عربي ودولي

سوريا.. الحلقة الأحدث في الصراع بين تركيا وإسرائيل

يعكس الصراع المتصاعد بين تركيا وإسرائيل في سوريا تحولًا لافتًا في ديناميكيات العلاقات بين البلدين، في ظل سعي أنقرة إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بما يضمن لها دورًا محوريًا، مقابل محاولات إسرائيل الحد من تنامي النفوذ التركي في المنطقة.

ومن شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي والشرق الأوسط عمومًا، تتبنى تركيا وإسرائيل سياسات وأولويات ورؤى متباينة تجاه مصادر التهديد وموازين القوى الإقليمية.

وتبدو سوريا نموذجًا مصغرًا لهذا التنافس، إذ تتعارض رؤية البلدين بشأن مستقبل الدولة السورية ودورها في المنطقة.

فبينما تريد أنقرة سوريا مستقرة وقوية عسكريًا، قادرة على ضبط الوضع الداخلي وحماية حدودها الجنوبية، تفضل إسرائيل، وفق رؤيتها الأمنية، سوريا ضعيفة ومجزأة، تفتقر إلى قوة عسكرية قادرة على تهديد مصالحها.

تفاصيل الأحداث في سوريا

شنت طائرات حربية إسرائيلية، الثلاثاء، غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا، على بعد نحو 72 كيلومترًا من الحدود التركية، وألقت ما لا يقل عن ثماني قنابل استهدفت مدارج وحظائر للطائرات، ما أثار إدانات من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والأمم المتحدة، إلى جانب دول إقليمية.

وزعمت الحكومة الإسرائيلية أنها تلقت معلومات استخباراتية تفيد بوجود تحركات عسكرية تركية في الموقع، وهو ما نفته كل من سوريا وتركيا.

وهنا يبرز سؤال مهم، هل يمكن أن يؤدي استهداف موقع توجد فيه قوات تركية إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي «الناتو»؟

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكد مرارًا أن أنقرة لا ترغب في الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل داخل سوريا، وهو موقف يستند إلى حسابات استراتيجية وقانونية معقدة.

وتنص المادة الخامسة من معاهدة الناتو على أن أي هجوم مسلح على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع الدول الأعضاء، إلا أن نطاق تطبيقها الجغرافي يرتبط بما تحدده المادة السادسة من المعاهدة.

وبحسب التفسير المتداول، فإن القوات التابعة للدول الأعضاء والمتمركزة خارج الأراضي المشمولة بالنطاق الجغرافي للمادة السادسة لا تتمتع بالضرورة بالحماية نفسها التي تتمتع بها أراضي الدولة العضو.

كما أن تفعيل المادة الخامسة لا يعني بصورة تلقائية دخول جميع دول الحلف في حرب، فكل دولة عضو تتخذ الإجراء الذي تراه ضروريًا لمساعدة الدولة التي تعرضت للهجوم، وقد يكون هذا الإجراء عسكريًا أو غير عسكري.

وفي المقابل، يمكن لأنقرة اللجوء إلى المادة الرابعة، التي تتيح لأي دولة عضو طلب مشاورات مع بقية أعضاء الحلف عندما ترى أن سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي أو أمنها معرض للخطر، وقد استخدمت تركيا هذه المادة عدة مرات منذ انضمامها إلى الناتو.

هل يعني ذلك حربًا بين تل أبيب والناتو؟

إذا اعتبرت تركيا أن الضربة الإسرائيلية تمثل اعتداءً عليها، فقد تندرج الواقعة ضمن نطاق المشاورات داخل الحلف، لكن اعتبارها هجومًا يستوجب تفعيل المادة الخامسة يظل مسألة قانونية وسياسية معقدة.

إسرائيل ليست عضوًا في الناتو، بينما تركيا عضو في الحلف، إلا أن ذلك لا يعني أن الناتو سيكون ملزمًا تلقائيًا بخوض حرب ضد إسرائيل، خصوصًا إذا وقع الهجوم خارج النطاق الجغرافي المحدد في المادة السادسة.

وقد تحاول بعض الدول الأعضاء، خصوصًا إذا اعتبرت الضربة حادثًا محدودًا أو جزءًا من عمل عسكري إسرائيلي تراه تل أبيب دفاعًا عن النفس، منع تحول الأزمة إلى مواجهة مباشرة بين الحلف وإسرائيل.

أما إذا أصبح الهجوم متعمدًا وواسع النطاق ومتكررًا، أو امتد إلى الأراضي التركية نفسها، فإن الضغوط على الناتو للتحرك ستصبح أكبر بكثير، وإن ظل سيناريو المواجهة المباشرة بين الحلف وإسرائيل بعيد الاحتمال.

إذا اندلعت حرب بين أنقرة وتل أبيب.. ماذا ستفعل واشنطن؟

في حال اعتُبر الهجوم على تركيا مشمولًا بالمادة الخامسة، فإن الولايات المتحدة، بوصفها عضوًا في الناتو، ستكون أمام التزام بمساعدة تركيا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستعلن الحرب على إسرائيل.

فالمادة الخامسة لا تفرض شكلًا واحدًا للاستجابة، إذ تترك لكل دولة عضو تحديد الإجراء الذي تراه ضروريًا، سواء كان عسكريًا أو غير عسكري.

وبالتالي، فإن تفعيل المادة الخامسة لا يعني تلقائيًا نشوب حرب أمريكية إسرائيلية، وهو ما يجعل السيناريو الأكثر ترجيحًا هو محاولة واشنطن احتواء الأزمة قبل وصولها إلى هذه المرحلة.

فاندلاع حرب تركية إسرائيلية سيضع الولايات المتحدة أمام معضلة غير مسبوقة تقريبًا، حليف في الناتو يتعرض لهجوم من دولة ترتبط بها واشنطن بعلاقات أمنية واستراتيجية وثيقة.

دمشق.. العالقة في مرمى النيران

وسط هذا التصعيد، تبدو سوريا الطرف الأكثر تعرضًا لتداعيات الصراع بين أنقرة وتل أبيب.

وأكد الرئيس السوري أحمد الشرع، أن بلاده لا تشكل تهديدًا للدول الأخرى، وأن دمشق تركز على إعادة الإعمار بعد 14 عامًا من الحرب.

وفي مقابلة مع وكالة رويترز في دمشق، أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن الأولوية بالنسبة إلى بلاده تتمثل في وقف الهجمات الإسرائيلية، مشيرًا إلى ضرورة اتخاذ خطوات لبناء الثقة بين الجانبين.

وأوضح الشيباني، أن المفاوضات بشأن اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل توقفت منذ بداية الحرب مع إيران، لكنه توقع إمكانية استئنافها.

كما أشار إلى انقطاع الاتصالات بين دمشق وتل أبيب بعد الضربة الجوية على القاعدة، مع التأكيد على ضرورة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة رغم انعدام الثقة بين الطرفين.

وقال الشيباني، إن سوريا تحترم المخاوف الأمنية الإسرائيلية، لكنها تطالب إسرائيل أيضًا باحترام مخاوف دمشق، بما في ذلك استخدام المجال الجوي السوري، وتنفيذ الغارات والاعتقالات في الجنوب السوري.

أنقرة تستخدم بطاقة الإنتربول

في مواجهة التصعيد الإسرائيلي، يبدو أن أنقرة تفضل حتى الآن استخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية بدلًا من الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.

وبعد ثلاثة أيام من الهجوم على القاعدة السورية، كشف وزير العدل التركي عن مذكرة توقيف جديدة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية اعتراض إسرائيل لأسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة في مايو الماضي، مضيفًا اتهامات تتعلق بجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والاختطاف إلى اتهام الإبادة الجماعية الذي سبق أن أصدرته أنقرة في نوفمبر.

كما بدأت تركيا السعي للحصول على النشرة الحمراء للإنتربول، وهي آلية تهدف إلى تحديد مكان شخص مطلوب واحتجازه مؤقتًا تمهيدًا لإجراءات التسليم، مع التأكيد على أن الإنتربول لا يتدخل في القضايا التي يغلب عليها الطابع السياسي.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التحرك التركي باعتباره محاولة للرد على الضربة الإسرائيلية من دون إصدار أوامر بتحريك قوات عسكرية أو فتح جبهة جديدة في سوريا.

وبالتالي، فإن مذكرة التوقيف لا تمثل بالضرورة فشلًا في الرد التركي، بل قد تكون جزءًا من استراتيجية أوسع لتجنب مواجهة قررت أنقرة، حتى الآن، عدم خوضها داخل الأراضي السورية.

إسرائيل.. من القضية الفلسطينية إلى تحدٍ للأمن القومي التركي

ترى أنقرة أن محاولات إسرائيل تقويض المرحلة الانتقالية في سوريا تحمل تداعيات مباشرة على أمنها القومي.

ولهذا، لم تعد تركيا تنظر إلى إسرائيل من منظور القضية الفلسطينية وحدها، وإنما باتت تتعامل معها بصورة متزايدة باعتبارها تحديًا لمصالحها الأمنية والاستراتيجية، خصوصًا مع اتساع نطاق التحركات الإسرائيلية في المنطقة.

ورغم ذلك، لم تُبدِ تركيا حتى الآن أي مؤشر واضح على نيتها الرد عسكريًا على الغارات الإسرائيلية داخل سوريا، إلا أن التطورات الأخيرة ساهمت في زيادة حدة التوتر بين البلدين.

واشنطن.. بين حليفين

تسعى الولايات المتحدة منذ أكثر من عام إلى التوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل والحكومة السورية، في إطار مساعيها لترتيب المشهد الأمني في المنطقة.

لكن الاتفاق لا يزال بعيد المنال، في ظل استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، والتي تبررها تل أبيب باعتبارات أمنية.

وفي أعقاب الضربة الإسرائيلية، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في اتصال هاتفي مع موقع «أكسيوس»، إنه اطلع على تفاصيل الهجوم، لكنه امتنع عن انتقاده، قائلًا: «لا أستطيع الحديث عنها»، من دون تحديد ما إذا كانت إحاطته قد تمت قبل الضربة أم بعدها.

وفي الوقت نفسه، أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والسفير الأمريكي لدى تركيا، توم باراك، أن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لمنع الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا، في محاولة لمنع التوتر المتزايد بين حليفين رئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة من التحول إلى مواجهة مفتوحة.

وقال باراك لاحقًا، إن الولايات المتحدة تلقت معلومات من الجانب الإسرائيلي قبل ستة أيام من الهجوم، إلا أن الاستخبارات الأمريكية أجرت تحقيقاتها الخاصة ولم تجد أساسًا لهذا الادعاء.

السيناريو الأكثر واقعية

يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا حتى نهاية عام 2026 يتمثل في استمرار التوتر دون الانزلاق إلى حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل.

وقد تواصل إسرائيل استهداف البنية التحتية السورية التي تعتبرها مرتبطة بالحضور التركي، بينما تواصل أنقرة استخدام أدوات قانونية ودبلوماسية، من بينها مذكرات التوقيف والتحركات المتعلقة بالإنتربول، بدلًا من اللجوء إلى القوة العسكرية.

ويعتمد استمرار هذا السيناريو على نجاح سياسة ضبط النفس التي يتبناها هاكان فيدان، وعلى قدرة واشنطن على ممارسة ضغط كافٍ على أنقرة وتل أبيب، خصوصًا من خلال شخصيات مثل توم باراك، وعبر العلاقة المباشرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان.

وفي حال رفض الإنتربول إصدار النشرة الحمراء، بما يتسق مع قواعده المتعلقة بالقضايا ذات الطابع السياسي، فقد تفقد الحملة القانونية التركية إحدى أهم أدوات الضغط التي تسعى إلى استخدامها دوليًا.

لكن استمرار الضغوط الأمريكية على الطرفين، إلى جانب إدراك كل من أنقرة وتل أبيب لخطورة الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، قد يدفعهما في النهاية إلى تفعيل قناة حقيقية لتجنب الصدام بشأن سوريا.

ومع ذلك، فإن سوريا قد لا تكون الساحة الأكثر خطورة في التنافس التركي الإسرائيلي.

فإذا كان السؤال هو: أين يمكن أن ينفجر الصراع الحقيقي بين أنقرة وتل أبيب؟ فقد تكون الإجابة قبرص، وليس سوريا.

زر الذهاب إلى الأعلى