عربي ودولي

من شيرارو إلى مقلي .. تيجراي تختبر معادلة الشمال الإثيوبي؟

لم يعد التصعيد في تيجراي مجرد حادث أمني على أطراف إقليم أنهكته الحرب، فمنذ اشتباكات شيرارو في الأول من أغسطس، تحركت الأزمة تدريجيًا من مناطق التماس إلى المجال الأقرب إلى مركز الإقليم، وصولاً إلى تقارير عن ضربات بطائرات مسيّرة قرب مقلي، وبينما تتبادل السلطات في تيجراي والحكومة الفيدرالية الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد، تكشف التطورات عن أزمة أعمق تتجاوز سؤال من أطلق الرصاصة الأولى: ما الذي بقي من الترتيبات السياسية التي أوقفت الحرب في 2022؟

هذه هي النقطة الأكثر أهمية في قراءة المشهد الحالي، فالحرب السابقة انتهت عسكريًا، لكن التسوية السياسية التي أعقبتها لم تغلق الملفات التي أنتجت الصراع، وظلت قضايا الأراضي، وعودة النازحين، وإعادة دمج القوات، وترتيبات الحكم في الإقليم، والعلاقة بين المركز وتيجراي عالقة بدرجات متفاوتة.

 

التصعيد الحالي ليس نسخة من حرب 2020

الخطأ في قراءة التطورات الحالية هو افتراض أن إثيوبيا تتجه ببساطة إلى تكرار حرب تيجراي السابقة، المشهد أكثر تعقيدًا هذه المرة.

في 2020 كانت خطوط الصراع أكثر وضوحًا نسبيًا الحكومة الفيدرالية في مواجهة جبهة تحرير شعب تيجراي، مع دخول إريتريا وقوى إثيوبيا أخرى إلى الحرب.

أما في 2026، فقد أصبح الصراع أكثر تشعبًا فتيجراي نفسها تعاني انقسامًا سياسيًا، بينما تتدهور علاقة أديس أبابا بأسمرا، وتتداخل قضية تيجراي مع حسابات إثيوبيا بشأن الأمن القومي والوصول إلى البحر الأحمر.

ولهذا فإن أي مواجهة جديدة لن تكون بالضرورة حربًا ثنائية بين أديس أبابا ومقلي، وإنما قد تتحول إلى أزمة متعددة الأطراف داخل منظومة القرن الأفريقي.

شيرارو الاختبار العسكري الأول

اندلاع القتال في منطقة شيرارو بغرب تيجراي في الأول من أغسطس كان أكثر من مجرد اشتباك محلي.

فالموقع نفسه يحمل أهمية استراتيجية بسبب قربه من المناطق المتنازع عليها ومن الحدود مع السودان وإريتريا، وقد وصفت تقارير دولية المواجهات بأنها واحدة من أخطر التهديدات لاتفاق السلام منذ توقيعه.

وتبادلت الحكومة الفيدرالية وسلطات تيجراي الاتهامات بشأن بدء القتال لكن سياسيًا، تكمن أهمية الحادث في أنه أظهر أن الترتيبات الأمنية التي يفترض أن تمنع عودة المواجهة المسلحة لم تعد كافية لمنع الاحتكاك بين القوى المتنافسة.

وهنا تبدأ المشكلة عندما تصبح الحدود الداخلية غير مستقرة، يصبح أي حادث أمني قابلاً للتوظيف سياسيًا من جانب الطرف الآخر باعتباره دليلاً على ضرورة إعادة الانتشار العسكري.

وهكذا يتحول الأمن من أداة لحماية السلام إلى عامل قد يهدد السلام نفسه.

لماذا مقلي أكثر أهمية من شيرارو؟

الانتقال من الاشتباكات في الأطراف إلى الضربات التي يُبلغ عنها بالقرب من مقلي يحمل دلالة سياسية مختلفة.

فمقلي ليست مجرد مدينة رئيسية؛ إنها مركز القرار السياسي والإداري في تيجراي، ولذلك فإن وصول العمليات العسكرية إلى محيط العاصمة الإقليمية يغيّر طبيعة الرسالة.

في 18 أغسطس، اتهمت سلطات تيجراي الحكومة الفيدرالية بتنفيذ ضربة مسيّرة على مركز لتدريب المزارعين في داندرِا، على مسافة نحو 15 كيلو مترًا من مقلي، وقالت السلطات إن الهجوم لم يسفر عن إصابات.

وبصرف النظر عن الخلاف حول الجهة المسؤولة، فإن استخدام الطائرات المسيّرة في هذا السياق يعيد إلى الذاكرة وسيلة قتالية لعبت دورًا بارزًا في الحرب السابقة.

والأهم أن الطائرة المسيّرة تغيّر حسابات الردع؛ لأنها تسمح بضرب أهداف بعيدة دون الحاجة إلى تحريك تشكيلات برية كبيرة، ما قد يخفض عتبة استخدام القوة ويجعل التصعيد المتدرج أكثر احتمالاً.

المشكلة الحقيقية في بريتوريا

لم يكن اتفاق بريتوريا مجرد وقف لإطلاق النار؛ كان محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز وتيجراي بعد حرب مدمرة لكن وقف إطلاق النار لا يساوي بالضرورة تسوية سياسية وهنا تظهر الفجوة الحالية.

فالملفات الأكثر حساسية بقيت مفتوحة، وعلى رأسها وضع غرب تيجراي، وعودة النازحين وترتيبات الأمن، وإعادة دمج القوات وشكل العلاقة السياسية بين الإقليم والحكومة الفيدرالية.

وقد أشارت تحليلات متخصصة إلى أن عدم تنفيذ هذه الملفات بالكامل جعل السلام هشًا وقابلًا لإعادة إنتاج الصراع بأشكال سياسية وأمنية مختلفة.

لذلك يمكن فهم التطورات الحالية باعتبارها أزمة تنفيذ السلام أكثر من كونها انهيارًا مفاجئًا لاتفاق السلام وهذا فارق مهم.

فالاتفاق لم يُلغَ رسميًا، لكن استمرار النزاع حول القضايا التي يفترض أن يعالجها يعني أن أسباب الاحتكاك مازالت موجودة.

الانقسام داخل تيجراي عامل مضاعف

لا يمكن تحليل الأزمة من خلال علاقة أديس أبابا بمقلي فقط، داخل تيجراي نفسها يوجد صراع سياسي عميق حول مستقبل الإقليم وحول فيداو جبهة تحرير شعب تيجراي وترتيبات الحكم الانتقالي.

هذا الانقسام يجعل موقف تيجراي التفاوضي أكثر تعقيدًا، لأن الأطراف المختلفة لا تتحرك بالضرورة وفق الحسابات السياسية نفسها.

وبالتالي؛ فإن الحكومة الفيدرالية لا تتعامل مع مركز سياسي تيجراوي موحد تمامًا، كما أن أي محاولة للتفاوض أو ممارسة الضغط قد تؤثر في ميزان القوى الداخلي اللإقليم.

وهنا تتحول الأزمة من صراع مركز إقليم إلى تفاعل بين ثلاثة مستويات:-

الصراع بين أديس أبابا وتيجراي، الصراع داخل تيجراي، والصراع الإقليمي المرتبط بإريتريا.

وهذه التركيبة تحديدًا تجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.

إريتريا .. المتغير الذي يمكن أن يقلب المعادلة

أخطر ما في التطورات الحالية أنها تأتي في ظل توتر متزايد بين إثيوبيا وإريتريا.

إريتريا كانت طرفًا مباشرًا في الحرب السابقة، لكنها لم تكن طرفًا في اتفاق بريتوريا، وهو ما تركها خارج الإطار السياسي الذي أعاد ترتيب العلاقة بين الحكومة الإثيوبية وتيجراي.

ومنذ ذلك الوقت، تدهورت العلاقة بين أديس أبابا وأسمرا مجددًا، خصوصًا حول قضايا الأمن والحدود والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.

وتشير تحليلات حديثة إلى أن استبعاد إريتريا من اتفاق بريتوريا، مع استمرار الملفات الأمنية غير المحسومة، أسهما في خلق بيئة يمكن أن تتقاطع فيها أزمة تيغراي مع الخلاف الإثيوبي–الإريتري.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا:-

هل يمكن أن تتحول تيجراي من مساحة صراع إثيوبي داخلي إلى إحدى ساحات التنافس الإقليمي على مستقبل شمال القرن الأفريقى؟

إذا حدث ذلك، فإن قدرة الأطراف على احتواء الأزمة ستتراجع بصورة كبيرة.

السودان يدخل الحسابات بصورة غير مباشرة

الموقع الجغرافي لتيجراي يجعل أي اضطراب واسع فيها ذا تأثير محتمل على السودان.

غرب تيجراي قريب من الحدود السودانية، والسودان نفسه يعيش حربًا مستمرة منذ 2023، وبالتالي فإن اندلاع مواجهة جديدة في شمال إثيوبيا سيعني وجود بؤرتين للصراع على جانبي الحدود.

وهذا هو السيناريو الذي حذرت منه تحليلات إنسانية واستراتيجية سابقة: أن يؤدي تجدد الحرب في شمال إثيوبيا إلى تداخلها مع الحرب السودانية، بما يخلق مساحة أوسع للحركات المسلحة والتهريب والنزوح وتدفقات السلاح عبر الحدود.

ومن منظور الأمن الإقليمي، فإن استقرار غرب تيغراي لا يرتبط بإثيوبيا وحدها؛ بل يتصل أيضًا باستقرار شرق السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى