مقالات

رياض الأطفال: حيث يبدأ المستقبل.. وكيف تتحوّل موازنة البرامج إلى واقع

سعيد صديق

وكيل أول وزارة التعليم للإدارة الاستراتيجية سابقاً

في زاوية صغيرة من فصلٍ ملون، يجلس طفل لم يتجاوز الخامسة، يمسك بمكعباته، يسأل، يضحك، يحاول، ويفشل، ثم يعيد المحاولة، قد يبدو المشهد بسيطًا، لكنه في الحقيقة أول خطوة في بناء إنسان، هنا لا يلهو الطفل فقط، بل يتعلم اللغة، والانضباط، والمشاركة، والفضول، وحب الاكتشاف، ومن أجل هذا المشهد الصغير، نحتاج إلى قرارات كبيرة: فصول آمنة، ومعلمين مؤهلين، ومناهج مناسبة، وموازنات مرتبطة بالنتائج.

التعليم قبل الابتدائي ليس مرحلة كمالية، ولا رفاهية تعليمية، إنه الأساس الذي إذا صلح صلح ما بعده، وإذا أُهمل دفعنا الثمن لسنوات طويلة، ولهذا فإن الحديث عن تطوير رياض الأطفال لا يمكن أن يبقى كلامًا عامًا، بل يجب أن يتحول إلى أهداف واضحة، وبرامج تنفيذية محددة، وموازنة برامج تربط كل جنيه يُنفق بالنتيجة التي تتحقق.

في العام المالي 2023/2024، بلغ المنصرف على التعليم قبل الابتدائي نحو 5.8 مليار جنيه، لخدمة 869,704 طالبًا، في 10,069 مدرسة، و27,884 فصلًا، مع 43,650 معلمًا، و1,633 إداريًا، و954 عاملًا، ليصل إجمالي العاملين بالمرحلة إلى 46,237، وبلغ متوسط تكلفة الطالب 6,727 جنيهًا، في حين بلغ متوسط كثافة الفصل 31 طالبًا. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، علي أساسها تم بناء موازنة برامج لنفس العام كانت هي مرآة تكشف حجم التحدي.

وفي موازنة البرامج يتم التقدير والإحصاء على المدارس الحكومية فقط، لأنها هي التي تحتاج إلى تمويل وتكاليف من الدولة، ومن ثم تحتاج إلى ربط المنصرف بالمحقق، وتفعيل المحاسبية، لكن الأرقام وحدها لا تصنع تعليمًا، ما يصنعه هو أن نعرف إلى أين نريد أن نصل، وكيف، وبأي تكلفة، ومن هنا تأتي الأهداف والبرامج التنفيذية لتطوير التعليم قبل الابتدائي.

الهدف الأول: توسيع نطاق رياض الأطفال

يبدأ الطريق بتحديد العرض والطلب في التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، لنعرف أين نحتاج إلى فصول جديدة، وأين نحتاج إلى تجديد، وأين تقع المدارس في مناطق معرضة للكوارث الطبيعية أو من صنع الإنسان، وبناءً على ذلك يتم إنشاء مؤسسات تعليمية جديدة لرياض الأطفال، وتجديد وإصلاح وإعادة تأهيل القائمة منها، وإعداد أماكن ومساحات شاغرة لتوسيع نطاق الوصول، ولا تتوقف المسألة عند البناء الحكومي وحده، بل تمتد إلى زيادة المؤسسات المرخصة من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص وبرامج الحوافز، وإلى وضع استراتيجيات لإشراك مقدمي الخدمات غير الحكوميين والمجتمعيين في التوسع والبناء والصيانة.

ولأن المدرسة الآمنة شرط للتعلم، يتم تطوير وتنفيذ ورصد البروتوكولات ومدونة قواعد سلوك المعلم، كما تُبنى شبكات وشراكات مع المجتمعات والسلطات والجهات المانحة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتأتي الأولوية للمناطق الحدودية، ومحافظات مصر العليا، والمناطق الحضرية المكتظة بالسكان، ويُضاف إلى ذلك إعداد واعتماد خطة اعتماد المدارس الخضراء، لأن التعليم الجيد يجب أن يكون صديقًا للبيئة أيضًا.

الهدف الثاني: رفع الوعي بأهمية رياض الأطفال

لا يكفي أن نبني رياض أطفال، إذا لم يقتنع الأهل بأهميتها. فبعض الأسر قد ترى في رياض الأطفال مجرد مكان للعب أو رعاية نهارية، بينما هي في الحقيقة استثمار في مستقبل الطفل، ولهذا تُعد برامج لرفع وعي الأسر، وتُطلق حملات للوصول والتوعية والدعوة بشأن فوائد التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة.

الهدف الثالث: زيادة القدرات وضمان عدد كافٍ من المعلمين

المعلم هو قلب العملية التعليمية. وبدون عدد كافٍ من المعلمين المؤهلين، تظل الفصول ناقصة حتى لو بُنيت الجدران، ولذلك يتضمن هذا الهدف تعيين معلمين إضافيين، لضمان أن كل طفل يجد من يرعاه ويعلمه ويصغي إليه.

الهدف الرابع: مناهج مناسبة لأعمار الأطفال

الطفل في رياض الأطفال لا يتعلم كما يتعلم طالب الجامعة، إنه يتعلم باللعب، وبالحركة، وبالقصة، وبالتجربة. ولهذا يتم نشر منهج التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة استجابة لمهارات القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك المهارات اللينة، وضمان التعلم القائم على اللعب، والتعليم الشامل، وطرق التدريس المستجيبة للنوع الاجتماعي وتغير المناخ، والانضباط الإيجابي المتوافق مع المنهج، كما تُتاح المناهج ومصادر مواد التعلم والتدريس على مصادر المعرفة بالوزارة، ويتم دمج التثقيف المناخي في مناهج التعليم قبل الابتدائي.

الهدف الخامس: مرافق ومواد وتكنولوجيا… وتدريب

لا يكتمل التعليم بوجود منهج فقط، بل لا بد من بيئة مناسبة. ولهذا يتم توفير مرافق الرياضة واللعب التي تنمي مهارات الطفولة المبكرة، وتوفير مواد التعليم والتعلم واللعب الملائمة للأطفال والمتماشية مع المنهج، وتجهيز رياض الأطفال ببنية تحتية كافية ومناسبة لعمر الأطفال وشاشات تفاعلية.

ولأن المرافق لا تكتمل إلا بالتدريب، يتم تدريب معلمي رياض الأطفال وفقًا للمنهج الجديد، وإجراء التدريب أثناء الخدمة، كما يتم تدريبهم على تضمين الدروس والأنشطة المتعلقة بالوقاية والحماية من العنف وسوء المعاملة، بما يتماشى مع بروتوكولات المدرسة الآمنة ومدونة سلوك المعلم، ويُدرَّب قادة رياض الأطفال والمعلمون على كيفية دمج الوعي المبكر بشأن العمل المناخي في التدريس والتعلم.

الهدف السادس: رفع كفاءات المعلمين ومهاراتهم

يتكرر الحديث عن التدريب في أكثر من هدف، لأن المعلم هو المفتاح. فرفع كفاءاته يعني تدريبه على المنهج الجديد، وعلى حماية الأطفال من العنف وسوء المعاملة، وعلى دمج الوعي المناخي في التعليم. وهكذا يتحول المعلم من ناقل معلومة إلى مربٍّ وميسّر ومصمم لبيئة تعلم آمنة ومحفزة.

الهدف السابع : تعليم شامل وآمن للجميع

العدالة التعليمية لا تُعني أن نمنح الجميع الشيء نفسه، بل أن نمنح كل طفل ما يحتاجه، ولهذا يتم توسيع نموذج التعليم الشامل في مدارس رياض الأطفال، لضمان تعليم شامل ومراعٍ للنوع الاجتماعي، بما في ذلك للأطفال ذوي الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة، مع مواءمة مباني رياض الأطفال مع احتياجاتهم، كما يتم تطوير المواد والموارد التعليمية الرقمية والورقية التي تلبي احتياجات الأطفال الصغار، بما في ذلك الأطفال ذوو الإعاقات العقلية والأطفال في المناطق الريفية.

الهدف الثامن: تمكين الأطفال المحرومين

لا يمكن الحديث عن تعليم جيد إذا بقي أطفال كثيرون خارج رياض الأطفال بسبب الفقر أو المكان أو الظروف، ولهذا يتم تقديم إعانات أسرية مشروطة مقابل قيد الأطفال في رياض الأطفال، تستهدف الأسر المحرومة، كما يتم توسيع برامج التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة البديلة والمبتكرة والمرنة ومنخفضة التكلفة، لقيد المزيد من الأطفال، لا سيما من الفئات المحرومة. ويُضاف إلى ذلك بناء مرافق وفصول رياض الأطفال في المناطق الريفية.

الهدف التاسع : جودة التعليم

الجودة ليست شعارًا، بل نظام، ولهذا يتم تفعيل آلية ضمان الجودة تفعيلًا كاملًا في رياض الأطفال، ليكون التقييم قائمًا على النظام، وليس على الانطباعات.

الهدف العاشر : إدارة القطاع الفرعي للتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة

التطوير يحتاج إلى إدارة قادرة على التنسيق. ولهذا يتم نشر الاستراتيجية والسياسة النهائيتين للتنمية في مرحلة الطفولة المبكرة، وتفعيل آليات التنسيق الرسمية. كما يتم إنشاء وتعزيز التعاون والتنسيق وآليات التقارب بين رياض الأطفال والخدمات الأخرى، مثل الصحة والتكافل الاجتماعي، ودمج السلطات الإشرافية المختصة في كيان واحد تشرف عليه وزارة التربية والتعليم. ويتم التنفيذ الكامل لسياسة التنمية في مرحلة الطفولة المبكرة وفقًا لقانون الطفل.

الهدف الحادي عشر: نظام معلومات إدارة التعليم

لا يمكن إدارة التعليم بالورق فقط، ولهذا يتم تحسين دمج نظام معلومات إدارة التعليم في التعليم قبل الابتدائي، وإعداد منصات إلكترونية للتطبيق من أجل تيسير قيد الأطفال في رياض الأطفال.

الهدف الثاني عشر: المشاركة المجتمعية والقطاع الخاص

التعليم مسؤولية الجميع، ولهذا يتم زيادة النسبة المئوية لمؤسسات التعليم قبل الابتدائي التي تعتمد على المشاركة المجتمعية، وتقييم مشاركة المجتمع في إنشاء هذه المؤسسات استنادًا إلى أنظمة الجودة. كما يتم إقامة حوار منتظم مع المجتمعات المحلية والقطاع الخاص ووزارة التربية والتعليم والتعليم الفني وأصحاب المصلحة الآخرين، لمناقشة التوسع في مؤسسات التعليم قبل الابتدائي ورفع جودة خدماتها.

موازنة البرامج ليست مجرد جدول أرقام، بل جسر بين المنصرف والمحقق، وبين الطموح والواقع، وبين الطفل الذي يجلس اليوم في رياض الأطفال والمواطن الذي نبني عليه غدًا.

إن تطوير التعليم قبل الابتدائي يحتاج إلى رؤية، وإلى برامج، وإلى موازنة، وإلى متابعة، ويحتاج قبل ذلك كله إلى إرادة أن نؤمن بأن الطفل الصغير يستحق أن نبدأ به، لا أن نتركه إلى آخر الطابور.

وإلى أن نلتقي في مرحلة التعليم الابتدائي، أترككم في رعاية الله وأمنه.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى