيان يتمثل في رفض إريتريا تفسير علاقاتها مع مصر والصومال والسعودية والإمارات والولايات المتحدة باعتبارها مجرد محاولة لتشكيل محور ضد إثيوبيا.

وتعكس هذه الرسالة رغبة أسمرا في تقديم سياستها الخارجية باعتبارها سياسة دولة ساحلية ذات مصالح مستقلة في البحر الأحمر، وليس مجرد سياسة دفاعية مرتبطة بالخلاف مع أديس أبابا، فالموقع الجغرافي لإريتريا يمنحها أهمية تتجاوز حجمها السكاني والاقتصادي، إذ تقع من مضيق باب المندب وخطوط التجارة الدولية.

ومن هذه الزاوية، فإن تحركات إريتريا الخارجية، يمكن قراءتها ضمن إعادة تشكيل أوسع للتحالفات في البحر الأحمر، حيث تتداخل المصالح الأمنية والتجارية والعسكرية مع التنافس على الموانئ والنفوذ الإقليمي.

من الخلاف الثنائي إلى معركة على قواعد النظام الأفريقي 

أكثر ما يمنح البيان ثقله السياسي هو محاولته نقل القضية من إطار العلاقات الإريترية -الإثيوبية إلى مستوى أفريقي أوسع، فإريتريا، تقول بصورة واضحة إن السماح بإعادة النظر في حدود الدولة بسبب الحجم السكاني أو القوة الاقتصادية أو كون الدولة حبيسة يمكن أن يخلق سابقة خطيرة للقارة.

وهذه الرسالة موجهة، بصورة غير مباشرة إلى دول أفريقية أخرى؛ إذ إن القارة ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على مبدأ احترام الحدود القائمة منذ الاستقلال، رغم ما تحمله تلك الحدود من إرث استعماري ومشكلات تاريخية.

ومن ثم، فإن أسمرا تحاول تحويل دفاعها عن مصالحها الوطنية إلى دفاع عن مبدأ قانوني وسياسي أوسع: لا يجوز أن تتحول الجغرافيا الاقتصادية إلى أساس لإعادة توزيع السيادة.

مصر أمام معادلة أكثر تعقيدًا

بالنسبة إلى مصر، يحمل التصعيد الإريتري أهمية خاصة، بالنظر إلى موقع إريتريا في البحر الأحمر، وتشابك أمن المنطقة مع أمن الملاحة وقضايا القرن الأفريقي وحوض النيل.

ولا يعني ذلك بالضرورة نشوء محور مصري ـ إريتري في مواجهة إثيوبيا، لكن استقرار إريتريا ورفضها أي تغيير أحادي في موازين البحر الأحمر يتقاطعان مع مصالح مصر في الحفاظ على استقرار الإقليم، ومنع فرض ترتيبات جديدة بالقوة أو تحت ضغط الأمر الواقع.

وبذلك؛ فإن البيان الإريتري يكشف أن الخلاف مع إثيوبيا يدخل مرحلة أكثر حساسية: مرحلة صراع على تعريف طبيعة الحق في الوصول إلى البحر، وحدود ما يمكن أن تمنحه الجغرافيا الاقتصادية للدولة الحبيبة من نفوذ سياسي.

وفي النهاية، فإن عبارة أسمرا بأن «سيادة إريتريا ليست ورقة للمساومة» تختصر جوهر موقفها الحالي،  فإريتريا تبدو مستعدة للتعاون التجاري والدبلوماسي مع إثيوبيا، لكنها ترفض أن يتحول احتياج أديس أبابا إلى البحر إلى مدخل لإعادة تعريف الحدود أو موازين السيادة في القرن الأفريقي.

 

ومع استمرار التنافس على البحر الأحمر، قد يصبح هذا الخلاف أحد أكثر الملفات قدرة على إعادة تشكيل التحالفات والصراعات في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى